العدد 2894 - الأحد 08 أغسطس 2010م الموافق 27 شعبان 1431هـ

فلسطين... ولعبة المسارات الإقليمية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

العودة إلى لعبة تعدد المسارات في «الشرق الأوسط» تكشف عن وجود خطة دولية تعمل أميركا وفرنسا على تجهيزها للضغط السياسي على السلطة الفلسطينية وإجبارها على التراجع والقبول بالشروط الإسرائيلية للانتقال من المفاوضات «غير المباشرة» إلى المفاوضات «المباشرة». وإعلان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن تكليفه السفير السابق في دمشق جان كلود كوسيران بمهمة إطلاق المسار السوري - الإسرائيلي وتحريكه على خط موازٍ مع المسار الفلسطيني يأتي في سياقين: شراء الوقت وتخويف الجانب الفلسطيني من وجود بديل جاهز في حال أصر على مطالبته بضمانات دولية تلبي الحد الأدنى للحقوق المشروعة والمنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة.

لعبة المسارات قديمة وهي تشكل دائماً ذلك الملاذ الذي تلجأ إليه الدول الكبرى حين تفشل في إقناع حكومة تل أبيب بالتجاوب مع دعوات الانفتاح والتسامح والسلم. ولأن واشنطن تعرف أن أساس المشكلة «إسرائيل» وبأنها هي الطرف المسئول عن تعطيل كل المبادرات ولا تستطيع أن تكشف الأمر وتعلنه للعالم تتهرب من المسئولية وتتجه نحو اعتماد سياسة التنافس الإقليمي (فرّق تسد) بذريعة أن الجانب الفلسطيني متصلب في مطالبه أو أن المسار الفلسطيني صعب ويحتاج إلى وقت إضافي لتذليله وتجاوز مطباته الشائكة.

هذا التكتيك الملتوي بدأت بتطبيقه إدارة جورج بوش الأب حين اشترطت على الطرف العربي المشارك في مفاوضات مدريد أن يتشكل من مجموعة وفود عربية وليس من وفد واحد. وكان القصد من وراء تفكيك الجبهة إلى جبهات عربية إضعاف الموقف الموحد من القضية المركزية وعزل فلسطين عن محيطها بذريعة أن الموضوع فلسطيني ولا شأن للبناني أو السوري أو الأردني أو المصري به.

تحت غطاء أن اللبناني يبحث بالأراضي اللبنانية المحتلة. والسوري يبحث في الجولان. والأردني يبحث في مناطق النزاع على الحدود. والمصري يناقش ما يتصل بجانب مصر فقط اتجهت مفاوضات مدريد إلى التفكك وبات الجانب الفلسطيني محاصراً بمسارات التوائية تلتفّ حول القضية الأم التي تفرعت عنها كل الجزئيات الأخرى.

مفاوضات مدريد الفاشلة تحولت إلى مرجعية دولية تتضمن مجموعة أوراق مرهونة بمسارات تقفل عند الحاجة وتفتح عند الضرورة. وأدى الأمر في نهاية المطاف إلى إنتاج اتفاقات هزيلة وغير واضحة على الجانب الفلسطيني (اتفاقات أوسلو) مقابل تحييد جبهة الأردن (اتفاق وادي عربة) وعزل موضوع احتلال الجولان عن فلسطين وفك الاشتباك اللبناني - الإسرائيلي بعد اضطرار تل أبيب (حكومة إيهود باراك آنذاك) الانسحاب من الجنوب تجنباً لضربات المقاومة.

لعبة المسارات في تسعينات القرن الماضي أعطت مفعولها حين نجحت في تشطير الموقف العربي إلى سلسلة حلقات منفصلة تعطي فرصة لتل أبيب للتهرب من المسئوليات والالتزامات حين تنحشر دولياً في الجانب الفلسطيني. فالذريعة تكون جاهزة وهي تجميد المسار الفلسطيني أو تعطيله أو تأجيله والبدء في فتح قنوات الاتصال مع الجانب السوري تحت غطاء أنه الأسهل والأضمن والأقل كلفة.

الآن تعود حكومة تل أبيب إلى تكرار السيناريو الممل من دون تعديل سوى استبدال الوسيط الإقليمي بالدولي أو تغيير اسم الطرف المكلف بالاتصال تمهيداً للبحث في موضوع الانسحاب من الجولان وهو أشبع دراسة وبحثاً من دون فائدة تذكر. فرنسا تعلم تماماً أنه لا نية لدى «إسرائيل» للانسحاب من الجولان. كذلك تدرك الولايات المتحدة أن مسألة التفاوض مع دمشق مجرد خدعة لتقطيع الوقت والضغط النفسي على الجانب الفلسطيني للتراجع أو التنازل والقبول بالأمر الواقع ومحاولة التكيف مع شروطه، ولكنها مع ذلك تلجأ إلى تكرار اللعبة حتى تعطي فرصة لتل أبيب للتهرب من الإجابة عن السؤال: هل تريد تسوية سلمية للصراع أم أنها مصرّة على الاحتلال؟

تهرب «إسرائيل» واحتيالها على عدم تقديم إجابة واضحة بشأن مبادرة السلام العربية يؤشر إلى أن تل أبيب لاتزال تعتبر حتى اللحظة أن كلفة الانسحاب أكبر من استمرار الاحتلال. فالاحتلال برأي حكومة بنيامين نتنياهو من دون حرب هو أفضل من الانسحاب بالتفاوض، لأن الخيار الأخير مكلف في تبعاته بينما الأول مريح مادامت الدول العربية والمعنية غير قادرة على ابتكار البديل أو اللجوء إلى الخيار العسكري لحسم الصراع.

استراتيجية «إسرائيل» تقوم منذ ثمانينات القرن الماضي على سياسة اللاحرب واللاسلم لكونها من جهة تضمن استمرار الاحتلال وتتجنب من جهة أخرى كلفة الحرب. وبسبب هذه الاستراتيجية الملتوية استمر احتلال الجولان منذ العام 1967 من دون خوف من دفع ضريبة دم سوى تلك المواجهة الأخيرة التي حصلت في العام 1973. وشكل هذا الاطمئنان المزمن على الجبهة السورية قناة تصريف للحكومات الإسرائيلية تلجأ إليها حين تشتد الضغوط الدولية عليها لتقديم انسحابات أو تراجعات في شأن الملف الفلسطيني.

الأمر تكرر في أكثر من مناسبة. وفي كل مناسبة تنتهي المفاوضات على المسار السوري بمصيبة سياسية أو عسكرية في جبهة أخرى كما حصل أخيراً في الحرب على غزة حين فشلت القناة التركية في ترتيب تسوية ثنائية من خلال رعاية أنقرة لفلسفة المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب.

اللعبة الآن تتكرر وساركوزي الذي تنطح للقيام بمهمة إرسال مبعوث خاص إلى دمشق لمجاراة مبعوث أوباما إلى رام الله يدرك أن المفاوضات المباشرة على المسار السوري لن تنتهي بالانسحاب الإسرائيلي من الجولان ولكنه يعلم بأن لها وظيفة مؤقتة وهي: شراء الوقت وإعطاء فرصة لصديقته «إسرائيل» للتهرب من الالتزامات والمسئوليات الدولية وتخويف الجانب الفلسطيني وإجباره على التنازل والتراجع أو القبول بالشروط المطروحة لعودة المفاوضات المباشرة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2894 - الأحد 08 أغسطس 2010م الموافق 27 شعبان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً