العدد 1639 - الجمعة 02 مارس 2007م الموافق 12 صفر 1428هـ

القيم العالمية والديمقراطية الإسلامية

أنور إبراهيم comments [at] alwasatnews.com

عند هذه اللحظة المحورية في التاريخ، وفي الوقت الذي يزداد فيه التباعد بين الشرق والغرب عن قضايا الحرية والعدالة، أجد نفسي أتذكر نشأتنا في ماليزيا ذات الانتماءات والثقافات المتعددة. كانت تلك التنشئة هي التي غرست في العقل الماليزي ما وصفه أمارتيا سين الحاصل على جائزة نوبل بأنه الهوية التعددية. نحن الماليزيين محبون للمعرفة بطبيعتنا ونهتم بالاطلاع على الثقافات والأديان الأخرى. لقد درسنا القرآن وسنة النبي محمد (ص) في نفس الوقت الذي استمتعنا فيه بأعمال دانتي وشكسبير وتي. إس. إليوت. بالنسبة لي، لم يكن هناك لدي شك أبدا بأن عالمنا والعالم الغربي متطابقان وأن روح المشاركة والتعددية هذه ستبقى مصدرا للإلهام في جسر الفجوات بين الثقافات والحضارات. بيد أن هناك من يصر على المجادلة بشدة بأن الحضارات الكبرى تتجه نحو المواجهة إن لم يكن الصدام المباشر. وفي الوقت الذي أعطى فيه انتهاء الحرب الباردة دفعة قوية لانتشار الحرية ورفعت من درجة الإحساس السائد بالتفاؤل، إلا أن هذه القيم لم تتجذر بعد في الكثير من أنحاء الأرض. على العكس من ذلك نجد حريات أساسية يتم سحقها وإساءة استخدامها مما يشعل الخلافات بين الشعوب والحضارات. لقد أدى بي كفاحي الشخصي ضد أولئك الذين يسعون لإبقاء الإنسانية مجللة بالطغيان إلى دخول السجن لمدة ستة أعوام، وهي فترة أدركت خلالها بوضوح مبهر أن الحرية هي الجوهر الأساسي للكينونة التي تفتح طاقات الروح البشرية إلى أبعد مدى.

إن حقيقة أن مبادئ الحرية السياسية والديمقراطية هذه قد تم وضعها أساسا في الغرب لا تستثني تطبيقها عالميا كما لا يمكن الجزم بأنه لم يتم التعبير عنها في سياقات أخرى. لقد قيل مثلا بأن «القيم الآسيوية» تطورت في تناقض واضح مع القيم الديمقراطية. ويجري الاستشهاد بالأخلاقيات الكونفوشوسية في هذا السياق على اعتبار أنها تؤكد على أهمية الطاعة الأبوية، وامتدادا لذلك الخضوع لسلطة الدولة. إلا أن هذه المحاججة تتجاهل تماما مفاهيم جوهرية أخرى للكونفوشوسية والتي تؤكد أيضا الأولوية القصوى للفرد وأهمية حث النفس على تحقيق الذات وحمايتها ضد الاستغلال من قبل القوى المهيمنة. وقد تم أيضا تلفيق نظريات تثير الحنق مفادها وجود تناقض متأصل بين الإسلام والقيم الديمقراطية في محاولة لغرس إسفين بين حضارتين عظيمتين. يقال، مثلا، أنه في حين أن الديمقراطية الليبرالية تضع السيادة في يدي الفرد فإن السيادة في الإسلام تعود فقط لله وبذلك تنزل بالفرد إلى كونه فقط مجرد أداة عاملة دون اهتمام يذكر بممارسة إبداعه وحريته الشخصية. إن وجهة نظر كهذه هي قراءة مُضللة لمصادر الدين وتمثل قبولا مستسلما للخطاب المتطرف. وجهة النظر الصحيحة هي أن الحرية هي الهدف الجوهري للقانون المقدس. والإسلام عبّر دائما عن الأهمية القصوى للعدل وهو مفهوم تقريبي لمعنى الحرية في التعريف الغربي. الحرية تقتضي الحكم وفقا لما يمليه القانون الإسلامي الذي يؤكد التشاور ويشجب الحكم المطلق والطغيان.

رغم الحالة الاستبدادية الراهنة في العالم الإسلامي فليس هناك شك في أن عناصر أساسية عديدة في الديمقراطية الدستورية والمجتمع المدني هي أيضا مكونات أخلاقية أساسية في الإسلام - حرية الضمير، حرية التعبير، وقدسية الحياة والملكية - كما تظهر بوضوح تام في القرآن إضافة للأحاديث النبوية، وربما بشكل خاص بصورة أكثر إحكاما وبلاغة في خطبة الوداع.

إن مستقبل الديمقراطية الإسلامية هو الآن. وظهور الديمقراطيات الإسلامية مسألة جوهرية للغاية وتستحق منا الاهتمام. مع ذلك فإنه، وبالاستثناء الواضح لتركيا وإندونيسيا، فإن العالم الإسلامي اليوم هو مكان تواصل فيه قوى الاستبداد والطغيان، من مختلف الأطياف والدرجات، قبضتها الطفيلية على مقاليد الناس وتقضم أطراف حرياتهم الجديدة. وفي حين أن هناك ما يشير حقا على حدوث تغيرات إيجابية في الشرق الأوسط فإن من الضروري التأكيد على أن مازال أمامنا طريقا طويلا لتحقيق أهدافنا المنشودة في الحرية والديمقراطية، وهي الأهداف التي نجدها في التقاليد الفكرية الإسلامية التي توجب أن يمثل القادة الفاسدون والظالمون للمساءلة. إذا كانت الديمقراطية تتعلق برعاية «روح الاختلاف» فإنها قد كانت حقا جزءا أساسيا من التاريخ الثقافي الإسلامي وقد قامت على أساس أحاديث تنسب للرسول محمد (ص) مفادها أن اختلاف آراء المفكرين رحمة. لقد كان أئمة المذاهب الإسلامية الرئيسية يحتجون بإصرار ضد تبني الدولة الحاكمة في أيامهم لمذهب الواحد منهم دون المذاهب الأخرى، وقد سجن الكثير منهم بسبب ذلك. نحن ورثة هذه التقاليد التي توفر للمسلمين اليوم خزانا من الأفكار الديمقراطية. إلا أنه، وكما يذكِّرنا تي. إس. إليوت، هناك ظلال بين المثال والواقع.

الضوء الذي سيجعل هذه الظلال تختفي هو المشاركة، والتي ينبغي السعي إليها دون هوادة بشجاعة واقتناع. يجب علينا رفض تهميش الناس لمجرد اختلاف قناعاتهم السياسية. يجب علينا التأكد من أن المؤسسات الدستورية راسخة في مكانها لإيواء طيف عريض من الرؤى السياسية الحديثة منها أو القديمة، والإسلامية منها أو الليبرالية. إن التحدي الذي نواجهه سيكون المشاركة مع أعرض طيف ممكن دون التضحية بالتزامنا بالحرية والديمقراطية.

النتيجة التي يجب استخلاصها هي أن رغبة الإنسان في أن يكون حرا والعيش بكرامة هي حالة عامة لكل الناس، وينطبق ذلك على مقت الناس للاستبداد والقمع. هذه مشاعر لا تحفز المسلمين فقط، بل الناس من جميع الحضارات.

إقرأ أيضا لـ "أنور إبراهيم"

العدد 1639 - الجمعة 02 مارس 2007م الموافق 12 صفر 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً