العدد 167 - الأربعاء 19 فبراير 2003م الموافق 17 ذي الحجة 1423هـ

الأنظمة العربية تتخلف عن الإجماع العالمي المناهض للإمبراطورية الأميركية

بشير موسى نافع comments [at] alwasatnews.com

.

كان يوم الجمعة الماضي واحدا من أكثر أيام الشتاء البريطاني برودة، واجتاحت العاصمة لندن ريح سيبيرية جافة. ولكن مئات الألوف الذين اجتمعوا في الهايد بارك للاحتجاج على مشروع الحرب الأميركية على العراق وعلى التحالف البريطاني مع إدارة بوش أشاعوا طقسا من الدفء والمشاعر الإنسانية العميقة، لم تشهد لندن مثلها منذ عقود. هذه أكبر تظاهرة تعرفها بريطانيا في تاريخها كله. ولم تكن هذه هي التظاهرة الوحيدة، منذ سار ملايين من البشر في أكثر من 600 مدينة وعاصمة عبر أنحاء العالم في مسيرات مماثلة، تحمل الشعارات نفسها وتعبر عن المشاعر ذاتها. في الهايد بارك، وقف الآلاف من أعضاء نقابات العمال، مسيحيون متدينون، مسلمون عرب ومسلمون من أصول هندية وباكستانية وتركية، أطفال وعجائز ومقعدون، رجال ونساء، أناس عاديون لم يسر بعضهم في مظاهرة واحدة من قبل، طلاب وأساتذتهم، بريطانيون ومواطنون أوروبيون وأميركيون، جميعهم قالوا لا لسياسات الهيمنة الأميركية والعودة بالعالم إلى الزمن الإمبريالي القبيح. في لحظات الأزمة، يدرك الضمير الإنساني البسيط للشعوب الأوروبية أن الديمقراطيات الغربية ليست أكثر من أسطورة، وأن على الشعوب أن تخرج إلى الشارع لإسماع صوتها.

هذا هو النظام العالمي الجديد، هذا هو عالمنا على حقيقته إذ تقف الولايات المتحدة والدولة العبرية وحلفاؤهما في جانب، وتقف شعوب العالم كله في جانب آخر. بعض من التحق بمسيرات هذا اليوم التاريخي الكبير ربما لا يعرف أين تقع العراق على الخريطة، ولكنهم جميعا يدركون أن بوش والحفنة الصهيونية المحيطة به على خطأ، وأنهم يجرون العالم إلى الكارثة. وليس من الصعب وشعارات العداء لواشنطن والدولة العبرية ترتفع إلى عنان السماء في غالبية العواصم الأوروبية، ليس من الصعب أن يرى المرء إجماعا عالميا جديدا في طريقه إلى التبلور. ربما لم يشهد التاريخ الإنساني قط دولة تتمتع بمثل القوة والبطش الذي تتمتع به الولايات المتحدة، ولكن دولة في التاريخ، ولا حتى ألمانيا النازية، عاشت العزلة التي تعيشها الولايات المتحدة اليوم.

الانقسام العالمي

الانقسام الواقع في صفوف القوى العالمية الرئيسية لا يعكس بالضرورة انقساما على العراق نفسه. المعارضة الفرنسية ـ الألمانية، التي تجد دعما من روسيا والصين وعدة دول أوروبية أخرى، لا تحركها علاقات مميزة مع بغداد، ولا حتى المصالح الاقتصادية والنفطية لروسيا وفرنسا. هذه طبعا عوامل مهمة ولكنها ليست العوامل الأساسية المحركة للمعارضة. هذا الانقسام في الحقيقة يتعلق بالشأن الدولي كله، بمستقبل الوضع العالمي، واقتناع الكثير من القوى بأن العالم دخل مرحلة تتطلب مقاومة فعالة للسعي الأميركي العاصف للسيطرة والتحكم. كل هذه الضجة الفرنسية ـ الألمانية على ضرورة العمل من خلال الأمم المتحدة وأن تعالج المسألة العراقية ضمن معايير القانون الدولي هي في جوهرها طريقة أخرى للقول إن الولايات المتحدة لا يمكنها التفرد في القرار الدولي، وان الشأن العالمي لابد أن يدار من خلال التفاهم المشترك بين القوى الرئيسية وليس بقرار من واشنطن.

لم يكن المقصود بما سمي خلال الأسبوع الماضي بالمشروع الفرنسي الجديد لتجنب الحرب، الحصول على قرار من مجلس الأمن. ثمة تقاليد معروفة بين الدول دائمة العضوية للعمل في مجلس الأمن. أول هذه التقاليد أن أيا من الدول دائمة العضوية يجب ألا يفاجئ الآخرين بمشروع قرار ما، وأن يكون هناك زمن كافٍ للتداول والتعاون بين أعضاء المجلس قبل التقدم بمشروع القرار رسميا. ولكن الواضح أن باريس صاغت موقفها بمعزل عن واشنطن ولندن وأنها تحركت لتجنيد ألمانيا وروسيا والصين (بل والدول العربية) ضمن إطار مواجهة سياسية مع التحالف الأنغلو-أميركي. وجاء التحرك الفرنسي علي خلفية الفيتو الأوروبي الثلاثي في حلف شمال الأطلسي ضد الطلب الأميركي من دول الحلف باتخاذ قرار نشر دفاعات صاروخية في تركيا تحضيرا للحرب على العراق. وليس هناك من شك في أن هذا الفيتو أحدث أزمة في الحلف ودفع بحال الانقسام الغربي إلى مستوى غير مسبوق.

إن لم تهدف باريس فعلا إلى طرح إطار سياسي ودبلوماسي جديد لمعالجة الأزمة فذلك لأنها باتت على قناعة بأن قطار الحرب تحرك إلى مواقع متقدمة فعلا، بل ربما وصل إلى نقطة اللاعودة. الانقلاب المفاجئ في لغة كولن باول من الخطاب الدبلوماسي الساعي إلى تجنب خيار الحرب إلى خطاب تسويغ الحرب، يحمل دلالة لا تخفى على أن قرارا أميركيا أوليا بالحرب قد اتخذ. ما تحاوله فرنسا إذن هو وضع مسافة بينها وبين مشروع الحرب وجعلها حربا أميركية ـ بريطانية وليست حربا باسم المجتمع الدولي، وذلك بغض النظر عن تطورات الموقف الفرنسي نفسه خلال الأسابيع أو الشهور القليلة المقبلة.

الواقع أن فرنسا حتى الآن لم تستبعد خيار الحرب، لا في خطاب وزير خارجيتها يوم الجمعة الماضي أمام مجلس الأمن ولا في تصريحات الرئيس شيراك بعد يومين من ذلك. ولكن فرنسا تخوض حرب عصابات سياسية تستهدف إضعاف الموقف الأنغلو-أميركي وعزله عالميا حتى إن كان وقوع الحرب أصبح أكثر احتمالا من تجنبها. ما ساعد على تعزيز الموقف الفرنسي كان بلا شك حركة الاحتجاج العالمية واسعة النطاق يوم السبت الماضي. ولكن النصر الجزئي جاء في تقرير بليكس الذي كان أقل سوءا بكثير من تقريره الأول. وأصبح من الضروري للعراق أن يبذل مزيدا من الجهد لإظهار تعاونه الجوهري مع بليكس والبرادعي خلال الأسبوعين المقبلين، وقبل أن يلقي بليكس تقريره الثالث أمام مجلس الأمن. التعاون العراقي سيساهم مساهمة مباشرة في تعزيز المعارضة الفرنسية وإدامة الانقسام في صفوف القوى العالمية الرئيسية، وتوكيد العزلة الأميركية.

العجز العربي

كان مدهشا بلا شك أن يصل الارتباك والعجز العربي الرسمي إلى حد أن تطلب فرنسا رسميا من الدول العربية التحرك لدعم موقف القوى المناهضة لمشروع الحرب. الأكثر دهشة أن يجتمع رؤساء عرب ثلاث: رؤساء مصر وسورية وليبيا، لبحث الأزمة العراقية من دون أن يخرجوا لشعوبهم بمجرد بيان يعارض الحرب المحتملة. ولكن المؤشر الأكبر على عجز الموقف العربي وهشاشته يتعلق بسقوط قرار قمة بيروت (الذي لم يمر عليه عام بعد) الرافض للحرب على العراق وذهابه أدراج الرياح. واقع الحال أن عدة دول عربية تحولت إلى معسكرات حشد عسكري هائل للقوات الأميركية، بينما تفاوض دول أخرى على حجم ومدى مشاركتها في دعم الاستعدادات العسكرية الأميركية. تدرك غالبية الدول العربية الرئيسية أن مشروع الحرب على العراق ليس إلا خطوة أولى في مشروع أميركي واسع ومعلن لإعادة صوغ الخريطة السياسية والثقافية والاقتصادية في المشرق العربي. ولكن الواضح أن بعض هذه الدول دفنت رأسها في الرمال في انتظار أن تعالج المخاطر نفسها، بينما تصور البعض الآخر أن التعاون النشط مع الولايات المتحدة والتضحية بالعراق اليوم سينقذها غدا من البطش الأميركي.

خلف ذلك كله، تتلخص مشكلة مشكلات الوضع العربي في عجز وارتباك دول المحور الثلاثي العربي وتخلفها عن تحمل مسئولياتها. مصر والسعودية وسورية التي شكلت المحور وقادت حركة السياسة العربية منذ منتصف التسعينات هي في موقف حرج عربيا ودوليا. لم يعد المحور الثلاثي في موقع القيادة العربية، وإن لم يتحرك سريعا في موازاة التطورات المهمة في الساحة الدولية فستتحمل دوله مسئولية كبرى تجاه احتلال العراق وعودة الإمبريالية الغربية المسلحة إلى الأرض العربية. لم تعد تصريحات وزراء خارجية دول المحور الثلاثي ولا تصريحات الأمين العام للجامعة العربية كافية لبناء موقف عربي فعلي ضد الحرب. العمل الجاد والفعال للالتحام بالحركة العالمية، الرسمية والشعبية، لمناهضة العرب يتطلب عملا جادا في الاتجاهات الآتية:

1- أنْ تعلن السعودية رفضها القاطع والواضح لاستخدام أراضيها من قبل الولايات المتحدة في الحرب ضد العراق، لا كمنطلق للقوات الأميركية ولا كمركز قيادة وتوجيه وتحكم لهذه القوات.

2- أنْ تلتقي دول المحور الثلاثي لتحديد إطار عربي رافض للحرب، وتعلن صراحة موقفا مناهضا لاستخدام أراضي الكويت وقطر وعمان والإمارات والأردن قواعد للعدوان على العراق. إنْ كان للكبار أن يقودوا فيجب أن يضعوا الصغار أمام مسئولياتهم وفي مواجهة الرأي العام العربي كله.

3- إنْ كان لمؤتمر القمة العربي الطارئ الذي دعت إليه مصر أخيرا أن يعقد، فلابد أن يخرج بقرارات فعلية قاطعة بخصوص رفض الحرب وبخصوص مواقف المتورطين في الجهد العسكري الأميركي، أو يعلن بوضوح انقساما عربيا.

في 1995، قادت مصر وسورية والسعودية انقساما عربيا لدعم التحالف الدولي والولايات المتحدة ضد الاحتلال العراقي للكويت. وإن كانت دول المحور ترفض فعلا مشروع الحرب الجديدة فعليها ألا تخشى انقساما عربيا يرسم حدودا واضحة بين المتعاونين مع واشنطن والرافضين للحرب. أي موقف رمادي للقمة لن يدل إلا على أن الجميع متورطون، بعضهم متورط فعلا والآخر يعمل من أجل توفير الغطاء لهم.

هكذا تؤكد دول المحور الثلاثي موقعها العربي المركزي وتحمي نفسها من الخطر الداهم. فإن كان العراق هو الحلقة الأولى في مشروع إمبريالي أميركي كبير، فإن سورية والسعودية ومصر هي الحلقات التالية مباشرة. إنْ نجحت جهود العرب ودول العالم الأخرى في إيقاف عجلة الحرب الأميركية، فسيكون في هذا نصر كبير للعرب والعالم أجمع. وإنْ وقعت الحرب لا محالة، فستقع وسط رفض عربي وعالمي، رسمي وشعبي، يضع الولايات المتحدة في أضعف مواقعها منذ برزت على الساحة الدولية في نهاية الحرب الثانية. والحرب على العراق، مهما كانت نتائجها، هي حرب طويلة على أية حال.

لم يكن من مصلحة العرب يوما فتح معركة مع الولايات المتحدة، بل ولا بدء صدام معها. المنطقة العربية محل أطماع ومصالح عالمية متداخلة، والعرب يعانون من عوامل ضعف بنيوية تثقل محاولات نهضتهم وتقيد قدراتهم على مواجهة قوة عظمى كالولايات المتحدة. ولكن من غير مصلحة العرب أيضا أن تصبح بلادهم موطئا لبناء الامبراطورية الأميركية وقاعدة لمشروع السيطرة الأميركية على العالم. قدر العرب، وقد أصبحوا في موضع هجومي أميركي كاسح يهدد حياتهم ومستقبلهم، هو التصدي للغزاة. واليوم تتوافر لهم فرصة التصدي للغزو في صحبة تحالف عالمي واسع. إن لم يرتفعوا إلى مستوى التحدي اليوم، فسيجدون أنفسهم غدا من دون حليف

العدد 167 - الأربعاء 19 فبراير 2003م الموافق 17 ذي الحجة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً