العدد 306 - الثلثاء 08 يوليو 2003م الموافق 08 جمادى الأولى 1424هـ

الأحوال الشخصية لم تعد شخصية

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

بعد هدوء العاصفة عن قانون الأحوال الشخصية بدأت الحوارات تظهر بشكل علني، وكثير من الذين لم يلتفتوا إلى الأبعاد المختلفة للمشكلة، بدأوا بمراجعة أفكارهم عن هذا الموضوع الشائك.

«الأحوال الشخصية» لها جذور في جميع المجتمعات الإسلامية، وعبر السنين استطاعت الحكومات طرح «قانون جنائي» و«قانون مدني» على الأسس الحديثة التي استوردت كثير منها من القوانين الفرنسية والانجليزية.

«القانون المدني» الذي دخل البلاد الإسلامية واجه عقبات أمام معارضة المسلمين شمولة للأحوال الشخصية (قوانين الأسرة) لأسباب مر ذكر كثير منها.

من الناحية القانونية، فإن أي دولة تعارض ان يكون هناك أكثر من قانون لشأن من الشئون، على أساس ان الدولة الحديثة تقوم على مفهوم المواطنة، وان المواطنين جميعا سواسية أمام القانون الموحد داخل الجغرافية التي تسيطر عليها سلطات الدولة. واعتبر المشرعون الوضعيون الذين ينطلقون من مفهوم الدولة الحديثة على هذا الأساس محاولين التوفيق بين ما انغرس في المجتمع الإسلامي عن الأسرة وبين متطلبات القوانين الحديثة.

الملاحظات التي يطرحها المشرعون الوضعيون عن الأحوال الشخصية غير الخاضعة لقانون موحد تتفحص في عدم الزامية المحاكم للناس وعدم التزام المحاكم بالإجراءات الاعتيادية. فالرجل يستطيع تطليق زوجته من دون الحاجة للذهاب إلى المحاكم، بينما المرأة يشيب رأسها لو أرادت طلاقا فإن عليها ان تقنع محكمة ما بالأسباب الداعية لذلك.

قوانين الميراث معقدة ومختلفة بين مذهب ومذهب آخر، إلى الدرجة التي يضطر البعض للوصية بأن يوزع ميراثه حسب ذلك. على رغم انه لا ينتمي اليه، لأن التوزيع سيعطي نصيبا أكبر لمن يحب. تم ان هناك التقديرات التي يقرها القضاة عندما يحكمون في قضية طلاق بالنسبة إلى المستحقات للأطفال ورعاية شئون الأسرة التي تتفكك. فهذه التقديرات لم يرد فيها نص، وانما خضعت لرأي القاضي وتطبق بصورة غير قابلة للأخذ والرد.

إلى ذلك تزداد التعقيدات عن «الوصية»، وفيما إذا كان المتوفى أوصى لأولاد وبنات هذه الزوجة من دون تلك، وبالتالي تتدخل كثير من العوامل غير الخاضعة لرقابة محكمة أو قانون واضح. ولذلك فإن البعض يذهب إلى هذا الفقيه أو ذلك لاستخراج فتوى تقول له إن ما قام به أو ما حصل عليه «حلال» ولا توجد فيه شبهة.

هذا الحوار ليس جديدا ولا يختص في البحرين بل انه في كل بلد إسلامي أو غير إسلامي ولكن يوجد فيه المسلمون بصورة مؤثرة. فحتى الهند كانت قد مرت بالمشكلة نفسها بعد الاستقلال عندما حاول حزب المؤتمر استرضاء المسلمين الذين رفضوا اخضاع أحوالهم الشخصية للقانون المدني الذي يصدره البرلمان الهندي ويسيطر عليه الهندوس.

بعض الدول الإسلامية شرعت قانونا للأحوال الشخصية يأخذ في الاعتبار قوانين الشريعة الإسلامية، ولكن هذا القانون يبقى خاضعا للمؤسسة التشريعية الوضعية التي تستطيع ان شاءت وان سنحت لها الفرص تغيير ذلك القانون بحسب أحد التفاسير المطروحة في الساحة. وهذا أكثر ما يخيف (المعارضين لتقنين الأحوال الشخصية من خلال قانون موحد تصدره المؤسسة التشريعية الوضعية).

في الهند حاول البرلمان الهندي في منتصف الثمانينات تشريع قانون الأحوال الشخصية ولكن على ان يكون اختياريا بمعنى امكان الرجوع اليه لمن أراد. ولكن المشكلة تبقى ذاتها، وهي عدم وجود قانون موحد والزامي لكل المواطنين وهذا ما يخالف مفاهيم الدولة الحديثة.

حاليا فإن الواقع يتحدث عن وجود عدة ممارسات للأحوال الشخصية، فغير المسلمين يلجأون إلى المحاكم المدنية، أما المسلمون فيلجأون أما للمحكمة الجعفرية أو المحكمة السنية بحسب المذهب، أو بحسب اختيار أحد الزوجين إذا كان المذهبان مختلفين. والأمور سارت لفترة طويلة منذ تأسيس المحاكم الرسمية في عشرينات القرن الماضي. غير ان استمرارية الوضع كما هو عليه أصبح صعبا مع اشتداد أزمة الأحكام وتعقد القضايا وازدياد شكاوى المواطنين. كما ان اخراج قضايا المحاكم (لحلها) خارج المحاكم واجراء معاملات الأحوال الشخصية مثل (الزواج والطلاق) خارج المحاكم أدى إلى تفشي حال عدم الانتظام وعدم الاتساق الذي تفترض وجود أنظمة في أية دولة.

إضافة إلى ذلك، فإن معاملات المحاكم الشرعية وخصوصا (الزواج والطلاق) قد تم تصديرها إلى خارج المحكمة عبر شبكة من علماء الدين الذين يحصلون على رخصة للحصول على «دفتر» استمارات الزواج والطلاق. وهؤلاء العلماء يرتبطون معاشيا مع هذا النوع من العمل، وهو أمر ليس عليه غبار لأنه يسهل حياة الناس وقد تعودت عليه المجتمعات الإسلامية.

لكن إنشاء شبكة من علماء الدين الحاملين لاستمارات المحاكم وتسييرهم لمعاملات الناس يخضع العملية جميعها إلى تقديرات الاشخاص ذاتهم ويبعد الحال النظامية المفترض وجودها في الدولة الحديثة، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه. إضافة إلى ذلك فإنه ليس كل عالم دين يستطيع الحصول على «دفتر» الاستمارات، وانما تكون هناك تحالفات وتبرز من خلال ذلك تأثيرات لنفوذ هذا الاتجاه أو ذاك على الشئون الشخصية للناس.

وهذا يعني أن «الأحوال الشخصية» ليست شخصية لو نظرنا اليها من ناحية الممارسة وتأثيراتها. وفي الوقت الذي لا يمكن اغفال المعارضة المشروعة لقانون أحوال شخصية على أساس مدني - وضعي، إلا ان ما لا يمكن القبول به أيضا هو استمرار الحال على ما هو عليه حاليا. وعدم قبول استمرار الحال ليس له علاقة بمفاهيم الدولة الحديثة عن القانون المدني الموحد لكل المواطنين، وانما له علاقة بمصالح الناس الذين تضرروا لعدم وجود اجراءات وضوابط مقنعة بطريقة ما بحيث يستطيع المرء تمرير معاملاته الشخصية من دون مشكلات وعوائق بسبب عدم الاتساق وعدم الانتظام

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 306 - الثلثاء 08 يوليو 2003م الموافق 08 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً