العدد 4539 - الإثنين 09 فبراير 2015م الموافق 19 ربيع الثاني 1436هـ

الوطن العربي والإسلامي... ووثيقة كامبل!

سلمان سالم comments [at] alwasatnews.com

نائب برلماني سابق عن كتلة الوفاق

قبل أكثر من أربعين سنة قرأنا الكثير من الدراسات والبحوث عن المخططات والمشاريع الاستعمارية التي تركز على تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات صغيرة تعتمد في تأسيسها على الأسس العرقية أو الطائفية أو المذهبية. وبينت الدراسات أن سبع دول غربية تتزعمها بريطانيا، وقعت في 1907 على «وثيقة كامبل» الشهيرة، لإضعاف الدول العربية التي تمتلك المقومات الاقتصادية والبشرية الكبيرة، حتى لا تتمكن من تطوير نفسها ولا تحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف المجالات، من خلال حرمانها من السبل التقنية والتكنولوجية الحديثة، التي تساعدها على تحقيق تطورات نوعية لأوطانها ولشعوبها، تمهيداً لتفتيتها جغرافياً وسياسياً واجتماعياً، وجعلها دولاً مبعثرة وغير متجانسة في أهدافها السياسية، ومتناحرة طائفياً وعرقياً في داخلها، لكي لا تقوم لها قائمة، وتكون منزوعة الأثر السياسي في المنظمات الدولية.

لقد وجدت الدول الغربية أمام وطن عربي كبير، يمتد من الخليج إلى المحيط، يتحكم بكل المنافذ البحرية المهمة في العالم (مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق جبل طارق) ويمتاز بوحدة اللسان والمعتقد والأهداف، مع تشابه كبير بين دوله في العادات والتقاليد والحضارة، وتمتلك مقومات النهضة التي تمكنها لو توحدت أن تخطو خطوات نوعية في الحياة، وتحقق تنمية شاملة في مختلف الأصعدة. ورأت أن كل المميزات الإيجابية التي يتمتع بها العالم العربي قد تشكل عائقاً أمام تحقيق أهدافها الاستعمارية، فلم تجد سبيلاً لفصل المشرق العربي عن مغربه إلا بزرع جسم غريب في قلب الوطن العربي، لا يلتقي من قريب ولا من بعيد مع حضارة ومعتقدات وتقاليد الشعوب العربية والإسلامية. وأعلنت عن قيام دولة «إسرائيل» في الخامس عشر من مايو/ آيار 1948، لكي تكون مناصرة لأهدافها السياسية والاستعمارية في المنطقة.

بعد أكثر من 67 عاماً، استطاعت الدول الموقعة على الوثيقة وبمساندة من الكيان الصهيوني، اصطناع أوهام وخزعبلات واهية، وإحداث خصومات ومنازعات عنيفة بين الطوائف والمذاهب في الوطن العربي. فقد عملت جاهدةً على إبعاد الشعوب العربية والإسلامية عن بعضها البعض، نفسياً وروحيا ووطنياً وجغرافياً، لتحقيق أهدافها الخبيثة، وبذلت جهوداً كبيرة جداً ورصدت ميزانيات ضخمة، لتتمكن من جر شعوب المنطقة إلى فتن طائفية ومذهبية دامية، يروح ضحيتها أعداد هائلة من الأبرياء، رجالاً وشباباً وشيوخاً ونساء وأطفالاً. وقد قامت بتأسيس إذاعات وقنوات فضائية مذهبية تحت مسميات إسلامية، تؤجج الفتنة المذهبية بين الشعوب، بعبارات وكلمات وخطابات استفزازية ساقطة، بعيدة عن أبسط القيم الأخلاقية والإنسانية، ومنافية كلياً للتعاليم الإسلامية الراقية، وقبل كل هذا وذاك قامت بصناعة شخصيات من مختلف المذاهب والطوائف ليقوموا بهذه الأدوار المشينة ضد أبناء جلدتهم. وما يحدث في وطننا العربي والإسلامي ليس وليد اللحظة كما يتصوّر البعض، فمن قرأ بنود وثيقة «كامبل» يجد أن مخطط تدمير العالم العربي والإسلامي بدأ قبل 108 أعوام. وفي مختلف المراحل تبرز شخصيات إسلامية لها آراء فقهية وعقائدية تخالف في مجملها وتفاصيلها آراء فقهاء المذهب الإسلامية المعتبرة، ما جعل الجدال يحتدم في الشارع، الذي تحوّل بعد ذلك إلى مواجهات مذهبية عنيفة راح ضحيتها مئات الألوف من العرب والمسلمين، وأصبح العالم العربي والإسلامي مشتغلاً بالخلافات المذهبية المصطنعة، التي لا يستفيد منها إلا الكيان الصهيوني الذي زرع في قلب الوطن العربي ليحقق أهداف وثيقة كامبل البغيضة.

إن كل الأحداث الأمنية والاجتماعية والاعتداءات على الحضارة الإنسانية التي نجدها تعصف بدولنا العربية، كانت من ضمن المخطط الرهيب الذي يركز على تدمير حضارة الإنسان العربي بشعارات ونداءات إسلامية، وأصبح من الصعب على البسطاء في منطقتنا التمييز بين الدعوات التي يروّج لها في أوساطهم، خصوصاً أن جميعها تصطبغ بالصبغة الإسلامية. وقد تمكنت القوى المعادية للإسلام وفي مقدمتها الكيان الصهيوني الغاصب للقدس، أن تنتقم بقسوة من الشعوب العربية والإسلامية، وتحويل دولها إلى ساحات حرب ضروس ذهب فيها مئات الألوف من القتلى والمفقودين والمجروحين والمعاقين، وأحرقت الأخضر واليابس، وشرّدت ملايين البشر من ديارهم، ولوثت البيئة بالغازات الكيماوية، وأوجدت الأمراض الخطيرة المميتة، وأنستهم قضيتهم الأساسية، تحرير الأراضي الفلسطينية والقدس الشريف، ولم تعد «إسرائيل» العدو المشترك لكل العرب والمسلمين، وبذلك حقّق أهدافه البغيضة من دون أن يضحي بأي عنصر من عناصره وجنوده.

إن كل ما نراه الآن في وطننا العربي هو نتاج عمل دام أكثر من قرن للدول الموقعة على وثيقة «كامبل»، فلو حصّنت الدول العربية وشعوبها وضعها الداخلي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وإنسانياً ومعيشياً، لما استطاعت بنود وثيقة كامبل المدمرة أن تتغلغل في أوساطها بهذه الصورة المخيفة. وقولنا «لو» الآن لا تنفع ولا تنهي الأزمات الخطيرة، وما ينفع فعلاً هو العمل الجاد والانفتاح المباشر بين الحكومات والشعوب للوصول إلى توافق سياسي واقعي بينها، تستطيع من خلاله إنقاذ بلدانها من خطر الغول القادم، ومن الدمار الذي فاق كل التوقعات، وإصلاح البوصلة التي انحرفت عن اتجاهها الحقيقي، وتوجيهها إلى جهة المسجد الأقصى الشريف.

إقرأ أيضا لـ "سلمان سالم"

العدد 4539 - الإثنين 09 فبراير 2015م الموافق 19 ربيع الثاني 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 11:28 م

      اسرائيل

      هناك عدوان أساسيان للوطن العربي اسرائيل و إيران فكلاهما عدو للعروبة و الاسلام العربي المحمدي الأصيل

اقرأ ايضاً