العدد 1680 - الخميس 12 أبريل 2007م الموافق 24 ربيع الاول 1428هـ

المبادرة العربية والموقف الإسرائيلي

السيد محمد حسين فضل الله comments [at] alwasatnews.com

في المشهد العربي الإسرائيلي، قد نواجه حركة التطور السياسي العربي في لهاث العرب وراء التسوية مع العدو لاجتذاب موافقته على الدخول في مفاوضات ما يسمى السلام، عبر تقديم التنازلات التاريخية بإسقاط كل اللاءات التي كانت تمثل العنفوان العربي الصارخ في رفض الاجتياح الصهيوني لفلسطين، وارتكاب المجازر الوحشية التي قتلت عشرات الألوف من النساء والأطفال والشيوخ والشباب من المدنيين بدم بارد، وشرّدت مئات الألوف منهم إلى الدول المجاورة. فالتمزقات السياسية للأنظمة العربية من جهة، والضغط الأمريكي الذي يملك السيطرة على مقدّرات هذه الأنظمة من خلال خضوع المسؤولين لما يُقرر لهم حتى على مستوى علاقات بعضهم بعضا من جهة أخرى، جعل البعض يسقطون تحت تأثير الصلح الذليل في علاقات دبلوماسية بالضربة القاضية في شكل معلن، وتوارى البعض الآخر وراء الكواليس في حركة العلاقات مع العدو في شكليات المكاتب الاقتصادية، حتى أصبحت «إسرائيل» أمرا واقعا في السياسة العربية كصديق في الدائرة الأمريكية التي تضم الجميع.. ولم تتقبل «إسرائيل» كل هذه التنازلات لأنها كانت تبحث عن استسلام مطلق وتنازلات استراتيجية.

وبادر العرب من خلال اجتماعات القمم العربية إلى تقديم مبادرة سلام جماعية، ومُدّت كل الأيدي العربية إلى «إسرائيل»، ولكن العدو لم يتحمّس لذلك ورفض المبادرة، ووقفت أمريكا معه لتصرّح بأن المبادرة العربية صالحة للتفاوض لا للتنفيذ لأنها لا تلتقي مع الاستراتيجية الصهيونية في رفض الاعتراف بحدود الـ67 وحق العودة وتهويد القدس. وما زال العرب يلهثون وراء تقديم المبادرة «البيروتية»، مستندين إلى رغبة الرئيس بوش في مشروع الدولة الفلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية، من خلال مفاوضات الحل النهائي التي رفضتها حكومة الدولة العبرية بالرغم من إلحاح وزيرة خارجية أمريكا التي رجعت إلى بلادها بـ»خفي حنين»، لأنها لا تملك الضغط على «إسرائيل» بحسب تعليمات إدارتها ورئيسها... وما زال العرب ينتظرون مجلس الأمن الذي لا يملك من أمره شيئا، وما زال الحديث عن لعبة هذا المجلس الذي سوف يقوم بتعديل ما لم يقرر العرب تعديله في القمة... وما زال السقوط العربي يبحث عن حفرة يدفن قضيته فيها، هذه القضية التي نعاها أمين عام الجامعة العربية في مؤتمر سابق.

إن المشكلة بين العرب و»إسرائيل» هي أن الدولة العبرية لا تريد سلاما مع العرب جميعا، ولا سيما مع الفلسطينيين، إلا بعد استكمال استراتيجيتها في السيطرة على أكثر أرض فلسطين لتضمها إلى كيانها اليهودي، ولذلك فهي تطرح التطبيع قبل السلام، لتضغط ـ من خلال اللجنة الرباعية الدولية بقيادة أمريكا ـ على العرب لتقديم تنازلات جديدة لا يبقى معها للدولة الفلسطينية أية فرصة للحياة... أما العرب الذين تعوّدوا على تقديم التنازل تلو التنازل، والمبادرة بعد المبادرة، فإنهم يتساقطون في دائرة ما يُسمّى الاعتدال التي تجتذبهم إليها الإدارة الأمريكية، ليبتعدوا عن الوقوف مع قضاياهم الكبرى في التحرير والاستقلال وحرية تقرير المصير، لأن هناك أكثر من مسؤول هنا وهناك يفرض على بلده الكثير من التنازلات للعدو وللسياسة الأمريكية انطلاقا من تاريخه الشخصي والعائلي في السقوط في أفخاخ المخابرات.

وهكذا رأينا (أولمرت) يطالب العرب باستقباله أو بالقدوم إليه بدلا من القبول بالمبادرة العربية، لأنه اعتاد من خلال التاريخ على الرفض لما لا يريد، في موقف عنصري حاسم، والقبول منهم بما يريد، لأن «إسرائيل» لم تغيّر أي موقف من مواقفها الاستراتيجية في الوقت الذي لم يبقَ للعرب أية استراتيجية قومية أو إسلامية. ويستمر الجيش الإسرائيلي في نهجه اليومي في اغتيال الناشطين، وقتل المدنيين، واعتقال المجاهدين، وحصار المناطق المحتلة، باسم الاحتفال بعيد الفصح اليهودي، وقد كان آخر عدوانه إرسال الإنذارات إلى ما يقرب الألف فلسطيني مقدسي لإخلاء منازلهم بحجة ملكية امرأة يهودية للأرض التي أقيمت عليها من دون أي حل لمشكلتهم الإنسانية... ولم يحرك الواقع الدولي الأمريكي والأوروبي، ولا النظام العربي، ساكنا للاحتجاج على عدوان إسرائيل أو الضغط لمنع ذلك، في الوقت الذي لا يزال الحصار الاقتصادي والسياسي إسرائيليا وأمريكيا وأوروبيا مسلطا على رأس حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، أو بما يتصل بوزراء حركة حماس، وذلك في ظل استمرار الصمت العربي المطبق.

أما أمريكا، فإن استخباراتها لا تزال تحرك لعبة الأمم في العالمين العربي والإسلامي، مع امتدادات سياسية وأمنية لأكثر من دولة في أمريكا اللاتينية، وفي كل الدول التي تعارض سياستها الاستكبارية، وتهدف إلى تحرير قراراتها في حاضرها ومستقبلها من أي ضغط أمريكي في مجالات الاقتصاد والأمن والسياسة، وهكذا رأينا كيف تتابع احتلالها في العراق، وتحشد لتأكيد ذلك المزيد من جنودها، بالرغم من معارضة الرأي العام الأمريكي والشعب العراقي، في الوقت الذي يعرف العالم كله فشل هذا الاحتلال وسقوطه في الرمال المتحركة العراقية، ما يدفع الشعوب الحرة إلى التظاهرات الكبيرة مطالبة بالانسحاب من العراق. ولا يزال العراق يعاني من خلال هذا الاحتلال الذي تحوّل إلى غطاء للإرهابيين التكفيريين الذي يقتلون الطفولة في مجزرة الأطفال التي حصدت مئات الأطفال، في عملية تفجيرية انتحارية إلى جانب العمليات الأخرى التي تستهدف المدنيين في شكل عشوائي، بعدما كانت جرائمهم موجهة لجماعة مذهبية معينة...

إننا في الوقت الذي نؤكد أن الاحتلال وأذنابه هو السرّ في المشكلة العراقية على كل المستويات، نريد للعراقيين الانطلاق في مقاومة مدروسة دقيقة شاملة للاحتلال لتحرير البلد كله، والوقوف أمام الذين يحركون حقدهم الطائفي الأسود ضد المسلمين بدلا من المحتلين.

ومن جانب آخر، فإن المستضعفين في الصومال البائس الفقير الجائع المحروم لا يزالون يعانون من الحرب المجنونة التي تتحرك في ساحة الفوضى، وفي متاهات اللعبة الدولية الأمريكية والأوروبية التي تحاول إيجاد الظروف السياسية للسيطرة على القرن الأفريقي لحساب الاستراتيجية الأمريكية الاستكبارية، في امتداد نفوذها في تلك المنطقة في العالم، بدعم من أكثر من دولة إقليمية في تلك المنطقة لخدمة مصالح الاستكبار العالمي.

أما في لبنان، فإن الصراع السياسي في الأزمة المستحكمة بالبلد كله لا يزال يفرض التجميد على كل مقدّرات البلد الاقتصادية والأمنية، لأن المفردات التي تثيرها دوائر الصراع ليست من الصعوبة بحيث يستحيل حلها، لولا أن هناك تدخلات خارجية وإيحاءات دولية تضغط لإبقاء الأزمة في نطاق الجمود، إضافة إلى فقدان الثقة بين فريق السلطة وفريق المعارضة، ورفض هذا الجانب أو ذاك دراسة الضمانات القانونية والسياسية التي تمنع الخوف من السلبيات في حكومة الوحدة الوطنية أو في دراسة بعض مواد المحكمة ذات الطابع الدولي، فهناك إصرار على ترديد الكلمات الاستهلاكية التي اعتادها بعض السياسيين لإثارة جمهورهم، في عملية انفعال طائفي أو مذهبي، وكأن المطلوب أن لا نصل إلى الحل.

إننا نتساءل عن هذه الطريقة التي تدار بها الأزمة اللبنانية التي لم تكتفِ بإشغال اللبنانيين عن مشاكلهم الحيوية وقضاياهم المصيرية، بل امتدت المسألة إلى إشغال العالم العربي المثقل بالتحديات الكبرى في أكثر من بلد عن قضاياه الكبرى، ولا سيما في صراعه مع العدو الإسرائيلي الذي لم يبتعد في مخابراته واختراقاته عن العدوان على لبنان.

ونحن في الوقت الذي قد نستشعر بأن من الضرورة في مكان أن يعود لبنان إلى موقعه الطبيعي في الحركة السياسية التي تجتذب أكثر من مسؤول غربي أو عربي، كما تجتذب مسؤولي الأمم المتحدة وغيرهم، إلا أننا نرى في الزيارات الأخيرة ذات الطابع الاستطلاعي أو التهويلي محاولة لتسجيل النقاط على أكثر من موقع عربي وإسلامي، من دون الإشارة إلى الخرق الإسرائيلي المتواصل للقرار 1701 في عدوانها الجوي والبري المتواصل على لبنان، وذلك إضافة إلى الإيحاءات التي يوزّعها هؤلاء الزائرون عن الحصار المضروب على لبنان، كي يبقى في دائرتي التدويل والتهويل.

لقد قال بعض المحللين السياسيين وهو يصف الواقع السياسي اللبناني إن لبنان «يفتش عن قراره عند سواه»، ليكون البلد الذي لا يتحرك قراره عند أبنائه أو يكون هناك وطن هو للغرباء أكثر منه لمواطنيه، فيما هناك دعوة مخلصة يوجهها اللبنانيون بإخلاص للنواب بأن يصيروا نوابا بدلا من استمرار هذه الأوضاع التي تكاد تجعلهم نوائب هذا البلد، من خلال هذه الفوضى المتمثلة في الأزمة السياسية التي أطبقت على الوطن كله، وصادرت الإنسان كله.

إقرأ أيضا لـ "السيد محمد حسين فضل الله"

العدد 1680 - الخميس 12 أبريل 2007م الموافق 24 ربيع الاول 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً