العدد 306 - الثلثاء 08 يوليو 2003م الموافق 08 جمادى الأولى 1424هـ

دعوة الحوار

الرئيس الإيراني محمد خاتمي:

طراد حمادة comments [at] alwasatnews.com

حين حل الرئيس الايراني محمد خاتمي زائرا على لبنان في العام 1996 وألقى من على منابره الثقافية سلسلة من المحاضرات تتناول علاقة الدين والحياة وحوار الحضارات، اجريت معه حوارا ثقافيا كانت فاتحته سؤال خاتمي عن معنى اختياره لبنان منبرا لتوجيه اسئلته الثقافية إلى الداخل الايراني وإلى العالم وقلت له: انك تتحدث يا سيدي، على طريقة المثل الشعبي عندنا «بحاكيك يا جارة حتى تسمعي يا كنة»، ابتسم خاتمي للسؤال واجاب عليه مثبتا فحواه وكانت تلك من اشاراته الاولى إلى مشروعه الثقافي - السياسي. وفي ايران لا تبنى السياسة الاّ على قاعدة الثقافة، لأسباب عدة تتعلق بأصول الحكم ومصدر السلطات في هذا البلد الاسلامي الذي يتمتع بتراث ثقافي وحضاري غني، ومتشعب ومنفتح، وبقوة سياسية مستفادة من هذا الواقع ومؤسسة عليه. وحين حلّ الرئيس خاتمي ضيفا كريما على لبنان، تبادر إلى ذهني السؤال نفسه ومفاده، هل يختار خاتمي لبنان منبرا لتوجيه خطاب ثقافي وسياسي، للداخل الايراني، والعالم الاسلامي، وإلى العالم، بعد تجربته في الحكم، ورسوخ قدمه في الثقافة والسياسة على السواء، وهل لا يزال الحال قابلا للدعوة إلى حوار الحضارات، بعدما جرجر امراء الحرب الاميركيين، بداية القرن العشرين إلى مشروع استعماري جديد قوامه استخدام مبدأ باول في استخدام كامل القوة، ومبدأ رامسفيلد في تقنية جندي المشاة، وهنغتون في صراع الحضارات، وفوكوياما في الرجل الاخير ونهاية التاريخ.

في خصوصية المكان، لا يزال لبنان صالحا ليكون منبرا للخطاب، وذلك لاسباب ثبات الحال على صورته السابقة، باعتبار لبنان بلدا متعدد الاديان، والتعايش بينها صورة مقبولة لتكون مدار بحث في استقرار التعايش بين الدين والسياسة في عالمنا المعاصر وكذلك الحال من حيث استهداف لبنان في المخطط الاميركي - الصهيوني، ودوره الفاعل في مقاومة هذا المشروع مقاومة تجمع بين السياسة والثقافة، وتقدم النموذج الذي يكشف عن تهافت الصراع بين الحضارات كتوجه آخر للصراع بين الاديان، تعلق الأمر بالمشروع الصهيوني الاستيطاني، او المشروع الاميركي المقام على ايديولوجية وبنية جديدة، يبحث العالم عن المصطلح الذي يجمع حد ماهيتها المتكونة.

في خصوصية الزمان، وجد خاتمي نفسه امام مقولات المشروع المشار اليه باعتباره، يقدم وصفا مخالفا، لواقع العالم الذي تغير بعد حوادث 11 سبتمبر/أيلول، وسلسلة الحروب المتتابعة في افتتاح العقد الاول من هذا القرن.

لقد خبر خاتمي المتغيرات الزمانية من موقع المسئولية الامر الذي اعطى خطابه الثقافي بعدا سياسيا تطبيقيا، من داخل فقه السياسة الشرعية، اعطى هذا الخطاب في ايران طاقة حيوية يكشف عنها المشهد الثقافي الايراني الراهن في مستوياته وابعاده المختلفة، كما استطاع ان يحجز لنفسه مكانا مناسبا في دائرة الحوار العالمي، تقدَّم المشهد الايراني كمشروع انقاذ لحضارات ترتفع على قاعدة الحوار والتعاون إلى مقام احسن تقويم، وتنحدر على قاعدة صراع الحضارات، عن طريق تجارة الحروب، إلى مقام اسفل سافلين، ان مشروع الحوار بصفته مشروعا انقاذيا هو تأسيس على قاعدة الفعل في لحظة الزمان ذات الحساسية العالية وهي لحظة متغيرات فاصلة في حياة العالم المعاصر الذي تشتد عليه وطأة الصراع بكل البشاعة التي تحملها لغة الحرب، والقول ان المشروع الانقاذي له اسسه واصوله البنيوية داخل الثقافة الاسلامية في ايران مستفاد قبل حركة خاتمي من رسالة مؤسس الجمهورية الاسلامية الامام الخميني إلى غورباتشوف، تلك الرسالة الفلسفية، والوثيقة السياسية عالية القيمة، في مرحلة كان العالم فيها يبحث في ظل المتغيرات السريعة عن الانقاذ، ان (بيم موج) خاتمي هو دعوة صريحة إلى انقاذ عالم يغرق، ليس في موجات الثقافة العالية بل في صورها السياسية المتدحرجة إلى حافة الهاوية بداية هذا القرن.

كل مشروع ثقافي ذو ابعاد انسانية مؤسسة على القول الفلسفي والكشف العرفاني تدخل في الزمان باعتباره زمان الصيرورة وليس البرهات المتعاقية في تاريخ منفصل او متصل الحلقات، ان الصيرورة في هذا المعنى تكون بمثابة القيامة، المبدأ والمعاد، كحلقة احدة لعالم يمتلئ عدلا بعدما امتلأ ظلما وجورا وهو (زمان نفس العالم) اذا اردنا الاستعانة بمفهومه البرغسوني (عند برغسون) وفيه ان الفيلسوف الذي يلقي قوله في الزمان يلقيه في زمانه هو، وليس في الزمان الارسطي باعتباره قياس الحركة او وعاء الفكر عند «كانط»، وعليه يكون قول خاتمي، في النظر الفلسفي لا يزال محافظا على حيويته الانسانية، والمشهد العالمي، بكل متغيراته السريعة، يكشف عن ضرورته الراهنة، والاصغاء اليه يكون اصغاء راهنا، واصغاء في المستقبل.

ان كلمة «حوار» قد تحمل على مبدأ التأويل السياسي، (فقه السياسة الشرعية) لكنها في معرض، صياغتها كمشروع نظري من ثم على القول الفلسفي (فلسفة الحضارة) تؤخذ في ابعادها الانسانية كمشروع انقاذي ضروري، ولا اجد مساحة فرق بين القولين، ان التأويل كان دائما، ومنذ ابن رشد، محاولة لمعالجة الفلسفة السياسية مع السياسة الشرعية، وهذا المراد الذي نحتاجه اليوم اشد الحاجة.

ان مشروع خاتمي في حوار الحضارات مقابل «صراع الحضارات» يكتسب، في هذه الظروف، صورا مضافة، مستفادة من طبيعته كصورة عن احوال (زمان نفس العالم) والتي لا تقول بنفي الآخر وإلغائه بل بقبوله والحوار معه، قبولا متعاونا على البر والتقوى وليس على الاثم والعدوان، وهي مغايرة لمقولات انقسام العالم إلى عالم الاخيار وعالم الاشرار، عند الرئيس الاميركي بوش، وإلى فسطاطين، بين الكفر والايمان عند بن لادن وأشباهه.

ولذلك نذهب إلى ان من هذا المشروع يحمل في طبيعته، وجها انقاذيا تزداد الحاجة اليه، من اجل ان يكون السلام بديل الحرب وهي استثناء القاعدة والحوار بديل النفي، وضرورة الايمان بديل التكفير، والحرية بديل الاستبداد، والديمقراطية بديل الدكتاتورية، انه مشروع ذو ابعاد قيمية اخلاقية عالية، واذا كانت الاخلاق في الاسلام، يبحث عنها في الفقه اكثر من البحث عنها في الفلسفة فإن هذا المشروع الفلسفي، يدخل من اوسع الابواب إلى (فقه السياسة الشرعية)، وتلك الخاصة التي تجعل من خطاب خاتمي، خطابا موجها بالضرورة إلى موقع الاسلام إلى العالم المعاصر

العدد 306 - الثلثاء 08 يوليو 2003م الموافق 08 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً