العدد 2665 - الثلثاء 22 ديسمبر 2009م الموافق 05 محرم 1431هـ

إعادة هيكلة أم أحلام يقظة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

رئيس الوزراء اللبناني سعد رفيق الحريري في دمشق. رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني في القاهرة. رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي في مصر. وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في بيروت. الرئيس المصري حسني مبارك في جولة خليجية.

كل هذا الحراك الدبلوماسي الذي تصادف في أسبوع واحد لابد أن يترك تأثيراته على خريطة التقاطعات السياسية بين الدول العربية عموما وبين العرب ودول الجوار خصوصا. فالاتصالات الدبلوماسية واللقاءات الثنائية والزيارات المتبادلة تأتي عادة بدافع الحاجة أو استجابة لتحولات ميدانية أو قراءات أخذت تعيد هيكلة الزوايا تمهيدا للمراجعة أو لضبط انفعالات بدأت ترسل إشارات سلبية تهدد التوازن والاستقرار. ما حصل هذا الأسبوع من أنشطة دبلوماسية توزعت على أكثر من عاصمة عربية أو جوارية يؤشر إلى نمو حاجة إقليمية أخذت تضغط على الأطراف المعنية لإعادة مراجعة ملفات ساخنة بدأت تنفتح أوراقها على احتمالات سيئة في مرحلة تشهد فيها المنطقة ارتدادات غير واعية باتجاه النكوص إلى الماضي. والعودة إلى الماضي في فضاء دولي متقلب يمكن أن تؤسس عداوات تتخذ من التاريخ سلاحا للاقتتال على حاضر يحتاج إلى رعاية وتنمية وتحديث وتطوير أكثر من افتعال بؤر العنف والكراهية وتدمير الذات ونبش القبور.

هل ما حصل في الأسبوع الجاري خطوة جيدة في اتجاه تصويب الأخطاء وتجاوز الثغرات وتصحيح القراءات أم مجرد مجموعة مصادفات لا تعكس رؤية جديدة في التعامل مع ملفات حساسة أخذت تعصف باستقرار المنطقة وتوازنها وتعايشها؟

الاحتمال الأول يرجح أن يكون الأقوى. لبنان لا يستطيع أن ينهض من دون سورية وسورية لا يمكن أن تستقر من دون لنبان. وبحكم بوابة الجغرافيا وثقافة التاريخ والملاذ الآمن والمعبر الاستراتيجي كان لابد أن يقوم الحريري بزيارة إلى دمشق بعد أن قرر الدخول في معترك يتطلب سياسة ترتقي إلى موقع رجل الدولة.

القيادة الإيرانية التي انخرطت في السنوات الماضية في سياسة المناكفة والمزايدة وإطلاق القنابل الصوتية والصواريخ الايديولوجية اكتشفت أنها أخذت تنزلق إلى عزلة إقليمية يمكن أن تشكل ذريعة للدول الكبرى لفرض المزيد من العقوبات عليها في حال واصلت نهج قطع الجسور مع دول الجوار والمغامرة بتلك الإنجازات التي حققها الجيل الأول خلال العقود الثلاثة الماضية.

القيادة العراقية التي تستعد للانتخابات النيابية المقبلة في ضوء متغيرات دولية أخذت تكشف عن استعدادات أميركية للتموضع وإعادة الانتشار تمهيدا للتراجع بدأت تبحث عن بدائل إقليمية يمكن أن تساعد على وقف التدهور الشامل الذي تعيشه بلاد الرافدين منذ الاحتلال.

طهران أيضا التي خاضت التجربة اللبنانية وما تعنيه من تجاذبات أهلية ومناوشات إقليمية وصلت كما يبدو إلى قناعة تؤكد وجود حواجز طائفية ومذهبية تعطل إمكانات السيطرة على بلد تتحكم في آلياته السياسية مجموعة اعتبارات خفية تتشابه بشريا مع تضاريسه الطبيعية الوعرة في وديانها وهضابها وسهولها وجبالها.

مصر التي شهدت تراجعا في موقعها الاقتصادي العربي وانكفاء في نفوذها الإقليمي بدأت تستعيد نسبيا ذاك الدور الخاص بعد العدوان الأميركي - الإسرائيلي على غزة وما أنتجه من تهديد استراتيجي على أمنها القومي في الأسبوع الأخير من عهد جورج بوش. فالعدوان على القطاع أنتج صحوة سياسية إقليمية أثارت مخاوف الدول العربية بسبب تلك الارتدادات السلبية التي أسفر عنها وكادت أن تشطر المنظومة إلى مراكز قوى تعطل ما تبقى من توافقات على الجامعة العربية والمبادرة العربية والهيكل الفلسطيني.


واقع ومخيلة

هل يفتح الحراك الدبلوماسي الذي شهدته بعض العواصم العربية ودول الجوار هذا الأسبوع نافذة على رؤية جدية تتعامل بعقلانية مع المستجدات الطارئة وتلك الاستحقاقات المنتظرة في المستقبل أم أنه سيكون مجرد عاصفة في صحراء تثير الغبار وصاعقة في سماء صافية؟

المؤشرات ترجح وجود قراءات جديدة تطمح نحو إعادة مراجعة ملفات أخذت تصطدم أوراقها بأرض صلبة ومن دون نتيجة. زيارة الحريري إلى دمشق تقع في مجال إعادة الاعتبار للجغرافيا وما تستلزمه من تصويب لعلاقات كادت أن تصل إلى مرحلة الانقطاع بعد أن بالغت سورية في تدخلها الخاص في التضاريس اللبنانية. وخطوة الحريري التي وصفت بالتاريخية والموفقة جاءت بناء على متغيرات إقليمية تتوجت بزيارتين متبادلتين بين الرئيس السوري والعاهل السعودي.

زيارة لاريجاني للقاهرة لابد أن تكون حصلت في ضوء اكتشاف القيادة السياسية الإيرانية تلك المخاطر المتأتية عن نهج العزلة والانعزال عن المحيط العربي ودول الجوار. فالقيادة في طهران التي أضاعت البوصلة في السنوات الخمس الماضية وأدت إلى انزلاقها في صراعات جانبية ساهمت في انهيار نظام الأولويات لابد أن تكون في صدد المراجعة تمهيدا لتصحيح علاقاتها وترتيبها في إطار تعويم المنظومة الإقليمية. والأمر نفسه يمكن تسجيله في خانة التوقعات المرجوة من زيارة متقي إلى بيروت.

كذلك جولة الرئيس المصري على دول الخليج العربية فإنها تحتمل إعادة تأسيس لعلاقات تضمن التوازن في المنظومة الإقليمية وتعيد ربط أمن الخليج بأمن بالبحر الأحمر وأمن المتوسط (قناة السويس) بأمن المحيط الهندي (الصومال وباب المندب) في إطار استراتيجي لا يعزل الملفات عن بعضها لكون حلقات السلسلة مترابطة جغرافيا ولا يعقل إهمالها في لحظة دولية متقلبة وانتقالية.

أخيرا هل يكون الحراك الدبلوماسي الذي جرى في أسبوع واحد خطوة في مجرى إعادة هيكلة المنظومة الإقليمية لتكون متناسبة مع التحولات الجارية والاستحقاقات المقبلة أم أن ما ذكر أعلاه من توقعات مجرد أحلام يقظة ومجموعة أفكار تنتجها المخيلة وغير قابلة للتطبيق؟ الجواب النهائي يحتمل التأجيل بانتظار ما ستسفر عنه الجولات واللقاءات والاتصالات من صور سيكون لها تأثيراتها على المشهد السياسي في المنطقة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2665 - الثلثاء 22 ديسمبر 2009م الموافق 05 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 7:33 م

      قنابل تحليليه

      والله محد عنده قنابل تحليليه و صواريخ تخيليه غيرك

اقرأ ايضاً