العدد 5000 - الأحد 15 مايو 2016م الموافق 08 شعبان 1437هـ

الجذور التاريخية لليهود في إيران (1 – 2)

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

اليهود وإيران. علاقة حَشَرتها السياسة في فروها، فلم يعد يُرى منها غير الخصومة. فالخلط الذي جرى ما بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية استعمارية، أو اليهود كأتباع ديانة وإسرائيل كدولة جدلية أقِيمَت عنوة مكان شعب أعزل، جعل العلاقة بين إيران واليهود تنطوي على كثير من الضبابية، حتى صارت حائرة ومُحيِّرة لغيرها بل وحتى لأصحابها الذين غطتهم سماء الخصومة تلك، فأصبحوا يضربون فيها وتحتها بما يخالف الجذور التاريخية التي كانت تحكم تلك العلاقة، والإجابة عن أسئلتها الصلبة: هل في إيران يهود؟ كم أعدادهم؟ وما هي جذورهم؟ وهل هم إسرائيليون وصهاينة؟ وما هي علاقتهم بالنظام السياسي الحاكم في إيران، وهل هي جيدة أم متوترة؟

في هذا المقال أحاول الإجابة على هذه التساؤلات، من خلال الرجوع إلى أمَّهات الكتب والدراسات الحديثة لتفكيك ووصف علاقة اليهود بإيران. ومن ذلك المنطلق أقول إنه وفي هذه المنطقة من العالم، ظهرت الديانات السماوية الرئيسة: اليهودية والمسيحية والإسلام. ولو تمدَّدنا قليلاً إلى الشرق، سنرى معها الديانات الأرضية بالسَّواء: الزرادشتية والبوذية والهندوسية وغيرها. وقد يكتشف المرء، أن الترابط التاريخي للأحداث يجعل المكان أكثر قرباً من بعضه، حتى مع استعارة الوقائع الجديدة، حيث يفرض التاريخ فروضه التي تؤثر على اجتماع الناس وثقافتهم. ومن بين تلك الديانات هي اليهودية ومَواطِنها.

وقد تعدَّدت أماكن تواجد هذه الديانة، ما بين شبه الجزيرة العربية ومصر والشام والعراق، لكن لم يُكتَب كثيرٌ عن موطنها في بلاد فارس. وإذا ما أردنا أن نعرف أهمية ذلك، يجب أن نفهم طبيعة ذلك الموطن، المرتبط أساساً بوجود دولة إمبراطورية منذ القِدَم، استطاعت الديانات من خلالها أن تقيم أودها، وتتمدَّد وتتحالف في سبيل مصالحها، والأهم أن تتجذَّر اجتماعياً وثقافياً في أرضها. وهو ما فعلته اليهودية في إيران، وهو سبب بقائها طوال هذه القرون وحتى هذه اللحظة التي نكتب فيها.

الجذور التاريخية: أغلب الدراسات التي كتبت عن يهود فارس تشير بدايةً إلى علاقة اليهود بحقبة الملك كُوْرَش الذي عاش في الفترة من 560 – 529 ق.م. ويذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير أن اليهود وبعد أن عاشوا اثنتين وأربعين سنة في أسر البابليين، جاء الملك الفارسي كُوْرَش فحارب البابليين وهزمهم، وأذِن َ لليهود في سنة 530 أن يرجعوا إلى أورشليم، بعد أن أخرجهم منها الملك الكلداني نبوخذ نصر.

أيضاً ترتبط المقدسات اليهودية في أرض فارس بمعالم تخص أنبياء من بني إسرائيل، وبالتحديد في منطقة تويسركان في همدان حيث قبر النبي‌ حبقوق‌ (الذي نبّأهم بأن الله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران كما في سفر حبقوق الإصحاح الثالث) وبنيامين ابن يعقوب.

وأورد الحِمْيَري في الروض المعطار حول معنى كور أصبهان (هكذا تكتبها بعض المصادر التاريخية) من أنها «أكثر البلاد يهوداً»، ثم يذكر ما جاء في الخبر من أن الدجّال يتبعه «أكثر من أربعين ألفاً عليهم الطيالسة» وهو لفظ يشير إلى هيئة وأسمال نُعِتَ به يهود خيبر كما في الكامل في ضعفاء الرجال، وخصّ ذلك كتاب المواهب اللدنية ومنتهى السؤال وتاريخ مدينة دمشق وغيرها من المصادر.

وقد ذكر ابن خلدون شيئاً عن تلك التحالفات التي جرت بين اليهود ودولة الفُرْس في فترات تالية أيام أنطيانوس لقتال الروم. وجاء في تاريخ الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق أنه وعندما وصل الاحتلال الفارسي إلى مصر تزايدت أعداد «اليهود في معسكرات أسوان على الحدود الجنوبية». كما تعاضد اليهود مع الفُرْس في ترتيبات الواقع الجديد ولذلك التمدُّد. وفي هذا مدخل ديني كما أشارت المصادر التاريخية.

فقد اعتبر اليهود في فلسطين الملك الفارسي كُوْرَش هو المسيح المنتظر الذي أعادهم إلى ديارهم بعد النفي القسري. وقد تماهى يهود مصر في ذات التفسير الديني والذي يعود تاريخه إلى القرن الخامس ق. م حين اعتبروا نجل كُوْرَش المسمّى بقمبيز، ناصراً لهم حين صان المعبد اليهودي في جزيرة آبو، على رغم تدميره لمعابد آلهة المصريين القدماء. ولم يُرَ في المصادر أن معبد يهود الفنتين للإله يهوه قد تمّ التعرض له.

وذكر سهيل طقوش ذات الأمر مع يهود الشام الذين كانوا في عِداء مع الحكم البيزنطي، نظراً لما كان يقوم به هرقل ضدهم حين حرمهم من العيش في بيت المقدس. كما أنهم سلَّموا وتعاونوا مع الأرمن، والنساطرة لتسليم المنطقة إلى الفُرْس. وبالمناسبة فإنهم استثمروا ذات الشيء مع المسلمين حين كان صراعهم مع البيزنطيين. ولكن في نفس الوقت يذكر محمد بيومى مهران في دراسته عن تاريخ العرب القديم إشكالية معقولة هنا وهي أن يهود يثرب عندما خرجوا منها بعد دخول النبي محمد (ص) إليها توجّهوا إلى الشام، ولم يذهبوا إلى العراق، حيث كانت السيادة فيه إلى الدولة الفارسية وبها جاليات يهودية، وبالتالي فإن الحديث عن العلاقة المتوترة بينهم وبين الغساسنة أو الروم غير دقيقة أو على الأقل أن المسألة فيها نظر، لكن وفي نفس الوقت فإن وجود جاليات يهودية كبيرة في العراق وفي كنف الدولة الفارسية يدل على علاقاتهم الحسنة بها.

وقد ذكر الخالدي في القران ونقض مطاعن الرهبان أن اليهود لم يكونوا فقط متحالفين مع الحكم الفارسي بل إنهم تغلغلوا فيه خلال حقبة الملك أَحشويرش، حين انتصروا على وزير الملك بتزويجهم أَستيرَ مردخاري له، وتعطيلهم الأوامر الملكية الصادرة ضد اليهود في مملكة فارس. (يتبع).

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 5000 - الأحد 15 مايو 2016م الموافق 08 شعبان 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 12:57 م

      نعم للتاريخ نعم للخقيقه

      ابوعبدالله مقال تاريخي بامتياز شكرالهذه العقليه الفذه

    • زائر 5 | 12:12 م

      مقال جيد عن اليهود فى التاريخ القديم واماكن نواجدهم..ولكن كم منهم بقي فى ايران والعراق .

    • زائر 4 | 6:53 ص

      شكرا
      مقالاتك ثرية

    • زائر 3 | 3:35 ص

      حريص كل الحرص على متابعة مقالاتك لانها دائما تزيد من معلوماتي ومعرفتي

    • زائر 2 | 2:03 ص

      سؤال استاذي الكريم هل يهود ايران كلهم من اور شليم مهجرين اوهم من اصول فارسيه اعتنقوا الديانه اليهوديه

    • زائر 1 | 1:05 ص

      Great Mohammad

اقرأ ايضاً