العدد 2649 - الأحد 06 ديسمبر 2009م الموافق 19 ذي الحجة 1430هـ

قمة المناخ... وتعارض البشر مع البيئة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

تبدأ اليوم في كوبنهاغن أعمال قمة الأمم المتحدة بشأن المناخ بحضور كبار قادة العالم. فالقمة التي جرى التحضير لنجاحها تلاقي الكثير من العقبات بسبب اختلاف الدول على تحديد آليات عملية تحتوي تفاقم المشكلات الناجمة عن الاحتباس الحراري وارتفاع درجات التلوث وانهيار توازن البيئة.

الاختلاف بين الدول شكل ذاك الحاجز الذي يمنع القادة من التفاهم على برنامج يمكن الاعتماد عليه لتذليل مصادر الأزمة وتجفيف ينابيعها. وأساس الاختلاف السياسي على تعيين المسببات يعود إلى تضارب المصالح وامتناع الدول الصناعية الكبرى التجاوب مع تلك القراءات التي تحذر من احتمال حصول كوارث إنسانية تهدد البشرية والبيئة بمصائب غير منظورة في المستقبل.

المشكلة يرجح أن تستمر بالتفاقم وذلك لأسباب منها موضوعية خارجة عن إرادة البشر، ومنها ذاتية تتعلق بالجشع والطمع والتنافس وعدم الاستعداد للتراجع عن طموحات الربح وتكديس الثروات. العوامل الموضوعية طبيعية في نموها وتطورها فهي جاءت نتاج التكاثر السكاني وازدياد تعداد البشر وتضاعف سكان الأرض في فترة تقل عن قرن من الزمن. وبسبب ارتفاع تعداد الشعوب كان لا بد من تلبية حاجات البشر للغذاء والشراب والسكن وغيرها من متطلبات ضرورية واستهلاكية. فالنمو السكاني في الأرض أدى إلى تنمية وسائل الإنتاج واندفاع البشر نحو استنزاف الكرة الأرضية واستخدام موادها الطبيعية وغاباتها ومواردها لتلبية تطور الحاجات المتنامية في قطاعاتها وفروعها.

التكاثر السكاني يعتبر واحدا من المشكلات المستعصية على الحل. وهذا العامل الموضوعي أشار إلى خطورته قبل عقود من الزمن الفيلسوف الاقتصادي مالتس حين لاحظ في القرن التاسع عشر وجود معضلة لا يمكن السيطرة عليها وهي ناتجة أصلا عن نمو طبيعي لتعداد البشر ما يفترض بالمقابل تطور التصنيع لتلبية الحاجات المتزايدة.

تلبية الحاجات المتزايدة يعني اقتصاديا اندفاع البشر إلى الطبيعة واستغلال خيراتها واستخدام موادها الأولية لسد النقص الناجم عن التفاوت بين التكاثر السكاني والإنتاج البضاعي. وتغطية هذه الثغرة الموضوعية تعزز عمليا سياسة استنزاف ثروات الأرض وقطع الغابات والأشجار لتوسيع رقعة الأراضي الزراعية وتشجيع التنافس على مساقط المياه والبحيرات والأنهار حتى يتم تأمين الحد الأدنى لحماية البشر من الجوع والعطش.

هذا الجانب الطبيعي في النمو من الصعب السيطرة عليه إلا إذا حصل ذاك التفاهم المستحيل بين الدول لوقف الولادات الطبيعية ومنع البشر من الزواج أو تحديد سياسة النسل أو فرض قيود على الإنجاب ومراقبة الأسر ومطاردة العائلات. حصول هذا الأمر يبدو مسألة شبه مستحيلة لأنه يخالف الطبيعة الإنسانية ويعارض تلك العفوية في علاقات البشر. الهند مثلا حاولت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي اتباع سياسة «خصي الرجال» لمنع الإنجاب حرصا على وقف النمو السكاني الذي بات يهدد الاقتصاد ويمنع التطور ويعطل التنمية ويزيد من رقعة الفقر. وأدت السياسة إلى شبه ثورة أطاحت بالكثير من الرؤوس الكبيرة ما جعل الحكومات تتراجع عن الإكراه ورؤيتها القمعية وتلجأ إلى اعتماد أساليب الإقناع وتوجيه النصائح بفوائد وحسنات الأسرة الصغيرة.


تجربة الصين

الصين أيضا لجأت إلى اعتماد سياسة مشابهة ولكن من طريق تحديد عدد الأولاد. وقررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم أن الولد الواحد يكفي الأسرة الواحدة بغض النظر عن هوية الوليد (أنثى أو ذكر). وكانت النتيجة أن الدولة أنفقت المليارات لمراقبة العائلات وملاحقة المخالفين في الأرياف والقرى ما أدى إلى نمو الكراهية بين الجيران والأحياء والأقرباء بسبب الحسد والغيرة في حال أنجبت أسرة أكثر من ولد. وزاد الطين بلة أن الصين وجدت نفسها بعد ثلاثة عقود على قرار الحد من التناسل (التكاثر) تراجع أعداد الإناث مقابل نمو مضطرد للذكور. وتبين أن العائلات الريفية كانت تقتل المولود إذا كان أنثى وتبقي على الذكر ما أدى إلى ظهور جيل من الذكور (أكثر من 25 مليون شاب) في سن الزواج يبحثون عن إناث لتكوين أسرة. وبسبب تدخل التقاليد في كسر مسألة الحد من الإنجاب اضطرت اللجنة المركزية إلى تعديل قرارها وسمحت بالولد الثاني في حال كان الأول أنثى.

قرار الصين نجح نسبيا في وقف الفائض في الإنجاب ولكنه لم يمنع النمو السكاني وتكاثر أعداد البشر لأن قانون الطبيعة يفرض شروطه في النهاية حتى لو انتشرت الأمراض وتوسعت رقع الحروب. فالعالم يتقدم سكانيا ويتكاثر بشريا على رغم ما تشهده الكرة الأرضية من صراعات ومعارك ومذابح واقتتال على الثروات والمواد الأولية وموارد الطبيعة.

هذه المسألة الموضوعية التي توقف مالتس أمامها وقرأ معادلاتها ستبقى تشكل نقطة مستعصية على الحل حتى لو نجح دعاة الحروب والفتن وأصحاب مصانع الأسلحة وشركات الأدوية في تشجيع قادة الدول على تطوير معدات الإبادة وأدوات القتل والإرهاب للتخفيف من التكاثر البشري والحد من تضخم الولادات في البلدان النامية. فالطبيعة الإنسانية ستبقى الأقوى ويرجح أن العالم سيستمر في التكاثر مهما كانت المخاطر والتحذيرات والنصائح باعتبار أن الإنجاب سنة بشرية وتأسيس الأسر عادة متوارثة عبر العصور ولا يمكن تخطيها أو كسرها بسهولة.

أزمة المناخ إذا مسألة متضخمة وهي ستشهد في المستقبل المزيد من المتغيرات في الطبيعة والحرارة والاحتباس وذوبان الجليد (الثلوج) وارتفاع أمواج المحيطات واقتلاع الأشجار وقطع الغابات والنقص الحاد في مساقط المياه ومصادر الثروة والمواد وربما اندثار مساحات من الأراضي الزراعية وغياب جزر عن الخريطة.

هذا الجانب من الأزمة يتصل مباشرة بالعوامل الموضوعية الخارقة لإرادة الدول ولذلك يصعب البحث عن حل عقلاني للسيطرة عليه. إلا أن المسألة ليست هنا ولا تقتصر على الجانب الموضوعي وإنما لها صلة مباشرة بالجانب الذاتي (الإرادة) وقدرة الدول على تطويع سياساتها المصلحية لخدمة البشر والإنسانية.

المشكلة تبدأ من هنا. وهذا هو الموضوع الحيوي الذي تطمح قمة كوبنهاغن للسيطرة عليه لأنه يتصل مباشرة بالسياسة الدولية وتحديدا مدى رغبة الدول الصناعية الكبرى في ممارسة الضغط على الشركات واستخدام نفوذها والتدخل للحد من الاحتكار وخفض الطموح المتزايد للهيمنة على السوق والتنافس على تدمير البيئة والتزاحم على استنزاف مواد الأرض ومواردها.

هل تنجح قمة المناخ في تعديل خريطة طريق الدمار البيئي، وتخفف سرعة الانهيار في موارد الطبيعة، وترسم خطوطا بديلة تؤخر تلك الكوارث المتوقع أن تواجه البشرية في الأمد البعيد؟ الجواب المتشائم والسريع: لا.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2649 - الأحد 06 ديسمبر 2009م الموافق 19 ذي الحجة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً