العدد 2124 - الأحد 29 يونيو 2008م الموافق 24 جمادى الآخرة 1429هـ

مراقبة أم مشاغبة؟

عبدالله الميرزا abdulla.almeerza [at] alwasatnews.com

منذ اليوم الأول لإعلان الحكومة تشكيل لجنة «مراقبة الطائفية» قلنا إن القلق يساورنا من أن يكون إشهار اللجنة مجرد ردة فعل لا تحمل معها أية رؤية واضحة للتعامل مع مشكلة كبيرة بحجم أزمة تفاقم الاحتراب الطائفي. وهذا ما بدأ يتكشّف سريعا عبر عدة قرارات ارتجالية مباغتة أعقبت الإعلان عن اللجنة بيوم واحد فأثارت الرأي العام أكثر مما خدمت أهدافها المعلنة.

قرار إغلاق المواقع الإلكترونية الثلاثة الذي قالت وزارة الإعلام إنه يأتي ضمن توجيهات رئيس الوزراء، شقّ في ظاهره أجندة لجنة المراقبة وأهدافها وطريقة عملها وأربك الصورة أكثر، ما ولّد شكوكا كثيرة في مدى جدية التحركات التي تقوم بها الحكومة في مواجهة خطر الطائفية وتجفيف منابع الاستفزاز الطائفي على كل الأصعدة من دون استثناء.

إنهم يراقبون ولكن...!

لا يوجد مواطن مخلص يرفض وجود لجنة مراقبة كالتي أُعلِن عنها في جوهرها العام من أجل صون أمن البلد وسلامته، ولكن نقطة الضعف التي تذهب بالجهود الرسمية أدراج الرياح عادة هي التعامل بعين واحدة مع مواقع التأزيم أحيانا، والتحرك الغامض الذي تغلب عليه العفوية والانفعال وتغيب عنه الحكمة والكياسة في مواطن كثيرة. فما الذي دفع ويدفع المسئولين إلى اتخاذ قرارات مكوكية كالبرق الخاطف بعد يوم واحد من إعلان تشكيل اللجنة وقبل الإعلان حتى عن اجتماع واحد ولا عن أسماء أعضاء اللجنة أو المؤسسات التي ستساهم فيها ولا الخطة العامة التي ستسير عليها وطرق التعامل الموزون مع كل الجهات وسبل عدم الانحياز لطرف على حساب آخر؟، وكأن تلك المواقع أنشئت قبل سويعات فقط من إعلان اللجنة، وتأخر إغلاقها حتى إعلان هيكلية اللجنة هو ما سيدمر أمن البحرين!

إذا كانت الجهات المسئولة تعي خطر الأزمة التي تواجهها فإنه من التغافل - أو التحايل - التحرك بأساليب عشوائية ومبهمة الهدف. ففي الوقت الذي مازال العنان مطلقا للبيانات والمقالات التخوينية التي أخرجت الآلاف من المواطنين قبل أقل من أسبوعين إلى الشارع بعد لعبة استفزازية مقيتة، فإن خطوات وقرارات مجهولة الهوية صارت تقوم بها كل جهة على حدة باسم الامتثال لتوجيهات القيادة، في حين أن أي عمل رسمي لم يخرج إلى العلن حتى الآن باسم لجنة المراقبة التي شكلت بأمر رئيس الوزراء.

«الأمن الوطني»... نقطة التحوّل

تتابع القرارات المثيرة بما فيها تزامن إغلاق بعض المواقع مع الضجة الإعلامية المفتعلة ضدها، وقرارات وزارة العدل التي جاءت مباشرة بعد جملة التوصيات الرسمية بالارتقاء بمضامين الوحدة الوطنية لتؤجج الوضع مع إدارة الأوقاف الجعفرية، وغيرها...، لم تعطِ إلى الآن أي انطباع إيجابي يفهمه الناس في سياق محاربة الفتنة الطائفية، بل على العكس فإنها تزيد النار حطبا عبر هذا الخلط في المهمات والتخصصات.

كما أن دخول جهاز الأمن الوطني أخيرا على خط ما يسمى بـ «مواجهة الترويج للطائفية» سيزيد الطين بلّة. وتعلم الحكومة جيدا أن هذا الجهاز بما يحمله من تلويح قمعي في مسماه الأصلي (أمن الدولة) لم يستطع حل المشكلة الأمنية في أزمة التسعينات بقدر ما أضاع البوصلة التي أرجعها الأسلوب الحكيم والمتزن في نهاية المطاف. وما إقحامه (فجأة) في أتون هذه الأوضاع المتأزمة إلا دليل نوايا مخفية ترى في الاصطفاف الطائفي شريانها المغذي لمصالحها وطموحاتها في هذا البلد المسالم.

الفتنة لا يُقضى عليه إلا بإعمال العقل. وما لقاء وزير الداخلية بالجمعيات السياسية يوم أمس إلا نموذج حي لسبل احتواء الأزمات. لذلك نشد على يد الوزير من أجل تكريس مفهوم الحوار الوطني - الوطني من أجل التغلب على كل المنغصات والمعوقات التي تريد بالنسيج الوطني شرا. ونريد للجنة مراقبة الطائفية أن تعمل وتُفعّل، ولكن بصورة مكشوفة وحيادية تتعامل بإنصاف مع الطبّال والناقد.

جربنا لغة التهديد ولم تجدِ... وجربنا لغة الاعتقالات والتعذيب ولم تؤتِ أكلها، فلنجرب لغة الحوار المباشر مع أطراف المعادلة الوطنية ذات الشأن هذه المرة، ولو على خاطر جلالة الملك، ونرى النتائج... «ماراح ينقص منا شي يا جماعة».

إقرأ أيضا لـ "عبدالله الميرزا"

العدد 2124 - الأحد 29 يونيو 2008م الموافق 24 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً