العدد 1758 - الجمعة 29 يونيو 2007م الموافق 13 جمادى الآخرة 1428هـ

الضريبة الثابتة تقود إلى الطريق نحو النمو

مصباح الحرية comments [at] alwasatnews.com

مشروع مصباح الحرية

بدأ ذلك في إستونيا، تلك الدولة التي أثبتت أنها إحدى أكثر دول أوروبا الشرقية جرأة في الإصلاح الاقتصادي. ففي العام 1994، طبقت حكومة مارت لار نظام الضريبة الثابتة. الفكرة كانت سهلة: بغض النظر عن كمية ما يجنيه الناس فإنهم يدفعون ضريبة دخل واحدة، وقد كانت منخفضة نسبيا في حدود 26 في المئة.

الفكرة لم تكن جديدة نظريا؛ فقد اقتُرحت الضريبة الثابتة قبل 25 عاما من قبل رجلي الاقتصاد الأميركيين ألفن رابوشكا وروبرت هول. بيد أنها حديثة العهد من الناحية العملية، ونجحت في ذلك: ضرائب سهلة - من السهولة بمكان دفعها ومن الصعب التحايل عليها - رفعت من مقدرة إستونيا التنافسية، وجذبت الاستثمارات الأجنبية وساعدت في جعل هذه الجمهورية البلطيقية أسرع الاقتصادات نموا على امتداد القارة الأوروبية. فانتشر الإصلاح الاقتصادي وثورة الضريبة الثابتة إلى سائر بلدان البلطيق، ومن ثم اجتاحت روسيا وصربيا وأوكرانيا وسلوفاكيا ورومانيا وجورجيا ومقدونيا ومونتينيغرو.

وتدعمت مناقشات الإصلاح الضريبي في روسيا عندما بحث آندريه إلاريونوف، كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس فلاديمير بوتين آنذاك، نجاح الضريبة الثابتة في بلدان البلطيق وإمكان تطبيقها بشكل فعال في روسيا.

واستجابة لاقتراح إلاريونوف، نفذ الرئيس بوتين ضريبة ثابتة مقدارها 13 في المئة على الأفراد جنبا إلى جنب مع نسبة 15 في المئة على مداخيل معظم النشاطات الاقتصادية الأخرى. لقد جاءت النتائج مذهلة من حيث أن العاملين في سوق روسيا السوداء قرروا أن الضريبة كانت منخفضة إلى درجة لم يعد من المجدي معها التحايل على دفعها. وبعد كفاح استمر نحو عقد من الزمان فقد نما الاقتصاد الروسي بمقدار 5 في المئة سنويا محسوبا بعد التضخم في عامي 2002 و2003 كما ارتفع إلى 7.3 في المئة في العام الماضي. وكان فرض الضريبة الثابتة هو السبب الرئيسي لنمو دخل البلاد من ضريبة الدخل الفردية بمقدار 150 في المئة منذ العام 2001.

حتى روسيا لا تود أن تلعب بالضريبة الثابتة التي أثبتت نجاعتها. فقبل شهرين فقط، رفض المشرعون الروس اقتراحا لاستبدال الضريبة الثابتة بضريبة دخل تصاعدية تدريجية.

هنالك الكثير للإصلاحيين الاقتصاديين في العالم لتعلمه من قصص النجاح العظيمة التي تحققت في أوروبا الشرقية، والضريبة الثابتة هي من أعظمها.

لذلك، فإن من العجيب أن نسمع ، وزير خارجية كرواتيا، إيفان سوكر يصف نظام الضرائب في بلاده بأنه نظام «كامل». ألق نظرة: كرواتيا تلقي على عاتق دافعي الضرائب نسبا ثقيلة تصل إلى 45 في المئة كضريبة دخل و20 في المئة كضريبة على الشركات، وفي غضون ذلك تُغرِقُهم في واحدةٍ من أكثر نُظم الضرائب تعقيدا في جنوب شرق أوروبا.

أما بالنسبة إلى الضريبة الثابتة فإن كرواتيا هي بطيئة التعلم: صربيا (14 في المئة ضريبة ثابتة على الدخل الشخصي و10 في المئة ضريبة دخل على الشركات)، مونتينيغرو (9 في المئة ضريبة ثابتة على دخل الشركات) ورومانيا (16 في المئة ضريبة ثابتة على المداخيل الشخصية ودخل الشركات)؛ كل هذه الدول اشتركت في ثورة الضريبة الثابتة، وما زالت قائمة المؤمنين بنجاعتها تزداد بشكل سريع. وفي 1 يناير/ كانون الثاني من هذا العام، أقرت مقدونيا ضريبة ثابتة مقدارها 12في المئة على المداخيل الشخصية ومداخيل الشركات، وهي تعتزم إجراء مزيد من التخفيض إلى 10في المئة العام 2008. وفي 1 يوليو/ تموز، من المقرر أن تطبق مونتينيغرو ضريبة ثابتة مقدارها 15في المئة على المداخيل الفردية، على أن تخفضها إلى 12 في المئة في العام 2009 و9 في المئة العام 2010. وفي ألبانيا فإن أعضاء البرلمان يدرسون إمكان اعتماد ضريبة ثابتة بمقدار 10 في المئة على مداخيل الشركات والمداخيل الشخصية.

بلغاريا أيضا قد تنضم إلى هذه القائمة. فمؤيدو الضريبة المقطوعة هناك يعدون لعقد مؤتمر كبير، مشيرين إلى قلقهم بأن بلغاريا قد تفقد الاستثمارات لديها ما لم تتخلّ عن ضريبة الدخل الهامشية التي تبلغ 24 في المئة، و15 في المئة كضريبة على الشركات.

الاستثمارات الخارجية ليست الاعتبار الوحيد. فالضرائب الثابتة تحمل أيضا إمكان تحرير الاقتصاديات من أجل النمو، وإرغام النشاطات التجارية في اقتصاد الظل على الرجوع إلى الأسواق القانونية، وكذلك تسهيل جمع تلك الضرائب، وإعطاء أرقام صحيحة عن المداخيل وتخفيض التهرب الضريبي. لقد كانت النتيجة في جميع البلدان التي طبقت نظام الضرائب الثابتة حتى الآن زيادة في تحصيل الضرائب في غضون عام واحد.

في إقليم مثل جنوب شرق أوروبا يجب أن تحظى هذه التغييرات بالترحيب. ذلك أن بلدان الإقليم يواجهون تحديات تتمثل في الفساد، والتطبيقات العشوائية للقوانين والانظمة، والحجم الكبير من التجارة غير المسجلة، والمستوى المتردي من حماية الملكية الخاصة. إن الضرائب الثابتة تساعد في مكافحة مثل هذه المشكلات عن طريق إغلاق المنافذ وكشف وسائل التحايل على القانون.

لقد عززت ثورة الإصلاح الضريبي من التنافس الضريبي في أوروبا. إذ أخذت أوروبا الغربية علما بذلك، وهي في صدد تخفيض نسبة ضرائبها. النمسا خفضت من ضريبة الشركات من ارتفاعٍ يبلغ 34 في المئة إلى 25 في المئة بعد أن خفضت سلوفاكيا من الضريبة الثابتة إلى 19 في المئة. والآن تعمل ميركل، رئيسة ألمانيا، على تخفيض ضريبة الشركات إلى 29.8 في المئة بدلا من 38.7 في المئة. وأكد نيكولا ساركوزي أهمية تخفيض نسبة الضريبة على الشركات من 33 في المئة إلى 25 في المئة، وقد أعاد تأكيد هذه الرسالة بعد أن تم انتخابه رئيسا جديدا لفرنسا.

عدد متزايد من بلدان أوروبا الشرقية قد اعتنقت فكرة الإصلاح الضريبي. وغيرها تُقّدم على خطوات جديدة جريئة مثلما فعلت إستونيا. لقد بدأ السباق. وعلى المتباطئين نحو الإصلاح أن يأخذوا علما بذلك.

* رئيسة معهد الأدرياتيك الكرواتي للسياسة العامة،

والمقال ينشر بالتعاون مع «مصباح الحرية»

إقرأ أيضا لـ "مصباح الحرية"

العدد 1758 - الجمعة 29 يونيو 2007م الموافق 13 جمادى الآخرة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً