العدد 1365 - الخميس 01 يونيو 2006م الموافق 04 جمادى الأولى 1427هـ

كلام قليل عن ميشيل كيلو

فايز سارة comments [at] alwasatnews.com

.

عرفت الاستاذ ميشيل كيلو لأول مرة من بعيد منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً. وشيئاً فشيئاً تعارفنا أكثر، وتقاربنا إلى درجة أن صرنا أصدقاء، بل اخوة من الذين لا تجمعهم رابطة الدم، بل رابطة الروح، والتي أعتقد أنها أكثر الروابط قوة وإنسانية.

وأجد نفسي بحاجة إلى توضيح، أن رابطة الروح التي جمعتني مع الاستاذ، لم تكن رابطة أيديولوجية ولا سياسية. فلم أكن ذات يوم في تيار ايديولوجي أو تنظيم سياسي معه، على رغم أنه ليس لدي من مانع في ذلك، كما أن رابطة الروح ليست «ناتج هوى مشترك» بيننا إزاء موضوع ما، ولا هي نتيجة موقف مشترك حيال قضية بعينها، إنما هي باختصار روح التعامل مع المحيط بما فيه من بشر ومظاهر وقضايا، وجوهرها التبسيط والبساطة، والابتعاد قدر المستطاع، وبكل الوعي والإصرار عن كل عوامل الشد والشدة والتنابذ في العلاقة مع ما حولنا.

والحق فإن علاقة بهذا المحتوى، لم يكن من السهل قيامها وتكريسها في الحياة الشخصية، كما في العلاقة مع الآخرين لأسباب كثيرة ومعقدة، لعل الأبرز فيها، يتمثل في الأوضاع الصعبة والمعقدة التي عاشها جيلنا في ظل نظام سلطوي، عمل كل الوقت على جعلنا في الاستثناء والطوارئ، وقام بتدمير المزايا الشخصية للأفراد، وتحويلهم إلى كم مشترك، يتناغم مع ما يريده النظام وما يسعى إليه، ليس من الجانب السياسي فقط، بل وفي كل جوانب الحياة مهما صغرت، وتضاءلت أهمية هذه الجوانب، إذ دأب النظام على تطويع وتربية السوريين بداية من منظمة طلائع البعث، وصولاً إلى رابطة المحاربين القدماء وفي المراحل التي ما بينهما.

والاستاذ ميشيل، كان واحداً من السوريين الذين رفضوا الانضواء تحت تلك السياسة سواء بالترغيب أو الترهيب، وعاش مع نفر من السوريين عملوا كل الوقت، ليس في مقاومة تلك النزعة من السيطرة والتجييش، وانما لتأكيد حق الإنسان في اختيارات حرة ومسئولة من دون إكراه ولا إجبار، وبهذا المعنى، كان الرجل واحداً من الذين علموا السوريين بالقول والكتابة، وقدموا بصورة عملية نموذجاً للسوري الحر وصاحب الخيارات في مواجهة ما يحيط به من ظواهر وسياسات وتداعيات، ومن ذلك استحق فعلاً لقب الأستاذ من حيث الرؤية ومن حيث الممارسة، ولم ترهبه أو تمنعه اعتراضات الطرف الآخر ولا عقوباته بما فيها الاعتقال الذي تعرض له في بداية الثمانينات.

وقوة الأستاذ في السير على طريقه الصعب، كانت محكومة بأمرين اثنين، أولهما تفحص مستمر للقناعات والأفكار والتغييرات المحيطة وإعادة تصويبها، والأمر الثاني إصراره على ان الحوار والتوافق هو طريق الوصول إلى المشتركات، بما في ذلك الاتفاق على سبل الوصول الى هذه المشتركات، ولعل المرحلة الأبرز والأكثر نضجاً في هذا المجال تكرست في السنوات الأخيرة، عندما اتسع وتعمق مسعى كثير من المثقفين والناشطين السوريين للتأمل فيما آل إليه الواقع السوري من ترديات، وما غرق فيه من مشكلات باتت تتطلب جهداً فكرياً وسياسياً وسلوكاً عملياً، يعيد فك وتركيب القوة السورية في مواجهة تلك الأوضاع وما يصاحبها من تحديات خارجية تلقي بظلالها السوداء على مستقبل سورية والسوريين.

وولدت من تلك الروح بيانات الحراك الثقافي والاجتماعي، ثم ولدت تجربة لجان إحياء المجتمع المدني وجماعات حقوقية وأهلية أخرى، وكانت مساهمة الاستاذ كيلو وآخرين بينهم أستاذ الاقتصاد المعتقل عارف دليلة ملموسة وأساسية في كل ما تقدم، واستمر ذلك الجهد فيما أعقب ذلك من مبادرات وخطوات هدفت إلى إخراج المجتمع والدولة السوريين من مشكلاتهما ومن التباسات العلاقة بينهما، وفتحت الأبواب من أجل دور ملموس للمواطنين في تغيير الحاضر وصنع المستقبل.

لقد كان من الصعوبة ولادة توافقات كهذه، دون حوارات ومناقشات وتسويات بين أفراد وجماعات، اعتادت العزلة والتنابذ والابتعاد عن الآخر والاختلاف معه على كل شيء وبصدد كل شيء، لكن روح الوطنية والمواطنة والثقافة الواسعة، والتجربة العميقة، التي تحلى بها ميشيل كيلو وشركاؤه في الحوار، جعلت التوافقات شيئا ممكنا، ووضعت أساساً من أجل مستقبل آخر، ولأن الأمر على هذا النحو من الأهمية فلا يصح أن يبقى الأستاذ ورفاقه قيد الاعتقال، فمكانهم بين الناس وفي المجتمع، لا في الزنازين الرطبة والمظلمة

العدد 1365 - الخميس 01 يونيو 2006م الموافق 04 جمادى الأولى 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً