العدد 2952 - الثلثاء 05 أكتوبر 2010م الموافق 26 شوال 1431هـ

الدروس المستفادة من الحوار الفكري العربي الصيني (2 - 2)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

اتصالاً بالمقال السابق حول الحوار العربي الصيني على مستوى المفكرين نقول إنه لاشك أن الحوار مع الدول الاخرى يفيد في فتح البصيرة والعقل على فكر الآخرين ويقدم لنا دروساً قيمة أولها انه يجعلنا ندرك أن التفكير بمنطق صراع القوى وتوازن القوى تفكير متخلف زمنياً بالنسبة إلى المفاهيم المعاصرة في السياسة الدولية، التي تقوم على تشابك المصالح وتداخلها، وعلى التعاون بين الأمم والدول والشعوب.

أما الدرس الثاني الذي نستفيده هو انه علينا أن ندرك انه لن يحل مشاكلنا وجود قوة عظمى توازن القوة الأميركية، فقد كان، في الماضي، هناك الاتحاد السوفياتي، ولم تحل أية مشكلة، وإنما الذي يحل مشاكلنا هو إذا أقمنا القوة الذاتية لدينا فإن ذلك هو الطريق والمنهج الصحيح لتسوية مشاكلنا وتحقيق طموحاتنا وآمالنا. أما الدرس الثالث فهو إدراك أن عالم القرن الحادي والعشرين يفكر بالمصالح والمستقبل، ونحن ما نزال في سياساتنا وفكرنا الاقتصادي والاجتماعي والثقافي نفكر بمنطق الماضي، وعلى أحسن الفروض، بمنطق الحاضر المعاش، ولا نفكر بمنطق ومنهج التخطيط الاستراتيجي ولا نستخدم علوم المستقبل وفكره وآلياته وتكنولوجيته, إننا في حالة من التهميش على المستوى الدولي سياسياً وفي جامعاتنا وفي إنتاجنا الاقتصادي وفي معايير الجودة وبناء القدرات الذاتية في الموارد والخبرات البشرية، بل إننا نبدد العقول، ولهذا ظهر ما عرف باسم العقول أو الطيور المهاجرة، فكأننا ندعم بمواردنا البشرية قدرات الآخرين من الدول المتقدمة، ونظل نحن في حالة تخلف وتراجع، ومن يتابع مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والستين الحالية، وتقارير الانجازات التي تحققت في الأجندة والأهداف الإنمائية للألفية يشعر بقدر كبير من الإحباط، فالصين تتقدم بسرعة مهولة وترفع الملايين من تحت خط الفقر ومعدل النمو كبير وواضح وملموس لدى كل مواطن صيني ولدى كل أجنبي يزور الصين ومع هذا تقول إنها دولة نامية لديها مشاكل ضخمة، وكذلك الهند، وهناك مجموعة صغيرة من الدول النامية تسمى مجموعة بريك أي البرازيل وروسيا والصين والهند، هذه المجموعة تمثل القوى الصاعدة بعد القوى الكبرى المتقدمة، ليس من بينها دولة عربية أو إسلامية أو إفريقية. ومجموعة عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعين التي عشنا في فكرها قد تجاوزها الزمن، وأصبحت كالأيتام على موائد الآخرين، ومجموعة العشرين بينها بعض الدول العربية أي السعودية وهي دولة بترولية بها موارد وعائدات نفط ضخمة، وبعض الدول الإسلامية ماليزيا وإندونيسيا وتركيا، ومن إفر يقيا فقط جنوب إفريقيا.

الدرس الرابع هو أن العالم لا ينظر للتاريخ القديم والحضارة والثقافة التي كانت، وإنما للحاضر وتوقعات المستقبل، بعيداً عن مفاهيم المجاملة وخداع النفس الذي يردده ويقع في هوته بعض أو معظم الدول النامية للأسف فيقدمون إحصاءات غير صحيحة تتناقض مع الإحصاءات الدولية. وما يحدث من تطور اقتصادي تستولي عليه نخبة من الرأسمالية المفترسة وتضعف الطبقة الوسطى بدلاً من أن تقويها وتدفع الطبقة الدنيا للحضيض لتعيش تحت خط الفقر بأقل من دولارين في اليوم بينما الدول المتقدمة تعمل على توسيع وتعزيز وضع الطبقة الوسطى وتفرض ضرائب على الأغنياء أما الدول النامية فتفرض ضرائب على الموظفين وذوي الدخل المحدود بدعوى ترك الرأسماليين يكدسون الأموال بدعوى الاستثمار ولا يعرفون أن بيل غيتس وبافيت وغيرهما من أكبر أصحاب المليارات تخلوا عن أموالهم لصالح مشروعات خيرية لرفع أوضاع الآخرين وهذا ما فعله كثير من الرأسماليين في الدول التي أصبحت متقدمة الآن. إن مثل هذه المفارقات في الأوضاع والعقليات والسلوكيات هي التي دعت المجتمعين في الأمم المتحدة وفي مؤتمر مراجعة الأهداف الإنمائية لمطالبة الدول النامية بمزيد من الشفافية والمساءلة والعدالة واحترام حقوق الإنسان حتى يتسنى لهم تقديم المساعدات لهذه الدول، لأنهم يرون في بعض الدول النامية آباراً بلا قرار، تستنزف أموالهم ولا تنمي أو تحقق التقدم لشعوبها، والدول الغنية تحاسب بدقة على أموالها، ولديها برلمانات تراقبها، ومؤسسات تحاسبها، وموازنات تلتزم بها، في حين أن الكثير من الدول النامية تجدها غنية في مواردها الطبيعية لكنها تبددها على طموحات سياسية غير واقعية أو قيادات غنية وشعوب بائسة، ثم تطالب الآخرين بمساعدتها وتقديم المعونات لها للخروج من نكبتها الاقتصادية، وهنا يلمس العالم بأسره التناقض.

الدرس الخامس، إن ثمة خلافاً في وجهات النظر العربية والصينية حول الدور الدولي للصين. وجهة النظر العربية أن الصين أصبحت دولة كبرى ولم تعد دولة نامية وهي صاحبة ثاني أكبر اقتصاد عالمي وصاحبة أكبر احتياطي نقدي، والقوة الثالثة في التجارة الدولية وأن على الصين أن تعيد التوازن في العلاقات الدولية وتشارك في حل مشاكل العالم بقوة وبطريقة أكثر فاعلية ولا تترك الساحة فقط للهيمنة الأميركية.

أما وجهة النظر الصينية فكانت بخلاف ذلك حيث أكد العديد من المفكرين الصينيين على أطروحة أن الصين دولة نامية، وأن العرب لا يجب أن ينخدعوا بكون الاقتصاد الصيني هو الثاني في العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي لأن متوسط دخل المواطن الصيني يجعل الصين في مرتبة أكثر من المئة على المستوى الدولي، أي أنها مازالت دولة نامية، وأن الصين تركز على عملية التنمية في بلادها وأن الصين لا ترغب ولا تسعى لتصدير فكرها للخارج ولا تتدخل في شئون الدول الأخرى ولا تسعى لنشر مبادئ تطورها الداخلي ونظامها السياسي أو الاقتصادي على غرار المفاهيم التي تنشرها الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة مثل تصدير الديمقراطية ونشر مبادئ حقوق الإنسان والإصلاح السياسي ومن وجهة نظر الصين أن هذه مسئولية كل دولة ولا يجب التدخل في شئونها.

والدرس المستفاد هنا هو أهمية الفكر والتخطيط الاستراتيجي لتقدم الأمم والشعوب وعدم الانجرار لمطالب الآخرين أو الضغوط وبناء القوة الحقيقية للدول حتى تستطيع أن يكون لها صوت مسموع على الساحة الدولية ورغم أن المفكرين العرب أعادوا تكرار مطالبتهم للصينيين أكثر من مرة، ومن أكثر من مفكر عربي بأن تلعب الصين دوراً أكثر فاعلية في حل المشاكل الدولية ورفض بعضهم مقولة أن الصين دولة نامية، ولكن المفكرين الصينيين رفضوا المفهوم العربي بشدة مؤكدين على احترام الصين لسيادة الدول الأخرى وعدم تدخلها في شئون الدول الأخرى، وأن الصين دولة نامية ولا تسعى لدور عالمي، ولا للتوسع ولا فرض إرادتها على الآخرين، وأن شاغلها الرئيسي هو التركيز على التنمية وتحقيق التقدم والتعامل التجاري والاقتصادي والاستثمارات وتساهم في الحفاظ على مبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية.

الصين ترفض الانسياق وراء مفاهيم القوة الهلامية وتصر على اكتساب القوة الحقيقية والاستفادة منها لمصلحة شعبها وعدم تبديدها في مشروعات توسعية وحروب، ومن هنا نلمس الخلاف الكبير بين العقليتين الصينية والعربية. وهذه هي العبرة والدرس الذي نتعلمه من الحوار مع الصين وأمثالها من الدول الصاعدة وأيضاً من الدول التي صعدت في الماضي.

الدرس السادس هو أهمية التفاعل بين الزائر لدولة أجنبية والسفارة المعتمدة في تلك البلد بما يعكس أحسن التقاليد في الدبلوماسيات العريقة؛ فالسفارة تمثل الدولة والزائر لدولة أجنبية هو ضيف على تلك الدولة وعلى السفارة، وقد يحتاجها وقد لا يحتاجها وهم قد يحتاجونه ويستفيدون من تواجده وقد لا يستفيدون، ولكن المهم التفاعل بين الطرفين كتعبير عن التفاعل الإنساني والحضاري، ومن هنا اتصلت، بصفتي الشخصية لأن زيارتي ومشاركتي هي بصفة شخصية أيضاً ولكن - تمشياً مع التقاليد الدبلوماسية، بسفارتي مصر، بصفتي مصرياً، وبسفارة البحرين، بصفتي مقيماً في البحرين، ولحسن الحظ فإن السفارتين فيهما أصدقاء وزملاء لي تعرفت عليهم وعملنا معاً في مواقع سابقة، وأبلغتهم بموضوع الحوار العربي الصيني، واستفسرت عما إذا كانوا يرغبون في المشاركة وعندما أبدى القائم بالأعمال المصري الوزير مفوض إيهاب عبدالحميد، والقائم بالأعمال البحريني المستشار محمد صالح رغبتهما في المشاركة رتبت لهما ذلك وشاركا في معظم الجلسات ورحب الجانب الصيني بهما. ومن ناحيتي أعبّر عن الشكر لهما لاهتمامهما بالمشاركة وتجاوبهما وأخص بالذكر السفارة المصرية التي حرصت على استقبالي وتوديعي في المطار، حيث رافقتني الزميلة السكرتيرة الثالثة مها، والزميل السكرتير الثالث هيثم فلهما الشكر، والسفارة البحرينية التي أبدت نفس الاهتمام والرغبة فشكرتها على ذلك.

كما لا يفوتني توجيه شكر خاص للدكتور ناصر عبد العال المستشار السياحي المصري وأستاذ اللغة الصينية وهو يتميز بعمق الثقافة والفكر ودماثة الخلق والأستاذ عبد المقصود سلام المستشار الإعلامي المصري على تواجدهما معي معظم جلسات المؤتمر ورعايتهما الخاصة واهتمامهما بالتغطية الإعلامية في الإعلام الصيني ولدى المثقفين الصينيين.

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 2952 - الثلثاء 05 أكتوبر 2010م الموافق 26 شوال 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً