العدد 3124 - السبت 26 مارس 2011م الموافق 21 ربيع الثاني 1432هـ

المشهد العربي في نمطه الأسطوري

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

من ينظر إلى المشهد العربي في ساحاته الممتدة من المحيط إلى الخليج لا يستطيع أن يتخيل ما حصل. في خلال أقل من ثلاثة أشهر تغيرت الخريطة ولم يعد بالإمكان تصور عودة المنطقة إلى ما كان عليه وضعها في يناير/ كانون الثاني الماضي.

ماذا حصل، وما هو الوصف الذي يمكن إطلاقه. ثورة عربية كبرى، زلزال عربي، انفجار بركاني، تسونامي وأنواء بحرية، اهتزازات وارتدادات. أوصاف كثيرة يمكن استعارتها من التاريخ والجغرافيا وإسقاطها على الأرض، لكنها كلها لا تفي لمقاربة الواقع. فما حصل في مدة زمنية قصيرة لا يمكن توصيفه بالسرعة التي وقعت خلالها الحوادث العنيفة وخصوصاً في المناطق التي كانت تعتبر تقليدياً بالآمنة والمستقرة وخارج الفالق الزلزالي.

حتى الآن لم تتوقف الزلازل والارتدادات والتموجات العابرة للحدود. ولا يعرف أيضاً متى تهدأ المنطقة، وأين ستتوقف، وكيف سيكون شكل الخريطة السياسة، وما هو المشهد الذي ستستقر عليه البلاد العربية.

هناك لاشك مغامرة فكرية في توصيف الحالات المتداعية قبل أن يأتي أوانها، ويحين موعدها، وتتشكل صورتها. المؤكد أن المشهد العربي تغير كذلك الخريطة السياسية للأنظمة. لكن كيف سيكون عليه المشهد البديل، وما هو شكل الخريطة المتوقع ظهورها ميدانياً، فهذا من المبكر استنتاجه.

قراءات كثيرة ومتسرعة خرجت بانطباعات عن المتحولات وأسقطت عليها مقولات وصفية هي أقرب إلى تقدير الموقف، لكنها ليست بالضرورة صحيحة. المسألة بحاجة إلى وقت لاستيعاب تفصيلات الصورة واحتواء مضاعفات المشهد الذي لم تستكمل فصوله على مسرح التاريخ. والمسألة أيضاً بحاجة إلى دراسة جدوى لتقدير حجم الخسارة والربح ومدى الفوائد التي جنتها المنطقة من الزلازل والبراكين والأنواء والتصدعات والانهيارات والفيضانات والأنهار البشرية الهادرة شرقاً وغرباً.

كيف تكوَّن هذا الاحتقان، من أين جاء هذا الانفعال، لماذا تفجر المكبوت دفعة واحدة، ومن أين أتت هذه الشجاعة. هذا الغضب من أين يأتي، ما هي مصادره، لماذا يتجمع التوتر ويتراكم وفجأة ينفجر من دون انتباه متجاوزاً كل الأرصاد والحسابات الفلكية وتقارير الأجهزة ومراكز البحوث.

المشهد العربي في صورته الحاضرة قارب الخرافة وتفوق في مدلولاته اللفظية على الكثير من المقولات العقلانية والحوادث التاريخية. حتى مناهج القياس والمقارنة أصبحت عاجزة عن استقراء المتغيرات وضبطها في إطار تحليل يجمع الأجزاء المتناثرة في صورة مشتركة. هل هي انتفاضات اجتماعية، احتجاجات معيشية، تمردات سياسية أم هي مجموع هذا الكل غير المرئي والمحفور في أعماق النفس البشرية. وهل ما حصل ردة فعل أو فعل مستقل بذاته عن مختلف المتكونات. هل الانفجار هو نتاج انسداد مخارج طبيعية للمكبوت وعدم وجود منافس وقنوات للتعبير عن احتقان الذات الإنسانية.

كل هذه التوصيفات تعتبر قاصرة لاحتواء تفصيلات المشهد باعتبار أن الصورة المتقلبة لاتزال مشوشة ولا يمكن ضبطها ضمن معايير جاهزة مأخوذة من تجارب الماضي وحوادث التاريخ. فالعصف المأكول يحتاج فعلاً إلى مفردات ومصطلحات مخالفة للمألوف حتى تأتي الكلمات لتكون متناسبة مع الفعل ومتلازمة مع المولود.

ما صدر حتى الآن من قراءات تقارب الواقع من بعيد وهي تحاول لاهثة الركض وراء تتابع انقلاب صورة المشهد من الميمنة والميسرة والمقدمة والمؤخرة، لكن محصلة المجهود والمنتوج لم تتوصل إلى ترسيم لوحة واضحة الألوان عن طبيعة التحول والاتجاه الذي يندفع إليه.

الغضب، الانفعال، الانفجار، قبول التحدي، الاستعداد للتضحية، كلها مضاعفات لا تأتي من فراغ وليس بالضرورة أن تكون نتاج اللحظة الآنية أو ردة فعل مباشر على سبب ظاهر. الكبت الطويل، الإذلال المتعمد، السكوت على الكذب، تبادل النفاق والمجاملات، الخوف من التعذيب، القبول بالأمر الواقع، الصمت على قول الحق، كلها عناصر تتجمع وتتراكم وتتوحد وتتحول موادها وتندمج كيماوياً في باطن الإنسان وتنفجر فجأة وتندفع كالبركان.

طقوس الطبيعة وفصولها ليست مختلفة عن الإنسان. والتطور الإنساني عند البشر يدخل محطات ويمر بأطوار ويعيش الطقوس والفصول وينتقل من الصيف (القحط والجفاف) والخريف (تساقط أوراق الشجر) والشتاء (تساقط الأمطار) والربيع (تفجر الينابيع).

إلى أين تندفع المياه، وما هي المجاري والجداول والأنهار التي ستخترق السهول وتحفر الوديان قبل أن تنصب في البحار والمحيطات. حتى الآن لا يمكن تعريف هوية المولود وتحديد مواصفاته. فالمياه حين تنفجر من الينبوع تمر في خطوط متعرجة تتحاشى العوائق الطبيعية لتجد في النهاية ذلك المصب. وبين النبع والمصب ترتسم خريطة المسار وبعدها يبدأ الحساب العقلاني لاستكشاف مستوى العمق حين تستقر المياه وتهدأ اندفاعاتها وتموجاتها.

المهم الآن وبعد يباس طويل انفجرت الينابيع وخرجت المياه من الخزانات الجوفية إلى سطح الأرض. فالمعركة مكشوفة والكل بات في الواجهة والمسكوت عنه أصبح متداولاً ومطروحاً للبحث والمعالجة.

ليس العاجل في هذه اللحظات توصيف الحوادث وإطلاق التسميات عليها، لأن المتغيرات تختزن الكثير من الحالات المتخالفة في مكوِّناتها وألوانها. المطلوب المتابعة والمراقبة ورصد التحولات للتعرف على المسارات الملتوية في مجاريها وتضاريسها ومسالكها ومعابرها قبل أن تجد تلك المصبات المناسبة لاحتواء اندفاعاتها الساخنة والباردة.

المشهد العربي تغير، ومن ينظر إلى ساحاته الممتدة من المحيط إلى الخليج لا يستطيع أن يدرك تفصيلات الصورة الجامعة. فالانفجارات الزلزالية لم تكن متوقعة ولا يمكن الإحاطة الآن بكل بواطنها ومكوناتها المحلية والإقليمية والدولية. فما حصل أقرب إلى الأسطورة التي تخرج من الذاكرة قبل أن تستوفي شروطها وتستقر في المخيلة لتعيد إنتاج صورها في إطارات تتعايش فيها الأوهام مع الحقائق وتتساكن اليقظة مع الأحلام.

المشهد الأسطوري العربي خرج في النهاية إلى مسرح التاريخ ولم يعد بالإمكان إعادته إلى الوراء. فالأمام هو المستقبل ومنه يمكن أخذ الأدوات للتفكير والتحليل والتوصيف وإعادة التعريف لفهم تفصيلات ما حدث ولماذا وكيف ومتى وأين تتجه قنوات الاندفاع وتستقر حتى يعاد رسم الصورة المتخيلة وخريطة المنطقة المتمردة في قرن بلغ فيه تطور العلوم والتقنيات درجات متقدمة تقارب الخرافة

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 3124 - السبت 26 مارس 2011م الموافق 21 ربيع الثاني 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 12:41 ص

      عبد علي عباس البصري(الشعوب المنتفضه)

      مصر والعراق تمثلان المعادله الاقوى والاصعب في واقع الدول العربيه ، فالثروات المائيه والنفطيه والمعدنيه التي تزخر بهما هاتين الدولتين تجعلهما اكثر اهميه ، وهما يعانيان من التضخم المستمر ، وضعف الآله العسكريه ، فأهم شيئ الآن هو التحسين الاقتصادي والعسكري ، وهذا ليس بالصعب وذلك لوجود النخبه والخبره الكافيه لذلك . فالتفائل السريع هذا غير صحيح فالدولتان امامهما طريق طويل على الاصلاح ربما يكلفهاما الكثير ، ولن تدعهما امريكا واسرائيل . الاكن كما يقول المثل البحارني في الغيب عجايب .

    • زائر 5 | 12:28 ص

      عبد علي عباس البصري (الشعوب المنتفضه)

      ستعقد الجامعه العربيه ، بأعضاء جدد واتجاهات مختلفه وافكار ترنو الى مستقبل ينفض العار الذي البستهم الانظمه السابقه ، اليوم سيحاسب كل رئيس دوله (مصر العراق تونس ليبيا ) على كل تحركاتهم واقوالهم ، سيقارنون بغيرهم من دول العالم لبنان ايران . سيحاسبون ، لذلك سيتقدمون بشعوبهم الى الامام . فالتبشر اسرائيل بجيل عربي جديد ،

    • زائر 3 | 12:00 ص

      عبد علي عباس البصري (الشعوب المنتفضه)

      هذه الشعوب ابدا لم تكن يوما ما تقبل بالذل والخذلان والفبوديه المهينه ، وفي الواقع انا لما اتكلم عن هذه الدولتان (مصر والعراق )ليستا باعتبارهما الدولتان الوحيدتان في الشرق الاوسط وانما هناك تونس والمغرب وليبيا واشام ..... كلهم شعوب تضحي من اجل الحريه . وانما كلامي عن مصر والعراق باعتبار وحدانيتهما في التغيير الاقليمي المباشر .

    • زائر 1 | 11:33 م

      عبد علي عباس البصري(اليهود تؤمن بالله)

      قرأت في صحيفه احرانوت الاسرائيليه بتاريخ 22/2/2011 مقوله لنائب وزير الاركان الاسرائيلي . يقول : ان الذي حدث في الشرق الاوسط ، هو من تدخل اليد الاهيه حيث لم يكن بحسبان المخابرات الاسرائيليه ولا الامريكيه ولا غيرها , ويقول ايضا : اننا لانحتاج للدبابات وانما نحتاج الى اناس مؤمنيين بالله.

اقرأ ايضاً