العدد 1923 - الثلثاء 11 ديسمبر 2007م الموافق 01 ذي الحجة 1428هـ

والفقراء أيضا يقاومون الاستبداد

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

أصبحت التعديلات الدستورية طريقا لتدعيم الاستبداد، بدلا من أن تكون وسيلة لتحقيق مزيد من الديمقراطية...

ولقد أصبحت التعديلات الدستورية «موضة» تنتشر بسرعة في دول كثيرة، غالبا ما تستخدم في غير موضعها وهدفها، وخصوصا إذا استغلها الرؤساء والممسكون بناصية الحكم، في تدعيم قبضاتهم الحديد، من دون مقاومة حقيقية من الشعب صاحب السلطة الحقيقية!

ها هو لبنان يعدل دستوره لكي يسمح لقائد الجيش بتولي الرئاسة، في تقليد متكرر، بعد أن عجزت النخبة السياسية والطائفية عن الاتفاق على انتخاب رئيس مدني بطريقة ديمقراطية حقيقية، في بلد ينظر إليه على أنه الرئة الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي.

وها هي العجلة تدور بسرعة في الجزائر لتعديل الدستور، لكي تسمح للرئيس الحالي «بو تفليقة» بالترشح للرئاسة للمرة الثالثة، بدلا من المرتين اللتين ينص عليهما الدستور كحد أقصى...

ولابد أن نتذكر أن مصر كانت الرائدة في هذا المجال، حين عدلت الدستور العام 1980 لتلغي النص على بقاء الرئيس في منصبه لمدتين فقط، ومن ثم لكي تطلق فترة الرئاسة مفتوحة... وعلى رغم أن تعديل 1980 كان هدفه استمرار الرئيس السابق أنور السادات في منصبه، فإنه لم يستفد منه نظرا إلى اغتياله بعد التعديل بشهور، ومن ثم استفاد منه الرئيس حسني مبارك لعدة مرات...

لكن فنزويلا الدولة الصغيرة في أميركا اللاتينية، أعطتنا هذا الشهر درسا مغايرا، حين قالت لا لتعديل الدستور الهادف للإبقاء على بطلها الشعبي الاشتراكي نصير الفقراء «هوغوتشافيز» رئيسا للأبد...

لقد أجرى تشافير استفتاء شعبيا لتعديل الدستور واثقا من فوزه، وبهدف أولا فتح الباب أمامه ليبقى رئيسا حتى العام 2050، كما قال، وثانيا لترسيخ سياساته وبرامجه الاشتراكية فيما يتعلق بالاقتصاد، القائم أساسا على الثروة البترولية، ودخلها الذي يقدر بنحو 150 مليون دولار يوميا، واعدا الفقراء بمزيد من الرعاية الاجتماعية...

فقراء فنزويلا هم الذين صوتوا في العام 1998 لصالح تشافيز رئيسا، وهم الذين ساندوا سياساته حتى في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية باعتباره المحارب الأول ضد الهيمنة الأميركية، وهم أكثر من استفاد من حكم تشافير، الذي أدخل إصلاحات عدة على نظم التعليم والصحة والعلاج والسكن والغذاء لصالح هؤلاء الفقراء.

لكن هم أيضا الفقراء أنفسهم، الذين تخلو قبل أيام عن بطلهم وأسطورتهم تشافيز، حين أدركوا أن البطل الشعبي العنيد، وأحيانا المتهور، يريد أن يتحول إلى دكتاتور معبود في نظام يتحول من الديمقراطية الاشتراكية، إلى الاستبداد الفردي... فقالوا لا للتعديل الدستوري المقدم من تشافيز لفتح مدة الرئاسة إلى ما لا نهاية...

صحيح أن قطاعات واسعة من المثقفين والسياسيين الليبراليين والطلاب، عارضوا منذ البداية سياسات تشافير، لكنهم لم يستطيعوا هز كاريزما الرجل وشعبيته الساحقة، المعتمدة على قاعدة انتخابية واسعة تضم الفقراء وهم كثر، وفي لحظة شهوة سلطوية تصور الزعيم أنه سيبقى مدى الحياة رئيسا، بفضل ضمانه لتأييد الفقراء الذين يعمل من أجلهم...

لكن الفقراء ربما بحس فطري انتفضوا هذه المرة، وعارضوا تعديل الدستور الذي يحول تشافيز من بطلهم الشعبي الاشتراكي، إلى نموذج مكرر من الحكام الاستبداديين في نظم دكتاتورية شائعة، وهنا أفاق تشافير من الوهم السلطوي الذي كان يسكنه، حين وجد أن نحو 51 في المئة من الناخبين عارضوا تعديلاته، وحين اكتشف أن معظم الفقراء لم يصوتوا له، بعد أن تدنت نسبة التصويت في المناطق الفقيرة إلى نحو 22 في المئة فقط، وحين أكتشف أن 44 في المئة غابوا عن التصويت وقاطعوا الاستفتاء في أهم مناطق نفوذه!

والدرس الفنزويلي له أكثر من معنى ومؤشر، أولها ما ذكرناه عن رفض الفقراء أساسا للحكم الاستبدادي والحاكم الفرد حتى وإن كان يناصرهم، وثانيها أن تشافير القابض بقوة على السلطة، تلقى اللطمة من أنصاره الفقراء وليس من أعدائه في الداخل أو في الخارج، وثالثها أن الرئيس وهو في قمة سلطته كان يمكن أن يضمن تمرير تعديلاته الدستورية مقدما، غالبا بتزوير النتائج بل بتزييف العملية الانتخابية كلها، مستغلا سلطاته الواسعة ومجندا أنصاره وجيوش المستفيدين من حوله، لكنه لم يفعل، ربما إيمانا بالمبدأ الديمقراطي، وربما لنقص خبرة المزورين من حوله...

قال سنعاود الكرة في وقت آخر، لكنه تقبل النتيجة وتجرع مرارة الهزيمة، احتراما لنتائج التصويت وخضوعها لرغبات قاعدته المؤيدة الواسعة من الفقراء، التي أثبتت أنها لا تقل عن محترفي السياسة ودعاة الليبرالية، إيمانا بالديمقراطية ومعاداة للاستبداد، ورفضا للانفراد الدائم بالسلطة، حتى من نصيرها الأول.

وربما يكون تشافير قد استكان قليلا أمام الهزيمة وأحنى رأسه حتى تمر العاصفة، ثم يعيد تدبر أمره وإعداد خططه بطريقة أخرى، مستفيدا من بقائه في السلطة حتى العام 2012، لكي يعدل الدستور مرة أخرى، ولكن ثمن ذلك سيكون فقدانه لتأييد الفقراء قاعدته الشعبية، مهما قدم لها من مسكنات ومكتسبات، ذلك أن الفقراء الذين يحسبون في بلاد كثيرة كما مهملا ليس لهم في السياسة -!! - قادرون في الوقت المناسب وبأقصر الطرق على تغيير الأوضاع وقلب الترتيبات مهما كانت دقة إعدادها وشيطانية تبريرها...

نقول ذلك ونحن نستشعر الخطر الجسيم الناتج عن زيادة مساحة الفقر وعدد الفقراء في بلادنا بعد أن طحنتهم السياسات الاقتصادية المندفعة على مدى العقود الثلاثة الماضية، في طريق رسمته المؤسسات الاقتصادية الدولية «البنك الدولي وصندوق النقد الدولي»، وضغطت من أجل الإسراع به الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية بعولمتها الوحشية!

وعلى رغم كل ما نسمع ونقرأ من تصريحات وخطابات صادرة عن المسئولين، عن أن الإصلاح الاقتصادي الجاري هو الأفضل لإنقاذ الفقراء من وهدة فقرهم، فإن النتائج المتحققة حتى الآن، وعلى رغم العقود الثلاثة، تقول إن مساحة الفقر تتسع وعدد الفقراء يزداد، والفجوة بين قلة الأثرياء وغالبية الفقراء أصبحت واسعة بشكل يهدد الأمن الاجتماعي بالخطر الداهم، الناشئ حتما عن رفض الفقراء وتمردهم بعد أن ضاق بهم العيش وانفلت الغلاء بشكل فاحش وارتفعت معدلات البطالة وتدنت الأجور، أو على الأقل تجمدت بشكل لا يقارن أو يتوازى مع ارتفاع الأسعار الرهيب!

وكما قلنا في مقال الأسبوع الماضي، حسنا فعل كبار المسئولين حين تذكروا مسمى العدالة الاجتماعية، وتغنوا به حماية للفقراء من سياسات اقتصادية مندفعة، وغير مقدرة تماما لما تسبب من تعميق موجات الغضب والرفض الشعبي الجارف، خصوصا في ظل حملة الترويج المستمرة عن إلغاء أو تغيير الدعم على المواد الرئيسية مثل الغذاء والطاقة وغيرها...

وأطن أن قضية الدعم للفقراء ومتوسطي الحال، وهم الغالبية الساحقة من الشعب المصري، لم تعد تحتمل التلاعب بالألفاظ ولا اللعب بالمسميات، مثل تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي، ومثل ضمان وصوله إلى مستحقيه وحرمات المستغلين من فوائده... بينما الجميع يعرف أن هدف الحكومة في النهاية هو إلغاء الدعم تنفيذا للسياسات المرسومة واستجابة للضغوط الأجنبية... لذلك يجب التحذير...

إن الخلل الشديد في التوازن الاقتصادي الاجتماعي، لا ينتج إلا زيادة الفقراء فقرا على فقر، وزيادة الأثرياء. وهم قلة القلة ثراء فاحشا، الأمر الذي لا يحتمله المجتمع المصري بملايينه الذين يقتربون سريعا من الثمانين مليونا...

وهنا نستعيد مرة أخرى الدرس الفنزويلي، إذ استطاع الفقراء تغيير المعادلات ورفض الترتيبات، المؤدية إلى ترسيخ الاستبداد والقهر السياسي المتحالف مع القهر الاجتماعي، مهما تغيرت الصور وتنوعت الاساليب وتعددت الحيل... ذلك أن انتفاضة الفقراء تأتي دائما على غير توقع!

خير الكلام: يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:

تنبو المعاول عنها وهي قائمة

والهادمون كثير في نواحيها

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 1923 - الثلثاء 11 ديسمبر 2007م الموافق 01 ذي الحجة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً