العدد 5103 - الجمعة 26 أغسطس 2016م الموافق 23 ذي القعدة 1437هـ

الفرنسيون والإيرانيون والاعتزاز القومي باللغة

رضي السماك

كاتب بحريني

باريس هي مدينة الأنوار بالمعنى السياسي، حيث كانت مهد اندلاع أعظم ثورات تاريخنا الانساني الحديث، ووريثة الإشعاع الفكري في تطور مبادئها وقيمها في العدالة والحرية والمساواة، لتعم ثقافات شعوب العالم المعاصرة المتحضرة التواقة للحرية، لكن بالرغم من ذلك فإن الفرنسيين هم أنفسهم مازالوا من أكثر شعوب العالم اعتزازاً بلغتهم القومية إلى درجة مرَضية. شخصياً، قرأت وسمعت كثيراً عن هذا الطبع الذي تطبّع به الفرنسيون، بل قُيّض لي أن أعاين ذلك خلال زيارة عابرة لباريس لمدة 3 أيام صيف سنة 1980، إثر عودتي مع زميلين بحرينيين من المشاركة في مؤتمر علمي بمدينة طنجة المغربية، فقد واجهنا صعوبات جمة في طريقة التعامل مع الفرنسيين؛ لتعذر عثورنا خلال الأيام الثلاثة التي قضيناها فيها على فرنسي واحد يقبل التحدث معنا بالإنجليزية كلغة وسيطة، وظلت لغة الإشارات هي وسيلتنا الوحيدة. صحيح ان بعضهم ربما لا يلم بالإنجليزية بالفعل كما بدا لنا، إلا ان الإحساس راودنا بما لا يقبل أي مجال للشك بإلمام الكثير منهم بها أو بقليل من مفرداتها، وتعمدهم تجاهلنا والظهور بعدم معرفتهم التحدث بها.

ومع ذلك فقد انتابني قدر من الظنون بأن ثمة نسبة على الأقل من المبالغة في الكلام عن تعصبهم المفرط للغتهم، حتى قرأت عن مسرحية فرنسية بعنوان «كيف تصبح باريسياً خلال ساعة واحدة؟»، تعرض الآن على أحد مسارح باريس مقتصرة على دور ممثل واحد فقط ألا هو الممثل الفرنسي أولييفييه جيرو، حيث يؤدي فيها دور البطولة بمفرده ويسخر خلالها من مسلكيات وطبائع الباريسيين المتعالية على سياح عاصمة بلاده، ومن بينها تعصبهم للغتهم الفرنسية وتعمدهم التظاهر بعدم معرفة الانجليزية عند اختلاط السياح بهم وتعاملهم في حاجياتهم اليومية معهم.

تعصب الفرنسيين المرضي للغتهم الذي أكدته هذه المسرحية والتي تعرض منذ 3 سنوات، وحظيت بإعجاب وإقبال منقطع النظير من الفرنسيين والمقيمين والسياح على السواء، ذكّرني بموقف شبيه عاينته قبل أيام قليلة أيضاً إثر متابعتي حوارا سياسيا مطوّلا أجرته «قناة RT» الروسية الناطقة بالعربية مع وزير الدفاع الايراني السابق وأمين المجلس القومي الايراني حالياً الأدميرال علي شمخاني، فمع ان شمخاني، كما هو معروف تنحدر أصوله من عائلة عربية تقطن منطقة «الأحواز» إلا أنه شاء طوال المقابلة، كمتحدث باسم حكومة بلاده، أن يتحدث بالفارسية التي يجيدها بطلاقة باعتبارها اللغة الرسمية لدولته، ومع اني كنت أعلم مقدماً بأنه يجيد العربية، لغة أهله وقومه الأصلية، إلا انني افترضتُ بأن إجادته التحدث بها ربما ضعيفة بحكم تثقفه الطويل باللغة الفارسية، لكن اتضح لي في نهاية المقابلة ان افتراضي ليس صحيحاً، فقد شاء في آخر دقيقتين أو ثلاث دقائق من المقابلة ان يختم حديثه، ربما من باب أدب المجاملة لمشاهدين القناة العرب، بالتحدث بالعربية بل وبلسان عربي مُبين مُدهش.

معلوم أنه في مواقف عديدة لقادة دول العالم أو مسئولين كبار فيها أن يبادروا، من باب أدب المجاملة، في مستهل أو في ختام خطاباتهم، حينما يحلون ضيوفاً على بلدان تختلف عن لغتهم ويجهلونها تماماً، بالتحدث ببضع كلمات أو فقرات بلغة الدولة المستضيفة، وأن يتحدث أي وزير في العالم بلغة دولته، حتى لو لم تكن هي لغته الأصلية، في أي قناة تلفزيونية من قنوات بلاده أو في أي محفل دولي أو دولة أجنبية يحل ضيفاً عليها فهذا أمر مفهوم تماماً، لكن ما ليس مفهوماً حينما يتحدث أي وزير في العالم كالوزير شمخاني في قناة أجنبية برامجها بالعربية، وموجهة للعرب، وتضطر القناة إلى الاستعانة بمترجم لترجمة حديثه من اللغة الفارسية إلى العربية التي هو قادر على التحدث بها بطلاقة.

أو ليس الأجدى، حتى بالمعايير الإعلامية الاتصالية المجردة، ان يوظف شمخاني اتقانه العربية للتحدث بها لاستمالة المشاهد العربي بهذا القدر أو ذاك في هذه النقطة أو تلك التقطة من وجهات نظره، حيث ذلك أقوى تأثيراً في نفوس المشاهدين العرب وهو يتحدث لهم بلغتهم العربية من اللغة الفارسية؟ أضف إلى ذلك، فإن العربية ليست لغة القرآن الكريم الكتاب المقدس لكل المسلمين فحسب، بل هي اللغة الثانية طبقاً للدستور الايراني بعد الفارسية، ويتحدث بها جزء من الشعب الإيراني المتعدد القوميات .

وقصارى القول: في ضوء ما تقدم من أمثلة وشواهد عن هذا الطابع المرضي المتعصب في فرنسا، فضلاً عن المثل الايراني المتقدم ذكره، ولا تشذ عن ذلك بلدان اخرى في المنطقة، كتركيا على سبيل المثال لا الحصر، فإننا بتنا في عصر العولمة أحوج ما تكون فيه دول العالم إلى تطوير التقارب بين ثقافات الشعوب، ليس من خلال ما حققته وسائل التواصل الاجتماعي من ثورة علمية مُذهلة في اختصار المسافات بين بلدانها فحسب، بل وبالتواصل الاجتماعي المباشر عبر التقارب اللغوي بتبادل الحديث بمختلف اللغات في الحالات التي لا تستدعي بروتكولياً التمسك الحديدي المتعصب باللغة الأصلية الرسمية.

إقرأ أيضا لـ "رضي السماك"

العدد 5103 - الجمعة 26 أغسطس 2016م الموافق 23 ذي القعدة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 7 | 4:45 ص

      استاذ رضی لو مسؤل من دولة عربية من اصول فارسية تحدث الى قناة فارسيه بلغته الاصلية اي (الفارسيه) هل راح تحيي الشخص ؟ ام تقوم القيامه عليه؟

    • زائر 6 | 4:00 ص

      يعجبني ويبهرني من يتعصب للغته وقوميته ولكن ليس لدرجة العنصرية اما تحدث شامخاني بالفارسيةفهي بصفته امين المجلس القومي الايراني

    • زائر 5 | 2:58 ص

      لا شى يعلو على لغة القران

    • زائر 4 | 2:51 ص

      لغتي هويتي .. نحتاج الى اعتزاز شبيه بفخرهم بلغتهم لكن ذلك بعيد وابسط مثال هذا الكم الهائل من الاستهتار باللغة العربية كتابة وتحدثا في كل البلدان العربية

    • زائر 2 | 11:01 م

      تعامل الفرنسيين مع السياح تغير منذ عام 1984 بعد كاس العالم اصبحوا اكثر انفتاحا بالغة الإنجليزية

اقرأ ايضاً