العدد 3093 - الأربعاء 23 فبراير 2011م الموافق 20 ربيع الاول 1432هـ

التغيير لا يستأذن أحداً

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

لايزال البعض منا يصر على الوقوف مبهوتاً أو متسائلاً: ما الذي يحدث في البحرين؟ البعض الآخر يجهد نفسه بحثاً في كتب التاريخ والعلوم السياسية، من أجل فهم ما يجري في البحرين. مثل هذه الاجتهادات، ومثلها تلك التساؤلات قائمة ومشروعة عندما تؤخذ، في عين الاعتبار، المسألتان التاليتان:

1. إنها تأتي منسجمة، وفي سياق، مع ما يجري في مناطق عربية أخرى ومن أبرزها مصر وتونس، فقد شهدت تلك الدولتان زلزالاً تغييرياً، لم يتوقعه أحد، لا من حيث الحجم، ولا من مستوى المطالب. فقد هزّت تلك الثورتان، وخاصة المصرية منها، أركان نظام فرعوني كرّس حضوره، ومن ثم سيطرته، عبر مؤسسات، قمعية وإعلامية، رسّخت سيطرة الفرد على مدى ما يزيد على نصف قرن. ما حققته ثورة 14 يناير/ كانون الثاني المصرية من تغييرات جذرية مست صلب العلاقات المجتمعية المصرية، وتحدت ركائز النظام السياسي هناك، حملت الكثير من المدلولات القادرة على تفسير ما تشهده المنطقة العربية، ومن بينها البحرين، من تغييرات قد تبدو للبعض مباغتة، لكنها في حقيقة الأمر طبيعية وتسير مع منطق التاريخ وتخضع لقوانينه.

2. إن البحرين، بخلاف دول الخليج العربي الأخرى، تملك تجربة سياسية غنية راكمتها عبر عقود من الزمان، وعززتها من خلال السير فوق طريق طويلة من التضحيات تبدأ من الثلاثينيات من القرن الماضي، ولن تتوقف عند «مسجد الفاتح»، ولا «دوار اللؤلؤ». هذه التجربة تمد الحركة السياسية البحرينية بمعين متدفق لا يتوقف متعطش للتغيير والتطوير، اللذين لا يوقفهما، حتى وإن راوحا خلال هذه الفترة أو تلك، مكاسب محدودة، أو إصلاحات هامشية.

انطلاقاً من ذلك، وعودة لبحث قضية التغيير، الخاضعة لمنطق التاريخ وقوانينه، يمكننا القول أن المنطقة العربية مقدمة على موجة تغيير موضوعية لا تنتظر موافقة أحد، ولا تريد أن تستأذن من هذه القوة الحاكمة أو تلك. هذه الموجة التي تحاول أن توقفها الأوضاع العربية الساكنة، والأنظمة السياسية المتحجرة، لم يعد في وسعها (الموجة) السكوت في انتظار إشارة خضراء تبيح لها الدخول وإحداث التحولات الطبيعية التي يحتاجها المجتمع العربي.

فمنذ ما يزيد على نصف قرن والمنطقة العربية تكاد أن تكون بعيدة عن أية تغييرات جذرية هي في أمس الحاجة لها. هناك ما يشبه الركود غير الطبيعي الذي عشش في وسط هذه المجتمعات، وعندما نتحدث عن التغيير، فالموضوع لا ينحصر في الأنظمة الحاكمة فحسب، وإنما يشمل أيضاً القوى المعارضة. بطبيعة الحال ليس من الإنصاف في شيء، وضع تلك المعارضة على قدم المساواة مع القوى الحاكمة، التي ينبغي مساءلتها مباشرة عن هذه الأوضاع المتردية، والتدهور السياسي، والاقتصادي والاجتماعي الذي آلت إليه المجتمعات العربية. لكن ذلك لا يعفي المعارضة من بعض تلك المسئولية، وعلى وجه الخصوص عدم قدرتها على إحداث التحولات الذاتية التي تحتاجها لمواكبة التطورات العالمية.

مرة أخرى نعود لمنطق التاريخ الذي ليس في وسعه القبول بأنظمة تحتفظ بآليات القرون الوسطى، في حين هي تتعامل يومياً، شاءت أم أبت، مع مجتمعات تنعم بقوانين القرن الواحد والعشرين. هناك إذاً تناقض نوعي صارخ بين العلاقات التي تسيّر العلاقات العربية الداخلية، يسير جنباً إلى جنب مع تناقض أكثر شدة بين المؤسسات العربية ذاتها، ومثيلاتها في المجتمعات الراقية. هذه الاختلالات في الآليات لن تحصر نفسها في الجوانب السياسية فحسب، بل تمتد كي تشمل الاتفاقات الاقتصادية والمعاملات المالية، وغيرها التي تنظيم قنوات الاحتكاك بين المنطقة العربية والمناطق المتقدمة الأخرى.

القوة الذكية وحدها، هي التي ستكون قادرة على أن ترى مثل هذه التغييرات القادمة، والتي عوضاً عن مواجهتها والوقوف في وجهها، ولذا فمن الطبيعي أن نشهدها - تلك القوى - مسارعة إلى القبول بتلك الموجات التغييرية القادمة، وفهم آلياتها، ودرس قوانينها، ووضع الإستراتيجيات القادرة على التفاعل الإيجابي معها. وحدها تلك القوى ستمتلك القدرة على استيعاب هذه الموجة التغييرية والتفاعل الإيجابي معها، ومن ثم امتلاك القدرة على التعايش الفعال مع قوانينها الجديدة، هي التي ستنقذ من خلالها نفسها وتطيل من عمرها في الحكم.

وإذا قدّر لنا تصنيف القوة البشرية، بالإضافة إلى القوة الطبيعية، التي تقف وراء ذلك التغيير، فأكثر الفئات الاجتماعية قرباً من موجة التغيير، والأشد انسجاماً معها هي فئة الشباب. فالشباب اليوم، أكثر فئة اجتماعية تنسجم مصالحها مع التغيير، وتملك المقومات الذهنية والاجتماعية القادرة على الانخراط في عملية التغيير والتفاعل معها، والدفاع عن مكتسباتها.

قد يبدو هذا الطرح قريباً بعض الشيء، فقد تعودنا على التصنيف الاجتماعي للقوى الطبقية وفق مقاييس أخرى، ومواصفات مختلفة، ولعل ذلك هو أحد العناصر الرئيسة التي تحملها في ثناياها موجات التغيير الجديدة في نوعياتها التي نتحدث عنها.

وأول خطوة على التفاعل الإيجابي مع موجة التغيير التي نشير لها هو إبداء القوى الحاكمة الاستعداد لتقديم بعض التنازل لصالح التغيير المطلوب إنجازه، شريطة أن يكون ذلك التغيير لصالح تأسيس مجتمعات معاصرة تحكمها قوانين تتجه نحو بناء أنظمة ديمقراطية تحترم حقوق المواطنة، وتدافع بكل ما يمكنها من أجل ترسيخ مقاييس العدالة التي يبحث عنها المواطن الصالح.

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 3093 - الأربعاء 23 فبراير 2011م الموافق 20 ربيع الاول 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 12:55 ص

      ثورات الانترنت

      ان ما يحصل الان في ليبيا هو بالضبط ما اشرت اليه يا سيدي الفاضل و ا عتقد ان اليمن لا تختلف كثيرا عن الاولى . ف ثوررات الانترنت لا تجابه بقصف مدفعي .. فهناك خطط اذكي لمواجهة ثورات الياسمين الا وهو الحوار و التنازل من الجميع، جميع من يحب تراب الوطن .

    • زائر 1 | 11:01 م

      عبد علي عباس ا لبصري

      هكذا اصبح الملك لله ، ان الله يخلق للناس ظروف فيصبح لهم موقف ، عل اثره تتحدد هوياتهم وانتمائاتهم ، ففريق في الجنه وفريق في السعير . فالنصر والهزيمه لا تكون ا لى بيد الله يفعل ما يشاء ، وانما هو الدنيا يوم اليك وآخر عليك فأذا كانت علي فصبر واذا كانت لك فلا تبطر ، ويد الله فق يد العباد. يأيد بنصره من يشاء

اقرأ ايضاً