العدد 317 - السبت 19 يوليو 2003م الموافق 19 جمادى الأولى 1424هـ

«الشعبوية» وتساقط القيم

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

لعل «الشعبوية» من أخطر ما يواجه أية مسيرة سياسية في كل زمان ومكان، وهذا ليس حديثا يختص بنا في البحرين. فاليونان (اثنيا) عاشت قبل 25 قرنا حالا من العمل السياسي التي يتخذ فيها القرار على اساس ديمقراطي مباشر. ولكن الحال انهارت بعد ان تحول ذلك العمل السياسي إلى نشاط «شعبوي» خاضع لرغبات جامحة و«منفلتة» لا تشبع من التهجم على اي شيء، والشتم لكل شخص، و«الرغبة في الانتقام»، إلى الدرجة التي حُكم فيها بالاعدام على «سقراط» لان الحال الشعبوية لم ترغب ببعض ما كان يقوله.

وإعدام سقراط دفع افلاطون وغيره من الفلاسفة بعد ذلك إلى الانقلاب على النهج «الديمقراطي المباشر»، ولذلك آمنوا بضرورة «حكم الفلاسفة» فقط، لان الناس - كما صورهم فلاسفة اليونان آنذاك - إما اصحاب «عقل» أو اصحاب «شهامة»، أو أصحاب «شهوة». واصحاب الشهامة تم تخصيصهم لأعمال الجند والحراسة بينما وجب على اصحاب العقل إدارة الأمور لكي لا ينفلت الوضع تلبية لرغبات اصحاب الشهوة. ومن هذا المنطلق تم قتل تجربة «الديمقراطية المباشرة» لأنه لم يكن بالامكان السيطرة على الوضع الذي كان ينفلت في أي اتجاه تلبية لرغبات شعبوية جامحة في اتجاهات شتى.

وفي عهد الرسالة الاسلامية كانت التعليمات الدينية تحث على الشورى لتسيير شئون الحياة، إلا ان المشكلة «الشعبوية» قادت إلى مشكلات كثيرة. وهذا هو محور حديث الامام علي (ع) «الناس ثلاثة: عالِم رباني، ومتعلم على طريق نجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق». فالعالِم الذي يصعد في مراتب العلوم المختلفة يخشى ربه لأن «رأس الحكمة مخافة الله»، وهناك السائرون على طريق التعلم، وهناك من لا يتعلم ويبقى فارغا من القيم.

مع تطور البشرية استخلصت الأمم مناهج تصليحية للوضع السابق، ومن تلك المناهج هي «الديمقراطية التمثيلية» القائمة على انتخاب الجمهور لمن يمثلهم في شئونهم للدفاع عنهم، على أن يكون المنتخب خاضعا للانتخاب والمحاسبة الدورية من ناخبيه... وهذا ما تسعى اليه الحركة الاصلاحية في البحرين منذ العام 1938م.

غير أن هناك حالا «شعبوية» سيئة بدأت تنتشر أخيرا وهي قد تقضي على الطاقات لانها مثل النار، والنار إن لم تجد ما تحرقه احرقت نفسها. وخلال السنوات الأخيرة شاهدنا الكثير ممن يشتم ويطرح الحديث غير المسئول، ولكن عندما يتم التعرف على هوية الاشخاص (مصدر الحديث) ينتهي العجب، لان خلفياتهم واسبابهم (الشخصية) تصبح واضحة وليس لها اية علاقة بالموضوعات التي اتخذوها منطلقا للشتم والحوار العبثي. إن الخوف هو في السماح لهذه الحال الشعبوية بأن تستمر في أسر الرموز والجمعيات وتذبح كل الطاقات لانها «نهم لا يشبع» ولا ينتهي عند حد إلا باحتراق كل شيء.

والحديث عن الحال الشعبوية ليس جديدا، ولكن المؤسف هو ان البعض يصبح اسيرا لهذه الحال، وبالتالي يتم قتل التفكير وتغليب الاساليب الطفولية التي ينأى من يحترم نفسه عن الهبوط الى مستواها. هذا ما حصل عدة مرات سابقة، بما فيها ما حصل للشيخ عبد الامير الجمري الذي لم يتوقف البعض ممن يمنحون لانفسهم صفاة «النقاء السياسي» عن شتمه إلا عندما اصبح حاله بين الحياة والموت. كما واستطاعت الحال الشعبوية إخراس الرموز في الاوقات الحرجة، وهي تهدد بإحراق نفسها بعد ان أضرمت نارها في كل شيء لايروق لها

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 317 - السبت 19 يوليو 2003م الموافق 19 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً