العدد 3045 - الخميس 06 يناير 2011م الموافق 01 صفر 1432هـ

العمل الصالح بين النظرة الشعائرية والطرح الحضاري

عبد العزيز كحيل comments [at] alwasatnews.com

لا تومئ الإشارة إلى النظرة الشعائرية إلى أي انتقاص من قيمة الشعائر التعبدية، كما لا تقصد بالطرح الحضاري تمييع المعاني الدينية، لكن لا مندوحة لنا عن الاعتراف بسعي غير مقصود من طرف مدارس إسلامية مبالغة في النصوصية والحرفية إلى تسطيح مفهوم العمل الصالح واختزال الإسلام في جملة من الطقوس المحدودة فكان ذلك تحفيزا للعلمانيين وتأصيلا لأطروحاتهم المكرسة لتقليص دين الله في الحياة، فالعمل الصالح المقترن ذكره بالإيمان يعتبر الدليل الواقعي على هذا الأخير وبذلك تتم معادلة الغيب والشهادة أو النظرية والتطبيق، فإذا علمنا أن العبادة تشمل كل عمل نافع يقصد به وجه الله أدركنا خطأ حصر العمل الصالح في الشعائر الوقفية، وقد أصبحت الحاجة إلى تجلية الأمر ملحة في محيط يتجاذبه تيار البعث الإسلامي الذي يسعى إلى إصلاح شئون العالم بالإسلام دين الحياة والرقي والحضارة وتيار التغريب الذي يثير الشبهات ويتلقف أخطاء الإسلاميين ليلحقها بالإسلام نفسه، ومشروعه التغييري الطموح، فالوضع يستدعي تجاوز القلق النصوصي إلى القلق الحضاري بالاستجابة للمنبهات وتوسيع دائرة العمل الصالح وأفق العاملين للإسلام واستقطاب الطاقات الإيجابية أيا كانت.

مجالات العمل الصالح: لا يقتصر العمل الصالح على إماطة الأذى من الطريق أو سقاية حيوان ظمآن، إنما يمتد مجاله إلى الشرعيات والإنسانيات والكونيات، وإذا كان الأمر بالنسبة للأعمال التعبدية لا يخفى على مسلم فقد يشكل على بعضنا أن يتعداها إلى المجالين الآخرين، غير أن الدارس للكتاب والسنة المتفقه في سنن الله ومقاصد الإسلام يدرك بلا عناء ذلك الشمول الضروري ويسحب صفة الصلاح على المشروع الاقتصادي الذي يلبي حاجات مادية للناس ويمتص البطالة، وعلى توظيف الغني لماله في مستثمرة صناعية أو زراعية أو تجارية تسهم في التخفيف من أزمة بلده، وعلى المؤسسة الاجتماعية أو الخيرية التي تكفل الأيتام أو تعلم الحرف أو تعالج المرضى أو تبث العلم وعلى الصفيحة التي تغذي العقول وتنافح عن الحق، وعلى الإنتاج السينمائي أو المسرحي أو الأدبي الذي يفجر الطاقات المبدعة ويستقطب الأيدي المتوضئة، فيدحض الرذيلة وينشر الفضيلة ويقتحم ميادين كانت في قبضة أعداء الإسلام والإنسانية فيحولها بالسعي الواعي الجاد إلى ساحات يعبد فيها الله وتنصر فيها القيم الأخلاقية، ثم من العمل الصالح أيضا أن ينتج مؤمن آلة تخدم الناس ماديا أو معنويا في الطب أو الفلاحة أو التي تسير لهم المعيشة، وقد قبل الرسول (ص) يدا كانت تحفر بالفأس فتعول صاحبها وتقدم للعباد خدمة ما.

إن شبابا ملتزمين ظنوا أن العمل الصالح يقتصر على الالتحاق بكليات الشريعة واعتلاء منابر الوعظ وإصدار أشرطة الأناشيد فضيقوا واسعا وهجروا ميادين ما كان ينبغي أن يتركوها لمن لا دين لهم ولا خلق، ولو أدركوا شمولية الإسلام وأبعاد الصراع الحضاري لنفر بعضهم ليتخصص في الصحافة والسينما والمسرح (إنتاجا وإخراجا وتمثيلا) وغيرها، ولاقتحم ذوو المواهب مجال القصة والقصيدة ولانشغل فريق بالرسم وغيره من الفنون، ولعمل الجميع على أسلمة هذه المجالات وتسخيرها لخدمة المشروع الإسلامي ولهم الأجر مرتين. ومن المؤسف أن يزهد الإسلاميون في الأدب والفن والثقافة ويقللوا من شأنها، في حين يمكنهم من عبادة الله من خلالها وتعبيد الناس له بنقلها من الهدم إلى البناء ومن العبث إلى الجد فيتحول الاشتغال بها إلى العمل الصالح بعينه، كما أنه من المؤسف أن ذوي الأموال ينفقون بلا حساب على أسفار الحج والعمرة وبناء المساجد ويشحون عن تمويل مشروع اقتصادي أو اجتماعي أو عن استثمار أموالهم، والمصيبة أنهم واقعون في علمنة الإسلام من حيث لا يشعرون أو قد وقعوا على الأقل في آفة السطحية والعمل الفردي الجزئي.

مؤسسات العمل الصالح: إن العمل الصالح بالمفهوم الواسع الذي ذكرنا يستوعب المجهودات الفردية وينطلق منها، ولكنه لا يكتسب صفة الاستمرارية والنجاعة والفعالية إلا إذا تولته مؤسسات مناسبة، فنحن في عصر يرتبط فيه النجاح بالمؤسسة، وهي فكرة تقضي على آفات العمل الفردي الذي قد يكون كبيرا لكنه لا يجدي كثيرا في شبكة المطالب الاجتماعية، وإذا أدت تجربة جمع الزكاة وتوزيعها بوساطة مؤسسة متخصصة في بعض البلاد إلى نتائج في غاية الإيجابية فإنه يمكن ويجب تعميم التجربة على كل الميادين المشار إليها ليأخذ العمل العلمي مداه في خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى تجنب الأمة المجهودات وتبديد الأموال، وترسخ عندها قيمة الجدوى، لأننا مازلنا نشتكي من مقولة إن علينا بذل العمل ولا يهمنا أن يحقق نتيجة أم لا، ونغفل عن حقيقة دينية وعلمية هي أن المقدمات الصحيحة تؤدي إلى النتائج الصحيحة، وبدل الفرد فإن المؤسسة تكفل تحقيق جدوى أي عمل تقدم عليه.

إن ما طرحناه من أفكار يرتبط بتوافر العقلية الأصولية التي تتناول القضية طولا وعرضا وعمقا، ولا مجال لتحقيقه في ظل عقلية قطع الغيار التي تتعامل مع الإسلام ومع قضايا الواقع وكأنها أجزاء مفككة لا رابط بينها.

إقرأ أيضا لـ "عبد العزيز كحيل"

العدد 3045 - الخميس 06 يناير 2011م الموافق 01 صفر 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً