العدد 4479 - الخميس 11 ديسمبر 2014م الموافق 18 صفر 1436هـ

في التقارب الروسي التركي

يوسف مكي comments [at] alwasatnews.com

كاتب سعودي

شهدت العلاقة بين روسيا وتركيا، في الأيام الأخيرة تحولاً كبيراً. فقد قام فلاديمير بوتين بزيارة إلى تركيا، وأجرى محادثات مكثفة، مع رجب طيب أردوغان، تناولت جملة من القضايا السياسية، وتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وانتهت الزيارة بنتائج باهرة، على الصعيد الاقتصادي.

التزم الرئيس بوتين بتصدير الغاز إلى تركيا، بسعر مخفض حدّد بـ 7 %، عن سعر السوق. والتزم ببناء مفاعلات نووية في تركيا، ورفع التبادل التجاري بين البلدين. ووافقت تركيا، على مد أنبوب غاز روسي يمر في أراضيها، عبر البحر الأسود إلى الدول الأوروبية، وبطاقة سنوية تقدر بـ 63 مليار متر مكعب، بينها 14 مليار متر مكعب ستذهب إلى تركيا لتكون بديلاًً عن أوكرانيا.

سيكون من الصعب الحديث عن الحاضر التركي، من غير ربط ذلك بالسعي الدؤوب للحكومات التركية السابقة، للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والذي اصطدم باستمرار، بمعوقات كبيرة، من قبل الأوروبيين، تحت ذريعة عدم التزام الجانب التركي بمعايير حقوق الإنسان.

غالبت السلطات التركية كثيراً، التوجه نحو البلدان العربية. وسكن في يقينها أن العرب، الذين يشتركون معها في ديانة واحدة، غدروا بها في الحرب العالمية الأولى، وانضموا مع الحلفاء في الحرب ضد السلطنة العثمانية، في حين كان الأولى بهم أن يقفوا إلى جانبها.

قبلت تركيا بالهزيمة، واندفعت نحو الغرب، وكان مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، قد بدأ التوجه بقوة نحو الغرب، استبدل الحروف العربية باللاتينية. وألحق بلاده على أكثر من صعيد، بالمنتصرين، وبقي الالتحاق بالغرب، حلماً يراود الأتراك قرابة قرن من الزمن.

بالنسبة لروسيا، لم تكن على وفاقٍ مع الأتراك، فتركيا عضو في حلف الناتو، وحجر أساس في استراتيجية التطويق العسكري الغربي لها، حيث كانت عضواً فاعلاً، في حلف بغداد، وحلف المعاهدة المركزية، وقد أسست هذه الأحلاف أثناء الحرب الباردة، ضد الاتحاد السوفياتي.

بسقوط الاتحاد السوفياتي، توجهت روسيا نحو الاقتصاد الحر، وتحوّلت علاقتها بالغرب من الصدام إلى الشراكة. فجرى تعاون مشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية، ومجال الفضاء. واتجهت روسيا نحو تعزيز علاقاتها بخصومها السابقين، ومن ضمنهم تركيا.

ومرّت روسيا، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، بمرحلة صعبة، فلم يكن سهلاً الانتقال من نظام سياسي واقتصادي، إلى نظام آخر، من غير تكاليف. لقد بهت دورها الإقليمي، وتعطل حضورها في المسرح الدولي. ويمكن القول إن انبعاثها الجديد، يعود لقيادة الرئيس الحالي بوتين.

لكن التعافي السريع لروسيا بوتين، تزامن مع طموحات باستعادة دورها الإقليمي والدولي. فكان تدخلها في جمهورية جورجيا، ومؤخراً في أوكرانيا، واستعادة شبه جزيرة القرم، وتحالفها مع الصين، واستخدامها المتكرر لحق النقض (الفيتو)، في مجلس الأمن الدولي.

لقد جدّد ذلك أجواء الحرب الباردة، وأدى إلى فرض عقوبات اقتصادية حادة على روسيا. وكان من نتيجة ذلك، أن الحكومة الروسية، بقيادة بوتين، بدأت في البحث عن مخارج لأزمتها الاقتصادية.

لقد بدأت روسيا الاتحادية، بالتوجه بصادراتها نحو الشرق. وتأتي زيارة بوتين إلى تركيا، في سياق سعيه لإيجاد متعاملين جدد مع بلاده، في مجال استيراد الغاز والنفط. والعمل على الفكاك من الحصار الاقتصادي الذي فرض مؤخراً على بلاده.

من جهة أخرى، توجّهت تركيا مضطرةً إلى الجنوب، تحت ضغط رفض الاتحاد الأوروبي قبول عضويتها. وحين وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة، طرحت حكومة أردوغان شعار “صفر مشكلات”. وعزّزت علاقتها بالحكومة السورية. وتبنت مواقف مناصرة للقضية الفلسطينية، فأرسلت السفينة التركية “مرمرة”، محملةً بالأدوية والأغذية، إلى قطاع غزة، كتعبير عن رفضها للحصار المفروض على القطاع. لكن البحرية الإسرائيلية اعترضتها في البحر، قريباً من الشواطئ الفلسطينية، وقامت بضربها، وقتل عدد من ركابها الأتراك.

لكن الصورة تغيّرت فجأةً، بعد حدوث “الربيع العربي”. فقد اتخذت تركيا مواقف مؤيدةً للإخوان المسلمين. ساد إحساس لدى أردوغان بأن العثمانية تبعث من جديد، فوقف مؤيداً لثورات تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن، وأتبع ذلك بالتدخل المباشر في السياسات الداخلية للدول العربية.

وبالنسبة لسورية، احتضن أردوغان مختلف قوى المعارضة، بما في ذلك تنظيم “داعش”. وبدأ يتحدث عن تبعية مدينة حلب وريفها للأتراك. وكان الموقف الروسي قد حال بينه وبين أحلامه. عوّل كثيراً على الأميركيين ودول الاتحاد الأوروبي للتدخل العسكري، كما حدث في ليبيا، لكنهم خيبوا أمله في تحقيق ذلك.

وحين أعلنت الإدارة الأميركية الحرب على الإرهاب، وقف ضدها، واقترح بدلاً عن ذلك إقامة دولة إسلامية بقيادة “داعش” على محافظة الأنبار ونينوى والجزء الشرقي من سورية، والعمل عسكرياً ضد الحكم في سورية. وحين لم يستجب لمقترحاته، اقترح تشكيل منطقة عازلة في الشمال السوري، على الحدود مع بلاده. ومرةً أخرى واجه اقتراحه الخذلان.

ومن هنا يأتي اقترابه من روسيا بوتين، كتعبيرٍ عن امتعاض من سياسة أميركا والدول الأوروبية. إنه يلتقي مع روسيا، في رفضها الحرب العالمية التي تشن على الإرهاب بقيادة أميركية، كلٌّ لأسبابه الخاصة. فروسيا تريدها ضمن قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي، وتخشى أن تؤدي نتائجها لإسقاط النظام القائم في سورية، بينما تعارضها تركيا لأنها تخشى من تكريس وجوده.

سيتواصل التقارب الاقتصادي بين البلدين، وربما يتطوّر لاحقاً إلى تشكيل مجمع روسي للغاز في تركيا، على الحدود اليونانية، كما أشار بوتين في مؤتمره الصحافي، لكنه لن يتسبب بأي تغيير في طبيعة تحالف تركيا مع الغرب. وسيعمل الطرفان، على تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، ليشمل مجالات أخرى.

وفيما يتعلق بالأزمة السورية، فإن الطرفين أكّدا اختلاف مواقفهما حول سبل حل الأزمة. ورغم ذلك، فإن من المستبعد ألا يؤثر تطور العلاقات، في الموقف التركي، تجاه هذه الأزمة.

روسيا وتركيا، تعانيان عزلةً دوليةً خانقة، وعجزاً في ميزان المدفوعات، ولعل هذا التقارب هو الخطوة الأولى على طريق الألف ميل لفكّ هذه العزلة، وتحسين أوضاعهما الاقتصادية.

إقرأ أيضا لـ "يوسف مكي "

العدد 4479 - الخميس 11 ديسمبر 2014م الموافق 18 صفر 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً