العدد 2155 - الأربعاء 30 يوليو 2008م الموافق 26 رجب 1429هـ

المرأة البحرينية والعمل التطوعي المؤسساتي

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

لم يكن ماهر قدورة، الوالد المفجوع بفقد ولده ذي سبعة عشر ربيعا يتوقع يوما ما، أن يقود حملة مرورية ويتعاطف معه الشارع الأردني بصورة لا مثيل لها، موت حكمت المأسوي فجر طاقات والده الخمسيني، إذ ترك بصمة كبيرة في عالم السير على الطريق في الأردن، ماهر مواطن أردني صالح وإداري ناجح في عمله، تفاجأ ذات ليلية بخبر نزل عليه كالصاعقة التي هزت كيانه وغيرت من ملامح حياته الكثير، إنه خبر مصرع ابنه الطالب في السنة النهائية من المرحلة الثانوية على قارعة الطريق بفعل سائق مسرع، هذا الحدث غير من حياة الأب إذ فكر مليا ما الذي يستطيع تقديمه لابنه ليعيش بسكينة في قبره، بل ما الذي يستطيع تقديمه للآباء الآخرين حتى لا يفاجأوا على حين غيرة بمن يقتل فرحتهم في أعز ما يملكون.

لذا ثار قدورة على حزنه وقهره، إذ كان كثير ما يقول: «يكفينا كلام دعونا نشتغل على الواقع» كان أول تحدٍ لماهر قدورة هو الاستمرار والاستدامة والخروج من ثورة العاطفة والعمل الارتجالي والعفوي إلى العمل التطوعي الجاد والمرسوم بالتخطيط والعمل المتقن، لم يحركه أحد، بل انطلق من المسئولية وقمة الألم، درس واقع الحوادث المرورية في الأردن والبلدان المجاورة، كما أنه درس برامج ما يقارب 16 دولة استطاعت التخفيف من حدة الحوادث المرورية، بعدها كون فريق عمل من مختلف الأعمار والتخصصات لوضع خطة مبنية على الدراسات والتوقعات، وفي الميدان قاد فريق متكامل غالبيته من الشباب الأردني المتطوع، إذ بدأ معه بزيارات إلى المدارس الأردنية رغبة منه في إيصال رسالته التي تقول: «نقطع الشارع لا الشارع يقطعنا».

أرى هذا الحديث مناسبا هنا على واقعنا في البحرين، فليس المقصود هنا أن نبتلى بمصيبة لكي تنطلق بحماسنا نحو العمل التطوعي إنما الحديث هنا حول الاستمرار والاستدامة وخاصة في الجانب النسائي، بالأمس القريب كنت إحدى المشاركات في ندوة «العمل التطوعي... مشكلات وحلول» بتنظيم من اللجنة النسائية بصندوق باربار الخيري، كان الحديث منصبا حول عزوف النساء وخصوصا الشابات عن الالتحاق بالعمل التطوعي، إن حالة الانقطاع وعدم استمرارية التي تعيشها المرأة البحرينية في العمل التطوعي، حالة بحاجة إلى مزيد من الدراسة وتسليط الضوء عليها، فالمرأة البحرينية كانت ولاتزال جديرة بالعمل التطوعي بل وعلى قدر كبير من المسئولية لتحمل أعباء إضافية تزيد من عطائها الكبير درجات، فمع انطلاقة تعليم البنات في البحرين العام 1928م، خرجت المرأة البحرينية إلى ميادين العمل المختلفة، وأثبتت جدارتها في العمل الخيري والاجتماعي، غير أن ما حدث بعد ذلك من حل المجلس الوطني العام 1975م وتغييب الحريات، توجهت معظم الأنشطة النسائية إلى المشروعات الخيرية والتنموية، لقد خدمت المرأة البحرينية بفاعلية كبيرة في المجال الاجتماعي منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ومازالت تقدم الخدمات والأنشطة المختلفة، رغبة منها في المساهمة مع مؤسسات المجتمع المختلفة لخلق وعي، وتنمية فكر، وزيادة معرفة.

إن العمل التطوعي ركيزة أساسية في البناء الاجتماعي، وهي حاجة ولدت مع الفطرة الإنسانية، فالعمل الخيري عام لا يعرف التفريق بين جنس الإنسان وعمره، وهو مفتوح ومتسع بتعدد أوجهه ومقاصده فهو لا ينطوي على فئة ولا يتلازم مع تخصص أو ثقافة من دون غيرها، لقد اتسعت مدارك العمل التطوعي وخرج من دائرة الفردية الضيقة إلى العمل المؤسساتي الرحب، لقد تأخرت المرأة في اللاحق بهذه المؤسسات لأنها آثرت العمل ضمن الأجندة النسائية الخالصة بعيدا عن جو الاختلاط بالرجل، ولما انضمت إلى تلك المؤسسات التحقت بلجان نسائية ربما تلك شكليات لا تؤثر في مسار العمل وفعاليته، لكنها بذلك تكون في منأى عن القرار، وأصبحت المرأة فيه مجرد رديف، فمجتمعات المؤسسات المدنية هي الباقية والثابتة، وما عداها فهو المتغير والمتحول، لكن لصالح من تبقى المرأة في تلك المؤسسات وهي عماد العمل الأهلي مهمشة القرار؟ بل أصبح العمل بها ضيقا ورتيبا، فالوجوه باقية دونما تغيير، والأنشطة قديمة دونما تجديد، فغياب المرأة عن دورها الحقيقي فيها جعلها محطة عدم استقرار بل ضياع لقوتها وقدرتها، لذا إما أن تعود المرأة إلى العمل ضمن محيطها النسائي وتكون فيه صاحبة القرار والتنفيذ، أو تتخذ استراتيجية جديدة تشارك فيها المرأة بفعالية وبمنطلق جديد، لكن الحديث الذي لايزال يدور في أروقة النساء اللاتي يحملهن الهم التطوعي هو أن الرجل كونه زوجا أو أبا هو من يضيق على المرأة، هو حديث قديم لا جدوى منه، إذ لا ينبغي ربط تغيير مواقف الرجل بتغيير الأوضاع فيما يتعلق بمشاركة المرأة وقيادتها، إذ حث الرجال على تغيير مواقفهم إزاء المرأة لا يمكن إلا باعتماد منهجية الشراكة بين الرجل والمرأة، وهذا الأمر ربما يطول لكنه مقرون بمدى تجاوب المرأة وعملها الجاد نحو التميز بالجدارة وبالاستحقاق.

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 2155 - الأربعاء 30 يوليو 2008م الموافق 26 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً