العدد 1204 - الخميس 22 ديسمبر 2005م الموافق 21 ذي القعدة 1426هـ

حديث «لوجيزتي» آخر... الماء ثم الماء ثم الماء

حسن الصحاف comments [at] alwasatnews.com

«وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ» قرآن كريم (المؤمنون، 18). خرج الإسلام في بلاد شحيحة الموارد كثيرة العداء للأفكار والبرامج التي يطرحها. قليلون جداً هم النفر الذين آمنوا بما جاء به محمد (ص) لهم من فكر جديد» هؤلاء القلة كان لهم عزم كبير حققوا من خلاله الكثير والمثير في آن. كان عددهم يومذاك قليلاً في تلك المساحة الجغرافية الشحيحة، شديد بأسهم على مختلف الأصعدة: الفكرية، الجهادية، العملية وغيرها من أمور. أما اليوم، فإن عدد المسلمين يربو على المليار، وهم موجودون على جميع الرقعة الجغرافية للأرض... أقلية في أماكن وأكثرية في أماكن أخرى. تختلف ثقافاتهم وتتعدد ألسنتهم وتتمايز مستوياتهم الاجتماعية والعلمية. يعيش بعضهم في سلام ووئام مع مختلف الأعراق والمذاهب والطوائف، ويتعاونون على جميع الأصعدة مع بعضهم بعضاً، تحت قانون احترام الآخر، ويعيش بعضهم في صراع دائم مع بعض من المتخلفين حضارياً وثقافياً ومعرفياً، من الذين لا يعترفون بالقانون السماوي الداعي إلى احترام الآخر وعدم المساس بقيمه. هؤلاء المتخلفون لا يضرون غيرهم فحسب، بل هم فوق هذا وذاك، يضرون أنفسهم أولاً، ويخربون الأرض التي أمر الله بإعمارها، وهنا نلقي الضوء على الضرر الذي يحدثه هذا التخلف على أهم مصادر الحياة: الماء. تحدّثنا كتب التاريخ قبل بدء محمد العربي الأمي بطرح برنامج رسالته عن المنطقة وعن مواردها وعن أهم تلك الموارد: الماء. وكيف كان شحيحاً جداً في تلك المنطقة التي خرج فيها بدعوته وتحديداً مكة المكرمة. هنا جزءٌ من الصورة: يحكى أن عبدالمطلب رأى حلماً في منامه يأتيه في أربع ليال على التوالي، فيه أمر بحفر بئر يحدّد له فيه موقعه، وأعطاه أيضاً اسمها، وهي البئر الأكثر شهرة «زمزم». ولتجسيد الحلم على أرض الواقع تم حفر البئر المشار إليها، وحين تفجر الماء نازعته قريش عليها وطالبت بحصتها فيه، أي إشراكها في البئر. عبدالمطلب لم يقبل ذلك لكونه جهداً خاصاً ورؤيا اختصته وحده من بين جميع أهل مكة، فاحتكموا بعد ذلك إلى كاهنة، غير أنهم وقبل وصولهم إليها نفد الماء الذي لدى عبدالمطلب ورجاله، وأبت قريش أن تشركه في الماء الذي معها، وكاد أن يهلك ورجاله في الصحراء، وبدأوا في «حفر قبورهم». وفجأة تفجرت عين من تحت حافر ناقة عبدالمطلب، وأنقذتهم من نهاية حتمية، وشربوا حتى كفايتهم. وقد اعتبرت هذ الواقعة دلالة على أحقية عبدالمطلب ببئر زمزم، فتركوا أمره له. وبما أن العرب كانوا يتنافسون فيما بينهم على الماء وعلى تصريف شئون الآبار تعززت بهذه الواقعة ­ كما تقول كتب التاريخ ­ مكانة بني هاشم في مكة نتيجة لذلك، ولهذا أضحوا المسئولين عبر التاريخ على سقاية الحجيج. نرى من ثم أن القرآن الكريم في مختلف آياته الكثيرة عن الماء قلما يذكر الآبار، فقد وردت كلمة بئر في القرن الكريم مرة واحدة في سورة الحج، آية ،45 أو الأنهار (وجميعها أنهار في الجنة للخمر واللبن والعسل والماء) وذلك لندرتها، ولكون العرب آنذاك يعتمدون على الأمطار في الزراعة والسقي. هنا بعض الآيات التي تدل على ذلك: «وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُم» (البقرة: 22)، «وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا» (البقرة: 164). «وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْء فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّات مِّنْ أَعْنَاب وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِه انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَات لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ» (الأنعام: 99)، «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَد مَّيِّت فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (الأعراف: 57) «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ» (النحل: 10). هنا نرى بوضوح الوعي باعتماد سكان الجزيرة اعتماداً كبيراً يومذاك وما قبله، على هطول الأمطار لنبات الشجر ولاخضرار المراعي، حتى ترعى فيه أبلهم ودوابهم، وذلك لنقص وشح في موارد المياه الأخرى. وهناك آيات أخرى كثيرة تشي بالمعنى ذاته ومعاني أخرى. الأحاديث النبوية هي الأخرى ترينا أن الرسول وعى مشكلة ندرة الماء، فيذكر أنه (ص) مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف يا سعد. قال أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار». وفي حديث آخر: «المسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَث ، فِي الْكَلأ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ» (رواه أبوداوود، وأحمد) وهناك أحاديث كثيرة أخرى. العربي وهو في الصحراء انتبه إلى ندرة المياه ووعى لها كل الوعي، واستنبط الطرق لحفظها. ووعى من الحيوان الذي يرافقه شقاؤه في الصحراء المحرقة، ووعى أن في سنام الجمل وعاء لحفظ الماء لوقت الشدة، فهو في الحالات التي تضيق بهم الدنيا على سعتها يلجأون إلى ذلك الحيوان الذي خزّن الماء لاستخدامه الخاص وينحرونه ليستخدموا الكمية من الماء المخزنة في السنام. هناك أيضاً أشجار معروفة في مناطق كثيرة من العالم تقوم بتخزين المياه لوقت الشدة والضيق، ولا تسرف في استهلاكه، وهناك من وظف الشجر لتخزين مياه الأمطار في جوف الأشجار، كما هو الحال عند أهل غرب السودان في أشجار التبلدي الكبيرة كما تقوم الأعشاب الصحراوية بتخزين المياه. اليوم نحن نعيش في عالم يختلف بكل تأكيد اختلافاً كلياً عن العصور السابقة، فالمياه تصلنا إلى منازلنا، بل إلى أي موقع نُوجد فيه بكل سهولة، وليس هناك من حاجة إلى تخزينها. وهذه المياه في غالبية الأحيان في مناطقنا العربية والإسلامية ليست مياهاً نستخرجها من باطن الأرض كون عيون المياه عندنا جفت وأصبحت نسياً منسياً، وإن بقي في بعضها قطرات نكحل به عيوننا التي باتت ترى سراب مياه في كل مكان.

فساد الجو والبحر

الأنهار هي الأخرى في مأزق كبير، إذ تتحارب عليها دول كثيرة، وكل دولة تحاول بناء السدود حتى يكون لديها مخزون من المياه. أمطارنا ما عادت هي الأمطار ذاتها، فهي اليوم أمطار حمضية، فيها أخطار كثيرة إذ تحمل معها في كل قطرة من الملوثات ما يمكن أن يقتل جيلاً وأجيالاً على المدى البعيد. وقد فسد الهواء الذي نتنفسه أيما فساد، فزادت كمية ثاني أكسيد الكربون فيه، وبهذا يتوقع أن تنقرض مخلوقات كثيرة من الأرض وربما من بينها الإنسان نفسه، البحر عندنا هو الآخر يعاني من مشكلات بيئية لا حصر لها، فقد أكدت بعض الدراسات احتياج الدول المطلة على الخليج إلى ما يزيد على 200 عام للتخلص من المخلفات النفطية التي تركت فيه، هذا إلى غيرها من مخلفات لا حصر لها، ستقتل الثورة السمكية وربما تقتل الإنسان معها. وهناك انخفاض كبير في منسوب المياه في جوف الأرض واختلاطها بعناصر غير سليمة جراء النفايات المختلفة، الصناعية منها وغير الصناعية، ما قد ينتج عنه مشكلات عدة منها ازدياد حرارة الأرض وتفجر البراكين. إضافة إلى ذلك، هناك التغيرات المناخية التي شاهدنا بعض أفعالها: «تسونامي» وغيرها من صور تلك التغيرات وما يمكن أن تحدثه من أضرار. نعود لنقول إن المسلمين يزيد عددهم على المليار، ومن المفترض ألا يزيد استخدامهم على 50 لتراً يومياً من الماء للوضوء للفرد الواحد، أي 50 مليار لتر من الماء يومياً لجميع المسلمين، غير أنهم يستخدمون أكثر من ذلك بكثير، أي ما يزيد على 400 مليار لتر من الماء للوضوء يومياً، وهذه أرقام أقل الدراسات الإحصائية. عندما شرع الرسول الوضوء كان المسلمون لا يستحمون يومياً (وعلى ما يبدو أن الناس يومذاك كانوا يستحمون في الأسبوع يوماً واحداً وهو يوم الجمعة وذلك لندرة وجود الماء)، ولم يكونوا يغسلون سيارتهم وأفنية منازلهم، أو يسقوا مزارعهم الخاصة في البيوت، وليس لهم هذا العدد الكبير من المساحة المزروعة من الأرض، ولم يكن لديهم هذا العدد الكبير من الحيوانات الداجنة، ولم تكن أمطارهم ملوثة ولا بحارهم ولا آبارهم، ولم تكن تجاويف الأرض قابلة للجفاف ولم تكن هناك ملوثات بيئية بهذا الحجم. في أيام النبوة تلك حين شحت المياه أوصى الرسول أصحابه بالاقتصاد في استخدام الماء، كما جاء في الخبر: «حدثنا عبدالله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضأوا منه، قال فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضأوا من عند آخرهم». نود من رجال الدين على مختلف مذاهبهم ومشاربهم، أن ينظروا في هذا الأمر الأكثر أهمية من أمور هم منشغلون بها، ذات طابع فردي وليست لها تلك الأهمية في حركة التاريخ ومستقبل الإنسان، لأن الماء عنصر مهم للحياة، لقوله عز من قائل: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْء حَيّ » (الأنبياء: 30)، وليكن استخدام الماء للوضوء بقدر يؤدي الفرض المفترض منه. أترككم مع هذه الآيات الشريفة: «وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ» (الأعراف: 50)... «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ» (المؤمنون: 18)، «وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الماء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُّحْتَ

العدد 1204 - الخميس 22 ديسمبر 2005م الموافق 21 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً