العدد 2905 - الخميس 19 أغسطس 2010م الموافق 09 رمضان 1431هـ

مكافحة العنصرية والكراهية ومحاكمة قادة الحروب

نشوء النخبة الأوروبية (الأخيرة)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

سيرة راسل السياسية تختصر اهتمامات جيله حتى سبعينات القرن العشرين، فهو من جانب سليل أسرة لوردات تهتم بالعلوم وتطمح لتطوير السلطة باتجاه المزيد من الانفتاح والاستيعاب والعدالة، ومن جانب اهتم بالفلسفة لكونها الوعاء التاريخي الفكري وحرص على أن تجمع بين النظرية والممارسة. وشخصية راسل في هذا السياق تشكلت في زمن تكاثرت في منعطفاته الحادة ثنائيات وازدواجيات هددت السلم العالمي وعرضت البشرية لاختبارات قاسية وخيارات مدمرة. فالتطور في عصره أصبح مترابطاً في حقوله، والأفكار لم تعد مجرد تصورات نظرية لأن التقدم التقني نجح في تحويل المخيلة إلى وقائع ودلالات تتحرك ميدانياً وفي الفضاء.

ثنائية الخير والشر وازدواجية المعايير في التعامل اليومي مع قضايا الحق والباطل، المساواة والتفرقة، العدالة والانحياز، كانت هاجس راسل الفلسفي ما دفعه إلى خوض غمار المعارك السياسية على نطاق دولي لمواجهة المخاطر التي تهدد الإنسان.

بدأ راسل حياته الفكرية في دراسة المنطق الرياضي (فلسفة المنطق) وألف بالاشتراك مع الفرد نورث وايتهد (مواليد 1861) كتاب «أسس الرياضيات» في العام 1910-1913 مشيراً إلى تلك المنظومة المنطقية في علم الحساب، وهي منظومة بدأ اهتمامه بها بعد مشاركته في مؤتمر عن الفلسفة عقد في باريس في العام 1900. وبعد هذا المؤتمر قرر الاهتمام بالفلسفة انطلاقاً من المنطق الرياضي. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى خاض معركة فلسفية ضد منطقها العبثي فاعتقل في العام 1918 واستغل فترة وجوده في السجن لكتابة مقدمة في «فلسفة المنطق». بعدها بدأ اهتمامه يتوزع بين الفكر والممارسة فأخذ ينشط على صعيد القضايا الاجتماعية والسياسية ويكتب في مجال الفلسفة فألف سلسلة مقالات عن العقل في العام 1921، ثم أتبعها بكتاب مرجعي في أيامه تحدث فيه عن مشكلات الفلسفة (مقدمة للفلسفة والفلاسفة).

اتهم في العام 1927 بالكفر والإلحاد حين كتب مقاله «لماذا ليست مسيحياً؟». وهذا ما نفاه راسل لأن موضوعه لا يتحدث عن الخلود وإنما عن الإنسان، وهو بهذا المعنى يرى أنه ينتمي إلى الإنسانية ولا يقبل أن يصنف في إطار دين معين أو قومية محددة. تهمة عدم الإيمان بالخلود والمسيحية أثرت على حياته العامة حين حاول الدخول إلى البرلمان فترشح وفشل، ما جعله يركز نشاطه السياسي الميداني خارج إطار السلطة التشريعية معتمداً في ذلك على اتصالاته التي تجاوزت حدود القارة الأوروبية. آنذاك كان راسل بدأ يعرف دولياً فقام بزيارات إلى برلين وباريس وأميركا، وتوجه إلى روسيا في العام 1920 (عهد لينين) وبعدها زار الصين للاطلاع على التجربة فاتهم بالانحياز إلى الشيوعية ما جعله يوضح أنه يميل إلى اشتراكية عادلة ومتواضعة وإنسانية توازن بين المصلحة (المنفعة) وطموح البشر ويرفض التعصب والتطرف والديكاتورية (الفردية أو العسكرية أو الحزبية).

خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ازداد نشاط راسل في مكافحة التطرف والتعصب وسباق التسلح النووي وخاض معارك اجتماعية وتربوية وإنسانية فنال في العام 1942 جائزة نوبل لنشاطاته وكتاباته. بعد «نوبل» توزعت اهتمامات راسل على الصعيدين فواصل بحوثه النظرية فكتب عن «تاريخ الفلسفة الغربية» و»السلطة والفرد» في العام 1945، وتابع نشاطه الميداني إلى أن نجح في العام 1964 في تأسيس جمعية «برتراند راسل للسلام» مؤكداً الحاجة إلى هيئة كونية على غرار الأمم المتحدة لمكافحة الكراهية والتسلح النووي (الدمار الذاتي الشامل).

بعدها في العام 1966 دعا مع صديقه الفيلسوف الفرنسي سارتر إلى تأسيس «محكمة دولية» لمكافحة الحروب ومعاقبة المجرمين الذين يورطون الشعوب في الكوارث ومعارك الكراهية والعنصرية والقتل العبثي لمصالح وغايات تزعزع الاستقرار والرخاء والسلام.

دعوات راسل للسلام اتسمت بالمغامرة والجرأة والتحدي وهي أعطته قوة زادت من حيويته ونشاطه وكفاحه الدائم الذي لم يتوقف منذ أن انتقل للعيش في شمال ويلز من العام 1955 إلى رحيله في 1970. طوال عمره الطويل حاول راسل أن يكسر نمطية الهوية التي ورثها بالولادة (وريث سلالة لوردات) وابن عائلة وبيئة مسيحية (انغليكانية) ليعيد تأسيس هوية خاصة ومستقلة قادرة على العيش وإثبات ضرورتها الإنسانية في عالم متغير ويتقدم ولكنه يتعثر دائماً بمطبات الكراهية والبغض والتفرقة العنصرية ودعاة الحروب والدمار الشامل.

هذا النزوع نحو النشاط الميداني تعزز عند راسل حين ربطه يومياً بمشروعه الفلسفي ورغبته في تطوير وعي العقل نحو غاية أرقى تصنع هويتها من التجربة والاستعداد لتجاوز هويات صغيرة موروثة. الجانب الفلسفي لم يغب عن ذاكرة راسل منذ شبابه وحين كان يتبادل الآراء مع الفليسوف جورج مور. فهو تأثر بداية بفلسفة كانط ومنهج هيغل الصارم في آلياته وتاريخه ولكنه عاد وأخذ مسافة في رده على فلسفة برادلي ومنهجه. راسل كان يتغير ويتكيف وينتج دائماً أفكاره الفلسفية معتمداً بذلك أسلوب ليبنتز الذي ألف كتاباً عنه في العام 1900.

منذ ذلك التاريخ اتجه راسل إلى التحرر من نمطية فلسفية تأسره في آلياتها وضوابطها المبرمجة واتخذ منهجاً أخذ عينات فلسفية منتخبات على نمط خطة ليبنتز في التفكير والتعامل مع القضايا. فهو اتجه بحكم اختصاصه في علوم الرياضيات إلى درس قانون الطبيعة وتوصل إلى خلاصات تتحدث عن دينامية القوانين واتصالها بالمنطق والمعرفة. لذلك دعا انطلاقاً من رؤيته الفلسفية الشاملة إلى صيانة مصادر ثروات العالم الطبيعية وحماية البيئة وعدم استنزاف المواد الخام ومكافحة التصحر.

الوعي الفلسفي عند راسل ليس بعيداً في موضوعه النظري عن نشاطه العملي (مكافحة الكراهية والحروب وحماية البيئة والطبيعة) ورفضه فكرة نظام السيطرة المركزي ودعوته إلى «التفاضل الشخصي» في اختيارات الإنسان الفرد. لذلك حين دعا إلى التعاون الدولي الشامل (تجاوز الحدود القومية) رفض بموجبه فكرة لابد من وجود عدو (تعزيز الكراهية) بداعي محافظة الأمة على التماسك الداخلي. وبرأيه أن التماسك الاجتماعي لا يقوم إلا على الطبيعة البشرية ورفض اختلاق الكراهية لتبرير نظرية مواجهة العدو الخارجي.

أفكار راسل (النظرية والعملية) لاتزال راهنة فلسفياً وسياسياً سواء في دعواته لمكافحة الحروب والعنصرية ومحاكمة المجرمين والقتلة والأنظمة الديكتاتورية وحماية البيئة والطبيعة، أو سواء في رؤيته الإنسانية (الكونية) التي ترفض استخدام الغريزة البشرية وتحويلها إلى آليات سيكولوجية لتبرير التسلط باسم التماسك والوحدة القومية.

وظيفة السلطة برأيه هي الأمن والعدالة والصيانة، ووظيفة المعرفة تقوم على المهارة المكتسبة والتنظيم الاجتماعي، والمنافسة هي حافز النشاط والفعالية والقدرة على التكيف مع مختلف نماذج المعيشة... الأمر الذي يحقق التوازن بين سلطة العادات وسلطة القانون.

يشرح راسل هذه الخلاصات في مداخلاته ومطالعاته في كتاب صدر له عن «السلطة والفرد» إذ يشير فيه إلى تطور علاقة السلطة بالفرد من القبيلة (الزعيم) والدين (القائد الروحي) والوطن (الديكتاتور) إلى الانتماء إلى الحياة (الإنسان الحرّ والمستقل). وبرأيه أن التاريخ يسير عكس التطور المطلوب إذ «منذ القرن الخامس عشر حتى اليوم استمرت سلطة الدولة على الفرد تتزايد» (ص49). وأن «آلية التماسك الاجتماعي الغريزية تطورت من الولاء للقبيلة الصغيرة (...) إلى الولاء للدولة الكبيرة في العالم الحديث» (ص51). وهذا التناقض بين مفاهيم العدالة والاشتراكية والديمقراطية وهي وجوه مختلفة واحتمالات متعارضة تؤشر إلى ابتعاد النظريات عن العدالة السياسية والعدالة الاجتماعية في ميدان الممارسة. فالسلطة برأيه بدأت تعتمد تقنيات جديدة لتعزيز تسلط الدولة وتبرير السيطرة والاستبداد، وهذا يتطلب مواجهة من قبل رجال العلم للحد من طموح الدولة المعاصرة للهيمنة ومصادرة حرية الإنسان وتخويفه من عدو مجهول. ودور «النخبة» برأيه يقوم عملياً على مهمة مكافحة التطرف والكراهية والدعوة إلى تأسيس الوسائل وتنشيط الدوافع لضبط التوازن بين المشاعر الخاصة والمصلحة العامة.

أهمية راسل أنه لم يقصر جهوده الفلسفية على الجانب النظري وإنما اجتهد ميدانياً لترجمة نصوصه إلى هيئة دولية تقاوم التسلط والاضطهاد. وبهذا المعنى السلوكي تحولت رؤيته إلى قوة لمكافحة البغض والكراهية والتمييز وجرجرة الشعوب إلى الحروب، كذلك تحول نشاطه الدائب إلى قوة فلسفية لها مدلولاتها الراهنة حين قال: «إن اللجوء إلى كراهية عدو مفترض كحلٍّ لكل ما هو مؤلم في حياتنا هو عادة أمر مدمر مهلك؛ إنه يحرك طاقة بدائية غريزية؛ ولكن بطرق تؤدي إلى المصائب. هنالك عدة طرق للتخفيف من حدة اللجوء للكراهية. وأفضل الطرق، كما هو واضح، أن نعالج، حيث يمكن ذلك، المساوئ التي تجعلنا نبحث عن عدو. وعندما لا يستطاع تحقيق هذا، فإنه قد يكون من الممكن أحياناً أن ننشر فهماً صادقاً للأسباب التي تنتج عنها نشراً واسعاً. ولكن هذا يصعب مادامت هنالك تلك السلطة الهائلة للسياسة والصحافة التي تنمو بتشجيع الهستيريا لدى الشعب». (السلطة والفرد، ص93).

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2905 - الخميس 19 أغسطس 2010م الموافق 09 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً