العدد 3415 - الخميس 12 يناير 2012م الموافق 18 صفر 1433هـ

في راهنية المشروع النهضوي العربي

يوسف مكي comments [at] alwasatnews.com

كاتب سعودي

في معرض مناقشة موضوع العروبة الجديدة الذي بدأنا به قبل أسبوعين، وردت بعض الردود من أصدقاء نكنّ لهم كل المودة والتقدير. وقد وجد بعض هؤلاء الأحبة في التناول النقدي للفكر القومي نوعاً من التماهي مع التوجهات المعادية لهذا الفكر، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التمسّك بالثوابت الوطنية والقومية.

واقع الحال، أن التمييز واجب بين نوعين من القراءة النقدية لهذا الفكر، نوع ينطلق من داخل المشروع النهضوي، تهدف قراءته النقدية إلى رفده بالمزيد من الزخم. ونوع آخر، معاد لهذا الفكر، ومتنكر للمنجزات التي قدمها، لأكثر من قرن، في سوح الكفاح منذ بدأ العرب اقتحام بوابات التاريخ. وبالتأكيد فإن قراءتنا لا تنطلق من موقف عدمي، بل تهدف، من خلال الحديث عن مشروع النهضة، إلى مناقشة راهنيته، في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية بأسرها خلال العام الماضي، لنتلمس ونتعرف إلى أين وكيف نسير.

تزامن المشروع النهضوي العربي مع تفكك النظام الاستعماري، وصعود نجم حركات التحرر الوطنية في العالم الثالث، وكان ذلك من أبرز التحولات الكبرى في القرن العشرين. فقد احتضنت تلك الحركات آمال شعوبها، وسعت إلى رفع ما أحاط بها من حيف، مع توق وتصميم شديدين على حق تقرير المصير.

ومنذ البداية، ميزت حركة النهضة العربية المعاصرة بين رؤيتها القومية، انطلاقاً من أوضاعها الخاصة، ومفهومها للعناصر المكونة للأمة، المعبر عنها باللغة والتاريخ والثقافة، وبين المفهوم السياسي الأوروبي للنظرية القومية، الذي ربط بروز ظاهرة التوجه القومي بصعود الطبقة البورجوازية للحكم.

انطلقت حركة النهضة من التسليم بأن الأمة ظاهرة اجتماعية يمكن أن تبرز في كل مراحل التاريخ الإنساني، وليس شرطاً أن تكون متلازمة بنمط الإنتاج الرأسمالي، وأن الأمة العربية ظاهرة ممتدة في التاريخ.

أما في أوروبا، فقد اكتشف أرباب الثورة الصناعية طريقهم القومي بعد تجاوز عهود الإقطاع، حيث وجدوا أن من مصلحتهم إلغاء الحواجز الجمركية، وتحطيم الحدود، وإيجاد أسواق جديدة للمنتجات، وقد أفضى بهم ذلك إلى تبني الوحدة القومية. وكانوا يستجيبون بذلك لدواعي التطور والنمو ضمن تلك المرحلة التاريخية. وحين تبدّى لهم أن بقاءهم أسرى داخل الحدود القومية سيفوّت عليهم فرص التقدم الاقتصادي ويمنعهم من التطور والنمو، بما يؤدي إلى الانكفاء والتراجع، عبروا الحدود التي رسموها لأنفسهم، وخانوا عقيدتهم القومية التي بشروا من خلالها أمم الأرض بالسلام والحرية والحب، وأرسلوا جيوشهم وأساطيلهم إلى بلدان آسيا وإفريقيا للاستيلاء على تلك البلدان، وفرض الهيمنة على شعوبها.

أما النظرية القومية في دول العالم الثالث، فقد ارتبطت بالتحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقلال، والتخلص من الهيمنة الاقتصادية للدول الرأسمالية، وهي بذلك نقيض للحركة القومية الأوروبية. لقد ولدت الأخيرة في السوق، بينما برزت قوميات العالم الثالث مناضلة ضد السوق.

في الوطن العربي، كان الإيقاع السياسي الذي يموج به الشارع العربي مفعماً بالأماني بتحقيق الوحدة العربية. وقد جاء هذا التوجه متزامناً مع ظهور مجموعة من الحقائق، إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، أسهمت في تعضيد التوجهات الوطنية. وفي المقدمة منها ظهور فكرة الحياد الإيجابي، وبروز دول العالم الثالث الحديثة الاستقلال على المسرح السياسي الدولي، وتبلور فكرة تشكيل تجمع دولي يضم الدول النامية التي رزحت زمناً طويلاً تحت نير الإمبراطوريات الاستعمارية، والتي شهدت الانسحاق الإنساني الذي أفرزته حربان عالميتان مدمرتان. ورأت من مصلحة شعوبها أن تنأى بنفسها عن الانتماء إلى إحدى الكتلتين المتصارعتين: الرأسمالية «الغربية» أو الشيوعية «الشرقية». واستطاعت هذه الدول أن تصبح قوة جماعية من خلال تأسيسها حركة عدم الانحياز، وتبنيها سياسات مستقلة، وابتعادها عن الأحلاف والتكتلات العسكرية لأي من المعسكرين المتنافسين، ومن خلال تحكمها في الغالبية من الأصوات بالجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة.

أما الحقيقة الأخرى، فكانت تنامي فكرة الوحدة، وكان الأساس النظري الذي استندت إليه، أن المجموعات البشرية التي عاشت على البقعة الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، جمعها إرث حضاري وتاريخي وثقافي. وهي بما يربطها من وحدة لغوية وجغرافية واقتصادية، قدرها الانضواء في دولة موحدة، تجعل من رفضها للهيمنة، وللمشروع الصهيوني رفضاً غير منفعل، أدواته ومقوماته عمق الأمة، حين تضع ثرواتها وإمكاناتها ومواردها وموروثاتها في خدمة هذا الرفض، بما يضمن تحقيق الحرية والتقدم والتطور. وانطلقت أيضاً، من التسليم بأن الحرية التي يسعى إلى تحقيقها كل بلد عربي على حدة، تصطدم بمعوقات ومآزق تجعل من الحديث عنها مجرد طنين لا تربطه بالواقع أية صلة، طالما أن السيادة غير مكتملة. فالحرية بالمعنى العميق والشامل هي تلك التي تبلغها الأمة من خلال هيمنتها على مقدراتها، وبنائها لقدراتها الذاتية. والوحدة بهذا المعنى، لا تمنح العرب قوة اقتصادية وسياسية هائلة فحسب، ولكنها أيضاً تحدث تغيراً في شكل العلاقة بين هذه الشعوب وحكوماتها، ما يجعل هذه الحكومات أكثر شرعية وأماناً.

كان تنامي التأييد لفكرة العدل الاجتماعي لدى قطاع واسع من النخب، قد منح زخماً لفكرة الوحدة، حين ربطها بموضوع التنمية التي لا يمكن أن تتحقق في ظل ضعف الهياكل الاجتماعية العربية، إلا عبر تخطيط اقتصادي، يلتزم بتنفيذ الأولويات من المشاريع التي تستجيب للحاجات الأساسية للأمة. وهذا يعني رفضاً قاطعاً لأن تكون التنمية في المجتمع العربي حاصل فوضى ومضاربات الحرية الاقتصادية.

توصل دعاة الربط بين فكرة العدل الاجتماعي والوحدة إلى أن التنمية ذات الأبعاد الكبيرة، بما تتطلبه من رؤوس أموال كبيرة، وقدرات بشرية هائلة، ومواد خام وموارد وأسواق واسعة، لا يمكن أن يضطلع بها بلد عربي بمفرده، وإنما من خلال تكامل اقتصادي بين مجموعات تتجانس، أو على الأقل تتقارب، في نظمها وبرامجها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتصبح قادرة على إحداث تغيرات أساسية وجذرية في البنى الاقتصادية والهيكلية القائمة.

تساوقت الطرق التي تفاعلت بها هذه العوامل بالبلدان العربية، لكنها اختلفت من بلد عربي إلى آخر، تبعاً لمستوى النمو الاجتماعي والاقتصادي لهذه البلدان من جهة، ونوعية الاستجابة المطلوبة في المواجهة مع القوى المهيمنة من جهة أخرى.

ما علاقة هذه القراءة، بالعناصر التي صنعت مشروع الأمة؟ وما هي معوقات المشروع النهضوي العربي الذي اتضحت بعض معالمه بين الحربين الكونيتين، ومارس أدواراً بارزة في الواقع العربي، خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أثناء احتدام الحرب الباردة بين المعسكرين: الرأسمالي والشيوعي؟ وأين يقف هذا المشروع في الوقت الراهن؟ أسئلة سنتناول الإجابة عنها في محطات أخرى قادمة بإذن الله

إقرأ أيضا لـ "يوسف مكي "

العدد 3415 - الخميس 12 يناير 2012م الموافق 18 صفر 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً