العدد 5147 - الأحد 09 أكتوبر 2016م الموافق 08 محرم 1438هـ

تأريخ لحسينيات بالرواية

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

ربما يُثار تساؤل أو استغراب عن سبب البدء بحكاية حسينيَّتيّ البَدْع والعجم، قبل غيرهما في سرد تأريخ الحسينيات بالمنامة، بينما هناك حسينيات نشأت قبلهما. وهو تساؤل مشروع، وتوضيحه واجب. فالأمر كما ذكرنا بداية، ليس من باب المسابقة الثقافية، ولمن الغلبة بين الأول والأخير؛ إنّما السبب في تقديم تلكما الحسينيتين، والإشارة إلى أنهما أول حسينيتين؛ هو الوصول إلى وثائق لهما غدت متوافرة للباحثين حديثاً، ويمكن الاعتماد عليها بشكل علمي لأي دراسة عن هذه الحسينيات.

أما بقية حسينيات المنامة، والتي سنبدأ بعرضها تباعاً، فلم يتم العثور على أي وثيقة تؤكّد سنة التأسيس حتى اليوم. وإن كان هناك ثمة وثائق لها، فلا أحد يعلم حتى اللحظة أين هي وعند من تكون؟ ونأمل أن يكشف المستقبل عنها لتصبّ في صالح كل حركة توثيق، وتثبيت لتأريخ هذه الحسينيات. كما أننا لا نهدف هنا في هذه الأسطر القليلة للبحث في تاريخ العزاء والمأتم في البحرين منذ البدء حتى العصر الحاضر، فذلك عملٌ لابد أن يندرج ضمن سياق مشروع كبير ومتكامل، بشأن كل ما يمت للحراك الحسيني والحسينيات، ربما يبرز إلى السطح ذات يوم.

وعوداً على بدء، ونظراً لغياب الوثائق في الحالات التالية؛ سنضطر للجوء إلى الروايات أو الأدلة الشفاهية سواء أكانت ضعيفة أم حولها شك. وبحسب ما نقله عبدالله آل سيف عن حسينية مدن، فما زال كما هو لم يطرأ عليه أي تغيير، رغم محاولتنا العثور على أدلة وقرائن تؤيد الروايات الشفاهية عنها. إلا أن تاريخ بناء الحسينية كما هو مسجل على بوابتها، عام 1258هـ (1842م)، ولنا وقفة مع مثل هذه الأرقام لاحقاً. كما تُنسب الحسينية إلى رجل يُدعى مدن بن جمال، وهو من المهاجرين من القطيف إلى البحرين، ولا نعلم متى كانت هجرته واستقراره هنا. ويُقال أنه أفرد جزءًا من منزله القديم، المكوّن من سعف النخيل والجريد، وخصّصه للحسينية. ويبدو أن بعض تجار المنامة ساعدوا المؤسس في إنشاء حسينية مدن ودعمها إدارياً. وبعد وفاته، تطوّع الحاج إبراهيم بن منصور الأول، وهو جد الأسرة الحالية، لإدارة الحسينية.

وتضيف المعلومات المتوافرة شفاهياً، بأنه تم إعادة بناء الحسينية بالأحجار البحرية، والطين، والحصى، و«النورة»، و«الدنجل»؛ نحو العام 1915م، بدعم مباشر من إبراهيم بن منصور، وبمساعدة عبدالرسول بن رجب، وسيد جعفر سيد شرف، ومن بعض الأشخاص في المنامة، نتيجة حملات التبرع. وكان آخر تجديد للحسينية قد تم بين عامي 1989-1990. ويرأس مجموعة إدارة الحسينية حالياً متوليها الحاج إبراهيم بن منصور بن إبراهيم بن منصور.

أما حسينية بن أمان «الكرخانة» سابقاً، وبناءً أيضاً على الرواية بلسان بعض من تولى إدارتها من العائلة؛ فتأريخ التأسيس يعود للعام 1240هـ (1824م). والكرخانة، كلمة فارسية الأصل تنقسم إلى قسمين (كار) بمعني عمل، و(خانه) بمعني مكان أو موقع، وبهذا فهي المعمل أو المصنع. ولربما كان الموقع هو عبارة عن تجمع لمعامل خرق اللؤلؤ بالمنامة.

وفي حالة هذه الحسينية، والتي لا نملك لها تأريخاً إلا رواية غير مسندة؛ تغدو من أقدم الحسينيات في العاصمة المنامة. ويذكر حفيد العائلة، علي رضي بن أمان الذي يدير الحسينية حالياً، أن تأسيسها تم على يد جد عائلة بن أمان الأكبر، وهو الحاج عبدالأعلى أمان. وقد شارك في بنائها من سعف النخيل والطين، مجموعة من الأشخاص من سكان الأكواخ القديمة في المنامة من أصحاب الدخل البسيط، مثل البنّائين، وصيادي السمك، والغاصة العاملين على سفن صيادي اللؤلؤ في العاصمة. كما كان يوجد خلف الحسينية، دالية (بستان صغير)، وبئر ماء وحمامات، و»منحازين»، ومدق كبير لطحن الحبوب، مصنوع من جذوع النخل يُستخدم لطحن (دق)، حبّ الهريس في شهر رمضان المبارك. أما الإضاءة الحديثة فلم تدخل إلى الحسينية إلا بعد عام 1939م. ويذكر الحفيد، بأن جده المؤسس توفي عن عمر ناهز 113 عاماً.

وعندما نقف على أعتاب حسينية بن رجب في فريق الحطب، ونسأل عن تأريخ التأسيس أو أقدم وثيقة تثبت شيئاً من ذلك، نسمع من بعض أفراد العائلة أن الحسينية هي أيضاً من أقدم (مأتم) المنامة. وسرعان ما يُحيلنا الوضع إلى ما ذُكره آل سيف أيضاً، من أن تأريخ تأسيس الحسينية يعود إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر، ولكن من أسس هذه الحسينية في تلك الفترة، فلا نجد إجابة شافية. حيث تتداخل الروايات من هنا وهناك لتذكر بأن المؤسس الأول هو أحمد بن جاسم بن حنفيش (رجب)، ولذا كان يُسمى (مأتم بن حنفيش). بينما روايةٌ أخرى تذكر بأن بن حنفيش ما هو إلا أحمد بن رجب نفسه، الذي تزوّج من ابنة الشيخ أحمد بن ماجد رئيس البلاد القديم.

وفي العام 1835م تقريباً، جدّد بناء الحسينية تاجر اللؤلؤ المعروف آنذاك، عبد الله بن محمد بن رجب، وبعده قام بترميمها وإصلاحها ابنه أحمد بن عبد الله الذي جاء بالفنيين والمعماريين من الهند. وآخر تجديد للحسينية من أوقافها وأموالها الخاصة بإشراف إدارة الأوقاف الجعفرية، كان في العام 1990م.

ولعل ما يدعم فرضية التأسيس للحسينية في ذاك التاريخ، ما ذكره لي جعفر بن حسن بن عبدالرسول رجب، أحد أعضاء إدارة الحسينية حالياً، من أن وجود حسينية العجم بقرب بيوت بن رجب في فريق الحطب منذ العام 1881، بحسب معلومات علي بوشهري، خير دليل على أن حسينية بن رجب سابقة لهذا التاريخ بكثير، وأنها كانت قائمة بالفعل وإلا لما جاورتها حسينية أخرى تأثراً بها.

ويضيف جعفر بن رجب، وكان المأتم ملتقى للأعيان والتجار، ورجال الدين، وأصحاب الحل والعقد على المستوى الشعبي في المنامة والقرى. بدليل أن حفل تأبين الشيخ عيسى بن علي ومبايعة نجله الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة في الثلاثينات من القرن العشرين؛ تمت في حسينية بن رجب بحضور المعتمد السياسي البريطاني والمستشار (بلغريف)، وجمع غفير من الشخصيات والوجهاء في البلاد. وخلال أحداث الخمسينات والتي بدأت في محرم أيضاً؛ فتحت الحسينية أبوابها وعائلة بن رجب صدورهم، لدرء الفتنة وتوحيد الصف والكلمة بين الطائفتين الكريمتين. وألقى الشيخ أحمد العصفور، وتقي البحارنة، ومحمود المردي؛ كلمات وطنية راقية في هذا السياق.

ولكن ما حكاية أولاد بن ناصر مديفع وبن زبر؟

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 5147 - الأحد 09 أكتوبر 2016م الموافق 08 محرم 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً