العدد 4472 - الخميس 04 ديسمبر 2014م الموافق 11 صفر 1436هـ

استقلالية القضاء في بلاد العرب

علي محمد فخرو comments [at] alwasatnews.com

مفكر بحريني

إبَان الثورة الفرنسية سمع الناس الصرخة الشهيرة: أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك. في اللحظة التاريخية الحالية لبلاد العرب علينا أن نصرخ: كم من الجرائم ترتكب باسم استقلالية القضاء.

أيَّة مبادئ وثوابت لاستقلالية القضاء العربي، عبر طول وعرض بلاد العرب، وقضاته يصدرون أشدّ وأقسى الأحكام بحقّ المناضلين السياسيين، ومن بينهم شباب وأطفال صغار، حتّى إذا واجهوا أصحاب سلطة الأمس واليوم من الفاسدين الناهبين المستبدّين اكتفوا بإصدار أكثر الأحكام ليونةً ورفقاً وتسامحاً؟

رحم الله أحد قضاة المحكمة الأميركية العليا، القاضي ثركود مارشال، الذي قال «إننا، نحن القضاة، يجب أن لا ننسى قط بأن المصدر الحقيقي لقوّتنا هو احترام الشعب والناس لنا».

دعونا ننظر للموضوع ضمن معطيات الواقع العربي. إن الإنسان العربي، خصوصاً المهمّش الفقير الضعيف، لا يستطيع الاعتماد لحماية حقوقه وكرامته ورزقه على السلطة التشريعية، لأنها ليست معنيّةً برضاه طالما أن تكوينها وانتخابها والخيرات التي ترفل فيها تعتمد على غيره. وهو لا يستطيع الاعتماد على السلطة التنفيذية لأنّ أغلبها لا يخضع للمساءلة ولا للعقاب. وهو لا يستطيع الإرتكان إلى السلطة الإعلامية، بشتى أشكالها، لأنها في أغلبها ملكٌ لأصحاب السلطة والمال والإمتيازات، ولأنّها مقيّدة بألف قانون وألف ممنوع.

ما الذي يبقى لهذا الإنسان غير الاعتماد على إمّا سلطة القضاء النزيهة المطبّقة لروح العدالة قبل منطوقها، وإمّا مؤسسات مجتمعه المدني؟

لكن مجتمعه المدني في غالب الأحوال مغلوبٌ على أمره، بعد أن ابتلعته سلطة الدولة العربية في جوفها، وبالتالي يعيش حالة القادر العاجز. لا يبقى أمامه غير سلطة القضاء، وهي الآن مهدّدة بالاختراق بألف صورة وصورة.

مراجعة أدبيات الديمقراطية تظهر أنه في البلدان الديمقراطية، تعتمد استقلالية القضاء على وجود سلطات ديمقراطية تسائله وتحميه وتحاسبه. ولذلك فإن بعض منظّري الديمقراطية لا يضعون القضاء المستقل حتى ضمن متطلبات الديمقراطية لاطمئنانهم بأن ذلك سيكون تحصيل حاصل في وجود دولة تقوم على فاعلية مؤسسات ديمقراطية. أما عندنا، في بلاد العرب، فإن غياب المؤسسات الديمقراطية المتوازنة الفاعلة المستقلّة يجعل من أهمية وجود القضاء المستقل النزيه حاجةً مجتمعية وجودية.

في العصر الحديث عندما يذكر القضاء يشترط توفُّر الشروط الثلاثة التالية:

أولاً: الاستقلالية التي يقصد بها في الأساس عدم الخضوع لأية سلطة أخرى، وعلى الأخص السلطتين التشريعية والتنفيذية. لكن هذه الاستقلالية ستكون مهدّدة إذا كان تعيين القضاة وترقيتهم، وإذا كانت منهجية إصدار الأحكام القضائية، في يد سلطة خارج سلطة القضاة.

ثانياً: إمكانية حق «التشريع القضائي»، هذا موضوع معقد ويحتاج إلى قضاة لديهم القدرة على استخلاص «قوانينهم» من روح القوانين ومقاصدها الكبرى، بما فيها الدساتير، التي صدرت من آخرين. هنا تأتي حنكة القاضي والتزاماته الأخلاقية ونقاوة ضميره ومدى حرصه على مصلحة المواطن قبل أيّة مصلحة أخرى.

ثالثاً: الطبقة التي ينتمي إليها القاضي. هذا الشرط يرتبط بالاعتقاد بأن متطلبات مصالح الطبقة، التي ينتمي لها القاضي ستؤثّر بصورةٍ غير مباشرة، على نوع الأحكام التي سيصدرها بسبب تأثيرها على نوع وعمق وعدالة قراءته للقوانين التي يستعملها لإصدار أحكامه. هل لدينا شكوكٌ بشأن التأثيرات الهائلة التي فرضتها وستفرضها الظروف المحيطة بالقاضي على أحكامه؟ الجواب موجود في تاريخ العلاقة بين مؤسسات القضاء وخلافة الحكم العربية الإسلامية عبر القرون الماضية، وفي مشاهد صدور أحكام على مئات الأشخاص من قبل محكمة واحدة وفي يوم واحد، والتي حيّرت المواطن العربي وهزّت إيمانه واحترامه لهذه الجهة أو تلك.

لا الحياة السياسية الرّاكدة حلّت موضوع العدالة في حياة العربي المنهك المغلوب على أمره، ولا الحياة السياسية الثورية قدرت على ذلك.

هذه أمّة في محنة، ووسائل خروجها من محنها وجحيم حياتها تراوح بين تأتي ولا تأتي. إنه انتظار ممل حزين.

إقرأ أيضا لـ "علي محمد فخرو"

العدد 4472 - الخميس 04 ديسمبر 2014م الموافق 11 صفر 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 8 | 1:47 م

      القضاة على دين ملوكهم

      عندما يحترم الحكام القضاة و يجعلون القانون فوق الأهواء و الأشخاص فإن ثقافة العدل تصبح هي السائدة. لا شك أن الكثير من القضاة في الدول الديمقراطية لهم أهوائهم و لكن البيئة تخلق نزاهة القاضي و ليس نبل و استقلالية شخصيته فقط. د. علي الفرج

    • زائر 7 | 4:16 ص

      القضاء

      القضاء عند العرب غير مستقل بل هناك سيطرة على احكامه و تأتي الاحكام معلبة يتلوها القاضي بلا ضمير و لا انسانية

    • زائر 6 | 2:11 ص

      من المستقل يا دكتور؟ هو فيه أصلا مستقل؟

      في الوطن العربي: امستقل هو الذي لا يأخذ رواتبه من الدولة. فإذا كان الوزير مستقلا فإن القاضي مستقل.
      لكن حتى ال ................"المحايدة" غير مستقلة ، لأنها تأخذ رواتبها من وزارة الخارجية البريطانية!

    • زائر 5 | 1:38 ص

      القضاء وما أدراكم ما هو القضاء في البحرين !!!

      قاضيان في النار وقاضي في الجنة !!!

    • زائر 4 | 10:59 م

      كيف يستقلّ القضاء والسيادة ليغر الشعوب

      سيادة الأوطان العربية كلها يتحكم فيها افراد قلائل يتلاعبون بمصير امم كاملة فكيف تريد في ظل وضع كهذا ان يستقلّ قضاء او تكون هناك سلطة تنافس الحكم فيما يريد

    • زائر 3 | 10:57 م

      كيف يستقل القضاء في ظل تفشي الظلم الفاحش للانظمة

      يستحيل ان تقبل الانظمة العربية باستقلال القضاء والأنظمة في غالبيتها هي افسد وأظلم الناس. كيف يكون القضاء مستقلا ولا يوجد نظام واحد يختاره الشعب

    • زائر 2 | 10:30 م

      القضاء عندنا

      كلام متنفذ القانون لايطالنا ولايطالكم.

    • زائر 1 | 8:57 م

      في بلاد العرب حتى الشرطي ابو خيط يمارس دور القاضي

      القضاء في العالم كله يخضع لمؤثرات و لكن درجة التأثر و متى تتباين و احيانا يصل لمسافات فلكية بين بلاد احترام حقوق الانسان و بلاد احتراب حقوق الانسان ففي بريطانيا اطلاق سراح ضابط المخابرات الليبي المصاب بالسرطان لاا تخلو من تأثير سياسي وكذلك صفقة اليمامة ولكن في القضايا الاخرى التي ليست استراتيجية الأثر على الدولة تكون الاحكام مستقلة اما بلاد العرب حتى شرطي ابو خيط يمكن ان يكون قاضي و منفذ للحكم

اقرأ ايضاً