العدد 4122 - الخميس 19 ديسمبر 2013م الموافق 16 صفر 1435هـ

موت مانديلا و«الأبارثايد» الجديد

شفيق الغبرا comments [at] alwasatnews.com

بموت نلسون مانديلا، ولد ثاني مبادئ المناضل الذي تخلى عن فكرة الانتقام لمصلحة التسامح، وذلك بهدف كسر حلقة الموت بين طرفين فصلتهما بحار من الصراع على الحقوق. أثبت مانديلا عبر كفاحه المرير الطويل ضد الأقلية البيضاء التي استأثرت بالسلطة والثروة في جنوب أفريقيا أن لا مستقبل لها بلا إلغاء لنظام الفصل العنصري المدمر، وأن لا سلام بلا عدالة ولا استقرار بلا حقوق لكل الناس. وفي النهاية، تيّقنت النخبة البيضاء السياسية والاقتصادية من أن الاستقرار والسلام يتطلبان تحولاً صادقاً وحقيقياً، فكان ذلك بداية نهاية نظام الفصل العنصري (الابارثايد) في العام 1994.

لكن ما عانى منه مانديلا يعاني منه غيره في مجتمعات شتى عربية وغير عربية. فالسطوة والسلطة والثروة وتداخلها مع الفساد وسعيها لممارسة فصل عنصري بين الناس في أوضاعهم اليومية ومستوى حقوقهم وطريقة انتقالهم ومضمون مساواتهم وتطلعاتهم وأحلامهم، وإنشاء جدران وهمية وحقيقية وقانونية لاتزال مستمرة بوتيرة تصاعدية. لم يعد «الابارثايد» المشتق من كلمة «الفصل» مسألة محلية خاصة بجنوب أفريقيا والسود والبيض، بل نجد أن «الابارثايد» جزء من واقع عالمي يزداد شراسة ضد الحقوق، وجوهره التمييز ضد الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.

إن انتصار مبادئ مانديلا شكلت خطوة جبارة، لكنها أولية في طريق طويل أمام إنسانية تعاني انتهاكات تزداد تفنناً بوسائل إخفاء جرائمها.

مانديلا ليس غاندي بالمعنى الدقيق للكلمة، فهو بالطبع مكافحٌ استخدم وسائل مختلفة منها الكفاح المسلح الذي ظل مؤمناً به طوال سنوات سجنه الـ 27 وذلك إلى حين بروز بوادر السلام والحل. وقد اعتبرت الولايات المتحدة حتى النهاية أن الجناح السياسي الذي أنشأه مانديلا (المؤتمر الوطني الأفريقي) منظمة إرهابية. لقد تغيّر مانديلا مع الوقت ليصبح أكثر تفهماً لمخاوف البيض وفئات أخرى من التغيير. بل الأصح أن مانديلا بدأ في كفاحه مستثنياً من تصوراته للحقوق والمساواة الأقليات الأخرى في جنوب أفريقيا، ليعود ثانيةً في مرحلة لاحقة ليؤمن بحق متساوٍ لكل من يقطن جنوب أفريقيا.

إن الحالة الكونية التي احتشدت لتأبين مانديلا وإحياء ذكرى نضاله حافلةٌ بالظلم والاستبداد ونشر الخوف بين الناس. الضعفاء في كل مكان مازالوا يئنون تحت وطأة التهميش والحرمان والفصل العنصري، فهناك فئات كاملة في أرياف العالم وأقاليمه، وفي صفوف النساء والرجال ممن يمثلون تماماً ما عبر عنه البوعزيزي عندما أحرق نفسه احتجاجاً على سوء المعاملة وغياب الفرص.

قصة البوعزيزي ليست استثناء في الكوكب، فهي تعكس وضعاً عالمياً من الفصل العنصري يعيش العرب في قلبه. فالعرب في هذه المرحلة التاريخية هم أكثر من يعاني التهميش المحلي والطبقي والفئوي وأيضاً العالمي والأجنبي والعنصري. هكذا في عالم عربي تنقصه الأنسنة في التعامل بين رجال الأمن ومعارضيهم؛ وتنقصه الأنسنة في تعامل السلطات السياسية والاقتصادية مع احتياجات المجتمعات؛ وتنقصه الأنسنة في التعامل مع العرب العابرين موانئ العالم ومطاراته، ماذا نتوقع غير ظواهر تشبه تلك التي فجّرها البوعزيزي؟

وكم امتلأت الحالة الكونية التي احتشدت لتأبين مانديلا بالتناقضات. فبعض من شاركوا في التأبين من شخصيات ورؤساء وقادة سابقين وحاليين ليسوا بعيدين من مظالم مارسوها ويكرّسونها حتى اللحظة. لهذا، بموت مانديلا المكافح لم تختفِ حالة نقص العدالة والحقوق في العالم. فميادين الثورات في العالم العربي وفي أوكرانيا وفي مدن الغرب مثل «إحتل وول ستريت» تحاكي بعضها بعضاً بلا انقطاع.

إن الأجيال الشابة المتأثرة بالتواصل الاجتماعي تعيش هموم الحرية والتعبير وإسقاط حالة الفصل بين الناس وحقوقهم. إذ تبدو المقاومة في هذا الزمن من التاريخ الإنساني قائمة في حركات المدونين والمغردين والميادين. فهذه الحركات تفَعِّل دور سلطة الرأي العام والرقابة المجتمعية الجديدة.

ويزداد هذا الوضع صعوبةً لأن الوضع المحلي والإقليمي في كل إقليم خصوصاً في بلادنا العربية مترابط بحالة كونية تسيطر عليها دولة كبرى وحيدة تعاني أزمات في الاقتصاد وأزمات نتيجة الحلول العسكرية التي اختارتها في العقد الماضي. الولايات المتحدة تسعى إلى إدامة السيطرة بوسائل مختلفة وتعيش حالة خوف وتضخيم مبالغ به من مخاطر، بعضها حقيقي وبعضها خيالي، كما لاتزال تعيش حالة تحالف مع إسرائيل في ظل سعي إسرائيل إلى مزيد من الاستيطان وقهر الشعب الفلسطيني.

الحالة الأميركية لم تكتشف بعد مدى الأثر المدمر الذي يعود عليها نتيجة تحالفها المفتوح مع إسرائيل التوسعية (يكفي تهويد الأقصى والقدس واستيطان الضفة وحصار غزة)، إنها تكسب غضب مئات الملايين من العرب والمسلمين ومحبي العدالة، وتساهم في خلق حالة فصل تزداد وضوحاً بينها وبين العالم الإسلامي. لهذا ليس غريباً في عالم كهذا أن تبرز ظاهرة سنودن و»ويكيليكس»، وأيضاً ظواهر مثل «القاعدة» وأخواتها وغيرها من المفاجآت المقبلة. وبمجرد وجود هذه «المفاجآت» وإن اختلفنا مع وسائل بعضها، يجب أن نتساءل عن طبيعة الأزمة الكونية التي تحوم حولنا.

يبدو جلياً أن الرأسمالية في العقد الماضي وهذا العقد فقدت جزءاً من القيم التي تحلّت بها بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب وجود منافسة أخلاقية واضحة مع الاتحاد السوفياتي والشيوعية الدولية والصين الشيوعية. لكن هذه المنافسة سقطت. لهذا فقد السياسيون في هذا الزمن بالتحديد الكثير من القيم التي ميزت سياسيي الزمن السابق. لهذا أصبحت سرقات الأرض والمال وممارسات التجسس على الإعلام، وسلوكيات التجسس على الحلفاء كما حصل مع الولايات المتحدة وألمانيا، سلوكيات شائعة. هناك تطبيع كبير مع الفساد وسعي لأخذ حقوق السكان والمواطنين في الأرض والهواء والثروات والبيئة لمصلحة نخب تسعى إلى تعميق الثروة على حساب كل شيء. أليس هذا أحد مكونات الأزمة الاقتصادية العالمية، بل أحد مسببات الثورات العربية التي سببها جشع النخب العربية التي تضامن معها واستفاد منها الرأسمال العالمي والدول الكبرى؟

لقد تبلور في السنوات القليلة الماضية التناقض الكبير حول «الابارثايد» الجديد الأكثر ذكاء، فالدول أصبحت أكثر مركزية وسيطرة، كما أن رأس المال يزداد تمركزاً بيد فئات صغيرة جداً في ظل انتشار الفساد وتراجع القيم. فماذا نسمّي الجدار في فلسطين وإسرائيل، وماذا نسمّي الجدار الذي أنشأته الولايات المتحدة على حدودها مع المكسيك والجدران الكثيرة التي تشيّد في زمن الانفتاح؟ فهل أصبح الصراع عالمياً إلى هذه الدرجة؟ في المقابل، تنتقل القدرة على التنظيم والاحتجاج والتعبير بصورة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني إلى قاع المجتمعات والطبقات والفئات المهمشة والشابة.

إن القوة المتمركزة في أعلى الهرم لم تعد تحتكر القوة والحقيقة وذلك بفضل وسائل التواصل والقدرة العالية للمجتمعات والأفراد والتيارات الجديدة على تنظيم حركات التغيير والاحتجاج والتأثير ثم الاختراق وصنع حقيقة مغايرة تختلف عن الحقيقة الرسمية. فعلى سبيل المثال هناك في العالم العربي ملايين المدوّنين والمغرّدين، وفي الصين وحدها 300 مليون مدوّن، وفي العالم العربي مئات الملايين ممن يملكون هاتفاً نقالاً يستطيع القيام بالكثير من الأعمال. هذه قوة صاعدة لن تنجح المركزية والتعسف وتحالف السلطات مع رأس المال في ظل تعميم قيم الفساد في الحد من تأثيرها.

لقد مات المناضل الذي أرسى قيماً كبيرة أمام البشرية، بينما البشرية على أعتاب عصر جديد وصدام مع «أبارثايد» محلي وإقليمي وعالمي من نمط أكثر ذكاءً من ذلك «الأبارثايد» الذي واجه مانديلا. مازالت المجتمعات خصوصاً العربية دون المقدرة على التحرر من الخوف (نيل الحرية) والحاجة (ضمانات العيش الكريم) وذلك بهدف تأمين الكرامة الإنسانية والتوصل إلى حالة الحقوق التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان. إن تعمّق الخوف بين الناس واستمرار الحاجة التي تؤدي إلى فقدان الكرامة الإنسانية هي أهم ما يؤثر في ميادين التغيير. إن المسئولية الأكبر في صراع الإنسان ضد الظلم و»الابارثايد» الجديد لمصلحة العدالة قد انتقلت من جنوب أفريقيا إلى ساحات العرب وميادينهم. ففي ظل شعارات (عيش - حرية - كرامة إنسانية) يجد العرب أنفسهم في قلب المرحلة الكونية والحقوقية الجديدة التي ستخلق أنماطاً من القيادة تحاكي تلك التي مثّلها مانديلا في عيشه ومماته.

إقرأ أيضا لـ "شفيق الغبرا"

العدد 4122 - الخميس 19 ديسمبر 2013م الموافق 16 صفر 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 2:39 ص

      صقت دكتور شفيق

      هذا هو حال بلداننا العربية اليوم. لق تحولت الدكتاتوريات الى انظمة تمييز عنصري.

    • زائر 2 | 2:34 ص

      مقال في الصميم

      هذا هو واقع الحال في الكثير من بلاننا العربية

    • زائر 1 | 1:53 ص

      نهب ثروات الشعوب وصرفها على الملذات الشخصية !

      لقد تبلور في السنوات القليلة الماضية التناقض الكبير حول «الابارثايد» الجديد الأكثر ذكاء، فالدول أصبحت أكثر مركزية وسيطرة، كما أن رأس المال يزداد تمركزاً بيد فئات صغيرة جداً في ظل انتشار الفساد وتراجع القيم

اقرأ ايضاً