العدد 1265 - الثلثاء 21 فبراير 2006م الموافق 22 محرم 1427هـ

هل يعتذر الحكام إلى شعوبهم؟!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

سؤال يبدو ساذجاً في نظر كثيرين... هل سيأتي اليوم الذي يعتذر فيه الحكام اعتذاراً علنياً إلى شعوبهم، عن أخطاء وقعت أو جرائم ارتكبت، في ظل حكمهم أو في ظل من سبقوهم؟!

لست من هؤلاء الذين يستبعدون حدوث ذلك في عالمنا، فثمة متغيرات كثيرة وضغوط متراكمة تجعل مثل هذه الخطوة الهائلة ممكنة، الآن أو غداً، متغيرات وضعت قضية الإصلاح الديمقراطي، والتحول من الاستبداد والديكتاتورية، إلى إطلاق الحريات العامة، على قمة أجندات دول وشعوب العالم... وضغوط تزاوجت بين الداخل والخارج لتدفع بنظم الحكم نحو التخفيف من قبضاتها الحديد، والتخلي شيئاً فشيئاً عن احتكارها القديم للسلطة والثروة.

وإذا كان هذا الأمر حدث فعلاً خلال عقد واحد، في دول العالم الثاني، أوروبا الشرقية، التي انتقلت سريعاً من قبضة المعسكر الشرقي «الاشتراكي» إلى ساحة المعسكر الغربي «الرأسمالي»، فليس غريباً أو بعيداً أن يحدث الأمر نفسه في عالمنا الثالث، وقد بدأت بشائره فعلاً تلوح في الأفق، على رغم المراوغات المعهودة!

ولقد أصبح من أدبيات هذا الانتقال، من الحكم الاستبدادي الديكتاتوري، إلى الحكم الديمقراطي، طبقاً للمفهوم الغربي السائد، أن تمارس النظم الحاكمة فضيلة الاعتراف، والمصارحة، لكي تحقق المصالحة مع الشعوب التي عانت القهر والظلم والفساد... الاعتراف بما ارتكب من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان ومصادرة للحريات واغتصاب للسلطة والاستيلاء على الثروة.

والمعنى أن يؤدي هذا الاعتراف والمصارحة، إلى الاعتذار العلني وإلى العمل الفوري على تصحيح الأخطاء، وإيقاف الانتهاكات ومعاقبة المجرمين وتعويض المضطهدين وإنصاف المظلومين، حتى يمكن أن تسود روح المصالحة التي تفتح الباب أمام التحول والانتقال إلى الديمقراطية من دون آثام وآلام!

هكذا فعلت دول عدة في الشرق والغرب، من إسبانيا والبرتغال إلى بولندا والمجر، ومن جنوب إفريقيا إلى تشيلي والأرجنتين، وكلها كانت خاضعة لنظم ديكتاتورية، ثم انتقلت إلى نظم ديمقراطية، مازالت تصنف عالمياً تحت عنوان «الديمقراطيات الانتقالية».

ولذلك، يتساءل مواطنونا؛ متى يحدث هذا في بلادنا، متى تبدأ رياح التحول والانتقال الديمقراطي، متى نتصارح ونتصالح، متى يعتذر، بل من يعتذر عما جرى لنا عبر السنوات والعقود، حتى أصبحنا ضمن تصنيف الدول غير الديمقراطية؟!

في الأسبوع الماضي، أخذني التسفار إلى المغرب، إذ الحيوية السياسية والإعلامية أكثر بروزاً من غيرها في الدول العربية المختلفة، من تعددية حزبية واسعة الانفراج، وصحف مختلفة الألوان والأشكال، ومنظمات وهيئات مدنية تتكاثر بقوة، وبرلمان منتخب يضم ألوان الطيف، وحكومة تخضع يومياً للمساءلة والمحاسبة، وفوق الجميع ملك شاب يحاول منذ أن ورث العرش عن أبيه، أن يضع بلاده على طريق المصالحة، وتجاوز أخطاء الماضي، أي التي وقعت خلال حكم أبيه، لكي يوطد حكمه!

الذاكرة المغربية حاضرة على الدوام، لا تتوقف عن تعداد وتكرار الانتهاكات العنيفة التي جرت خلال العقود الماضية، والتي راح ضحيتها آلاف المواطنين، بعضهم صار مصيره معروفاً، ومعظمهم مازالوا مجهولي المصير، فربما مازالوا أحياءً في المعتقلات السرية، وربما ماتوا تحت التعذيب.

التعذيب... كلمة شائعة في الأحاديث العامة والخاصة، فقد حفل تاريخ العقود الماضية بالقصص والروايات التي تفوق الخيال، عما ارتكبته الأجهزة الأمنية، العلنية والسرية، من عمليات خطف وإخفاء قسري، واعتقال وتعذيب، ومحاكمات صورية وأحكام قاسية تمثل «لافتة قانونية»، لتخفي أضعاف أضعافها تجري من وراء القانون وخارج المحاكم، في ظل سلطة مطلقة لا يحاسبها أو يراقبها أحد، لأنها تتخفى وراء سلطة مدنية للملك، وسلطة دينية لأمير المؤمنين الذي هو الملك أيضاً!

منذ سنوات قليلة، دأبت الحركة السياسية الديمقراطية في المغرب، على السعي للانتقال إلى فضاء المصالحة والمصارحة، مستفيدة أولاً من تراثها التحرري الكبير، وثانياً من تجارب الدول الأوروبية وهي قريبة منها جغرافياً وتاريخياً وثقافياً... ولذلك استغلت مرحلة انتقال الحكم، من الملك الأب إثر وفاته، إلى الملك الابن، لكي تعيد طرح مشروعها الديمقراطي الانتقالي بصورة أقوى، وخصوصاً أن الرموز الشرسة لقوى الأمن وأجهزة المخابرات ووحوش التعذيب والاعتقال والخطف والإخفاء، قد بدأت تغيب عن المسرح وتفقد السلطة المطلقة، مع تغير الحال وتبدل الرجال!

وفي هذا المناخ، نشأت «هيئة الإنصاف والمصالحة»، التي عكفت على مدى الفترة الماضية على فتح كل الملفات المغلقة، المتعلقة بانتهاك الحريات وإهدار حقوق الإنسان في المغرب، الذي دفع فيها ثمناً باهظاً من لحم أبنائه ودماء شعبه ومستقبل حريته وتنميته اللتين طالما افتقدهما، ولايزال يحلم بهما.

وقد أصدرت هيئة الإنصاف والمصالحة، منذ أسابيع تقريرها الأول من نوعه في مغربنا ومشرقنا العربي، بعد مراجعة شاملة لنحو أربعين سنة من الانتهاكات المختلفة التي طالت عشرات الآلاف، وعوقت مسيرة التقدم والإصلاح، ودمغت مسئوليها بالاستبداد والفساد، وهي تهم لا تسقط أبداً بالتقادم.

باختصار شديد، ركزت هيئة الإنصاف والمصالحة، على هدفين، أولاً إجلاء الحقيقة وكشف المستور وفضح كل ما جرى من انتهاكات، وثانياً جبر الضرر الجماعي الذي أصاب المجتمع بكل أفراده نتيجة هذه الانتهاكات، أي بوضوح البدء بالاعتراف والمصارحة، والانتهاء بالمصالحة وإصلاح الأخطاء وتفادي وقوعها مرة أخرى، ولذلك امتلأ التقرير المهم بما جمعته الهيئة من معلومات، والاستماع إلى الشهود، ومقابلة الضحايا الأحياء، وأسر الضحايا الموتى أو المختفين، وآراء الشخصيات العامة، فضلاً عن القيام بالاطلاع على الأرشيف الحكومي ومراجعة القرارات والأوامر والتحريات الأمنية، وزيارة المعتقلات والسجون، وجمع شكاوى الانتهاكات وتقارير منظمات حقوق الإنسان، وتحديد أماكن الاعتقال السري وأساليب التعذيب، ووسائل إخفاء المعارضين والمعتقلين!

وبقدر ما فضح تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، كل المسكوت عنه من جرائم وانتهاكات ارتكبت على مدى عقود، بقدر ما تطلع إلى المستقبل، فوضع أجندة عمل أو «مسطرة» وفق قول المغاربة، لحماية الحقوق والحريات، ولدعم الانتقال الديمقراطي، ولتوفير الضمانات التشريعية والقانونية والإجرائية، التي تحول دون تكرار ما جرى، فأكد مثلاً «قاعدة مسئولية الحكومة بشكل تضامني عن العمليات الأمنية وحفظ النظام، وحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإلزامها بإخبار الجمهور والبرلمان بأي حوادث تستلزم تدخل القوة العمومية...».

وبالموازاة، طالب الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان بتفعيل مسئوليتها السياسية والتشريعية فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، كلما تعلق الأمر بادعاءات حدوث انتهاكات جسيمة... أي أن التقرير حمّل الحكومة والبرلمان المسئولية المشتركة في هذا الصدد، وبالمثل أوصى بتحديد معايير وحدود استخدام القوة من جانب أجهزة الأمن، مثلما طالب بالمعاقبة الإدارية والجنائية والصارمة لكل من ثبت عليه إخفاء ما ترتب من الخسائر البشرية أو المادية، وعلى الاستعمال المفرط للقوة ضد المواطنين، كما طالب برفع أيدي وزارة العدل عن القضاء لدعم استقلاليته الحقيقية.

وإذا كان التعويض المادي والمعنوي، ورد الاعتبار إلى ضحايا انتهاك حقوق الإنسان وإهدار الحريات العامة، قد تجلى واضحاً في تقرير لجنة الإنصاف والمصالحة، جبراً للأضرار التي أصابت المجتمع كله، فإن احتياطات المستقبل لمنع الانتكاس والرجوع، قد احتلت مكاناً مميزاً في التقرير ذاته، وخصوصاً المطالبة بضرورة الإسراع في تأهيل وتعديل التشريع والقانون الجنائي، بهدف تكريس واحترام حقوق الإنسان والتوجه نحو «عدالة تحقيقة بدلاً من عدالة اتهامية»، وإدراج نصوص واضحة في القانون لمقاومة العنف ضد النساء وفق المعايير الدولية، وتشديد العقوبات في حالات العنف ضد النساء والتحرش الجنسي والاغتصاب، وخصوصاً من جانب موظفي الأجهزة المكلفة تنفيذ القوانين!

وفي المجمل، فإن التقرير ركز على ضرورة تعزيز الحماية الدستورية لحقوق الإنسان، وخصوصاً في حال الأزمات والصدامات، وأوصى بوضع نصوص دستورية صريحة لحماية حريات التعبير والتنقل والتظاهر والتنظيم النقابي والسياسي والتجمع والإضراب وحرمة المساكن واحترام الحياة الخاصة والمراسلات، وكذلك وضع ضمانات دستورية للمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أوصى بتجريم ممارسة الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والإبادة العنصرية والتعذيب وكل أنواع المعاملة والعقوبات القاسية وغير الإنسانية.

ونستخلص من كل ما سبق أن المغرب قد خطا خطوة كبيرة في طريق المصارحة والمصالحة ومعالجة الأضرار، التي تراكمت عبر السنوات الطويلة من انتهاكات فظة لحقوق الإنسان وإهدار لحرياته، وهو بهذا لا يداوي جروحه فقط ويجبر آلامه وأوجاعه وحده، ولكنه يقدم الينا مبادرة شجاعة، تغري بالتقليد والمحاكاة، إن أردنا التقدم نحو الإصلاح الديمقراطي الحقيقي، إذ الصورة متكررة والأوضاع متشابهة والانتهاكات شائعة والجرائم معروفة وكذلك المجرمون، لا فرق بين هنا وهناك، وهذا وذاك، في الشرق أو في الغرب!

من باب التفاؤل، الذي قليلاً ما يراودني، أعتقد أن عدوى الاعتراف والاعتذار، التي بدأت في المغرب، ستنتقل سريعاً عبر الحدود، لتدق أبواب المشرق إذ يتطلع الجميع إلى بدء مرحلة الانتقال الديمقراطي، التي تتطلب أول ما تتطلب المصارحة ثم المصالحة، الاعتراف بوقوع الجرائم، ثم الاعتذار عنها.

غير أن الاعتذار وحده لا يكفي، إنما الذي نتطلع إليه جميعاً، هو تحصين الاعتذار بضمانات دستورية وقانونية، حكومية وشعبية، تمنع الانتكاس وتوقف انتهاك الحريات وإهدار الحقوق، وهي بالمناسبة جرائم ضد الإنسانية، وفق كل القوانين المحلية والدولية، لا تسقط أبداً بالتقادم!

خير الكلام...

يقول جبران: ويلٌ لأمةٍ تجعل المستبدَّ بطلاً، والغازيَ المذلَّ رحيماً

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 1265 - الثلثاء 21 فبراير 2006م الموافق 22 محرم 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً