العدد 370 - الأربعاء 10 سبتمبر 2003م الموافق 14 رجب 1424هـ

«11 سبتمبر» بوصفها استعارة ماكرة

حسام ابو اصبع comments [at] alwasatnews.com

دراسة الاستعارة غدت مهمة لأننا ندرك أن اللغة لا تعكس الحقيقة فحسب بل تساعد على تكوينها... الاستعارة موجودة في كل مكان ولا يمكن إزالتها... إن لغتنا مشبعة بالاستعارة... الاستعارات تحدد إلى أي مدى يمكننا أن نفكر في أي ميدان... التعابير الاستعارية متجذرة في اللغة ذاتها... الاستعارات إحدى الطرق التي فيها أنواع كثيرة من الخطاب تنبني وتؤثر بقوة على كيفية إدراكنا للأشياء... الاستعارات ليست تأنقا بيانيا - أنها تشكل ما نعمله... الاستعارات يمكن أن تكون منتجة لرؤى جديدة وإضاءات طازجة ويمكنها أن تدفع للأمام توازنات أو قياسات غير متوقعة ومرهفة... من خلال الاستعارة يمكننا أن نملك مزيدا من الوعي بعوالم ممكنة بديلة... الاستعارات تثير علاقات، وعمل العلاقات هي مهمة السامع أو القارئ إلى حد كبير.

ما تقدم كان مقتطفات من أحد الكتب الشارحة للنظريات النقدية الحديثة، إذ يسهب صاحب المؤلف، وهو هندي اسمه مادان ساروب، في تأكيده على خطورة وأهمية الاستعارة، وهي إحدى الأطروحات الأساسية عند فلاسفة التقويض، الذين يبحثون في الأشياء من خلال اللغة، ويقرون بكون الخطابات مخترقة بالاستعارة، وهو مبحث شائق ومعقد في أن.

ويضرب ساروب أمثلة على كيفية اشتغال الاستعارة، ومنها تشبيه «بارسونز» المجتمع بعضو بيولوجي، و«ماركس» الذي يستعمل استعارة المبنى، القاعدة والبنية الفوقية. و«كوفمان» الذي يستعمل استعارة أداء مسرحي. مؤكدا أن الاستعارات وظيفتها لفت الانتباه ليس إلى أوجه الشبه فحسب بل إلى الاختلافات كذلك... فالمعنى يتبدل والاستعارة تهديد للغة المنظمة المرتبة، وهي تسمح بتكاثر المعنى: فلا حد لعدد الاستعارات لفكرة ما. وهي نوع من الرباط المزدوج البلاغي، تقول شيئا ويتطلب منك ان تفهم شيئا مختلفا.

ويستطرد ساروب في تتبعه لهذه القضية بالقول هناك مفكر من مفكري ما بعد البنيوية ذو نفوذ وهو «ميشيل فوكو» مغرم بصورة خصوصا باستعمال الاستعارات الجغرافية مثل: أرض، حقل، تربة، أفق، أرخبيل، الجغرافيا السياسية، إقليم، منظر طبيعي. كما انه يستعمل بغزارة الاستعارات المكانية مثل: موقع، إزاحة، حقل. كذلك «ألتوسير» في كتابه «قراءة رأس المال» يستعمل استعارات مكانية كثيرة: تضاريس، فضاء، موقع... الخ. ويقترح فوكو أنه ربما منذ «بيرجسون» حدث هبوط في قيمة المكان. لقد عومل المكان على أنه: الميت، الثابت، وحيد الجدلية، غير المتحرك. وعلى العكس من ذلك فإن الزمن عومل على أنه: الغنى، الخصوبة، الحياة، الجدل، ولكن أن تتحدث بألفاظ المكان لا يعني أن المرء معاد للزمن... مضيفا: أن ألتوسير كان يعتقد أن استعمال استعارات المكان في عمله كان ضروريا ولكنه في الوقت ذاته انكفائي/ تراجعي وغير رصين. أما فوكو من ناحية أخرى، فهو أكثر إيجابية إذ قال إنه من خلال الهواجس المكانية توصل إلى ما كان يبحث عنه «ألا وهو العلاقات المحتملة بين القوة (السلطة) والمعرفة». حالما يمكن تحليل المعرفة بألفاظ: الإقليم، الحقل، الزرع، الإزاحة، نقل الموضع... يستطيع المرء أن يمسك بالعملية التي بواسطتها تعمل المعرفة كشكل من القوة وتعمل على بث آثار القوة.

والآن وبعد مرور سنتين على حوادث سبتمبر/ أيلول، ألم يتحول هذا التاريخ الذي يحمل دلالة مكانية في الوقت نفسه إلى استعارة ماكرة، وعدد لا نهائي من المعاني، أسفرت عن تحديدات زمانية ومكانية قاطعة للشر والأشرار... في مقابل عدالة مطلقة وقيم ثابتة... هكذا يتحول هذا التاريخ، ويترسخ تحوله لا إلى حادث فحسب، بل إلى نسق فكري راسخ، وقيم مجتمعية ثابتة، وطرق تفكير حاسمة بين محورين أو فريقين. إنها استعارة أسفرت حتى الآن عن نتائج هائلة ومرعبة، ولقوتها ومكرها، هي مرشحة لأن تتصاعد.

العدد 370 - الأربعاء 10 سبتمبر 2003م الموافق 14 رجب 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً