العدد 5151 - الخميس 13 أكتوبر 2016م الموافق 12 محرم 1438هـ

الانجراف الاستراتيجي نحو الفشل

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

يحدث الانجراف الاستراتيجي (strategic drift) نحو الفشل عندما تكون المؤسسة غير قادرة على مواكبة التغيرات التي تحدث في بيئتها المباشرة، وهذا بدوره يؤدي إلى الزوال البطيء والتدريجي لأعمال المؤسسة. وفي كثير من الأحيان، فإنّ المؤسسات التي تصاب بالانجراف الاستراتيجي تكون قد اعتمدت على أساليب كانت ناجحة في السابق، وساعدتها على الازدهار الذي تمتعت به لفترة غير قصيرة، ولذلك فإنّها لا تلتفت إلى المتغيرات بعيدة المدى التي لا تنفع معها أساليب الماضي. وببساطة، فإنّ أنموذج الأعمال (business model) الذي كان ناجحاً في الماضي لا يعود مناسباً للبيئة المتغيرة، ولا يمكن للمؤسسة أنْ تتنافس بحسب الاتجاهات المستقبلية في البيئة التكنولوجية، مثلاً.

ومثالٌ على ذلك، شركة «MySpace»، التي كانت من أوائل الشركات التي دخلت في مجال التواصل الاجتماعي، حتى أنّ منصة الشركة أصبحت أكثر جاذبية من «غوغل» في فترة من الفترات، ولكنها لم تلتفت إلى متطلبات جمهورها من الشباب التقني، في الوقت الذي برز منافسون في السوق، أهمهم شركة «Facebook»، التي تغلبت عليها في العام 2008. وبالتالي فإنّ تلك الشركة الرائدة «MySpace» هبط مستواها من المرتبة الأولى في مطلع الألفية إلى المرتبة 392 في العام 2014، وهبط عدد العاملين فيها من 1600 شخص في 2009، إلى 200 شخص في 2011.

المؤسسات تحتاج إلى رصد كلِّ البيئات الداخلية والخارجية، وأنْ تقوم بتقييم موقعها في السوق، ومدى مواكبتها للتكنولوجيا المحركة لسوقها. والمؤسسات قد تفشل لأسباب عديدة، ولكنّ الانجراف الاستراتيجي يحدث عادةً لأسباب تتفاقم في فترات الركود الاقتصادي، حيث تتراكم الكوارث ببطء، بينما تنشغل الإدارة في تسيير الأعمال اليومية الضاغطة.

البداية إذاً قد تكون بسيطةً، ولكنْ مع مرور الزمن تتعرض المؤسسة للفشل بسبب «الانجراف الاستراتيجي» على نحو متزايد، وتكبر الفجوة بين ما تقوم به المؤسسة وتقدمه من منتجات وخدمات، وبين طبيعة واحتياجات البيئة المتغيرة. في نهاية المطاف، قد تواجه المؤسسة تحدياً تنافسياً، أو امتداداً لفترة من الركود الاقتصادي الحاد، أو فشل العلاقة مع زبون رئيسي، وما إلى ذلك، مما يخلق أزمة لا يمكن حلها إلا عبر إجراءات حادة، كإعادة تنظيم المؤسسة بصورة شاملة، أو أنّ تلك المؤسسة تنهار تحت الضغط. ومن أسباب «الانجراف الاستراتيجي» نحو الفشل، ما يلي:

أولاً، ضعف الإدارة: الإدارة العامة للمؤسسة قد تتكلس في العمل الروتيني، وعلى حين غرة قد تكتشف أنّ منافساً لها سرق حصتها في السوق، أو أنّ الطلب انخفض على منتجاتها أو خدماتها، أو أنّها لم تستثمر في التكنولوجيا الجديدة التي يمكن أنْ تجعل المؤسسة قادرةً على المنافسة في بيئة متغيرة. وعندما لا تتحرك الإدارة الحالية تجاه معالجة المتغيرات الجديدة في البيئة التي تحيط بها، فإنّها تصل إلى نهاية المطاف، وقد تقع عليها كارثة لا تتمكن بعدها من إنقاذ وضعها. المدراء يحتاجون إلى قائمة من المؤشرات يرجعون إليها لمساعدتهم على تحليل وتقييم بيئة مؤسساتهم واكتشاف الضعف الذي قد يؤدي بهم إلى الفشل. فكثيرٌ من المدراء قد يعيشون في عالم منفصل عن واقع السوق، ونتيجة لذلك، قد تصبح مؤسساتهم في أزمة خارجة على السيطرة.

ثانياً، ضعف الرقابة المالية: الرقابة المالية غير الكفوءة سببٌ رئيسي لفشل المؤسسات، وفي انجراف المؤسسات تدريجياً نحو الفشل، إذ يعجز المدراء عن تحليل الوضع المالي، ولا يستطيعون تحقيق التمويل المطلوب للموازنة، كما لا يستطيعون الحصول على معلومات مفيدة لحساب الكلفة، أو التنبؤ بالمتغيرات بصورة موضوعية. كلُّ ذلك يتسبب في عدم القدرة على تحديد أهداف واقعية، مع عدم وجود تحفيز لتحقيق الأهداف، وعدم وصول المعلومات لمتخذي القرار لتحديد السياسة المالية بصورة موثوقة.

ثالثاً، فشل التسويق: التسويق لبيع المنتجات والخدمات يعتبر عاملاً أساسياً في تحديد نجاح أو فشل المؤسسات. فقد تكون المؤسسة ناجحةً في فترة ما، ولكن مع تغير البيئة، فإنّ الإدارة في هذا الجانب قد تعجز عن التشمير عن ساعديها، أو قد لا تكون متحمسةً كما كانتْ في السابق (لأيِّ سبب كان)، وبالتالي تفشل في التجاوب مع البيئة المتغيرة بما يكفي لضمان عدم انحسار حصة المؤسسة في السوق. كما أنّ من أسباب فشل التسويق «الثقة المفرطة» للمؤسسة في علامتها التجارية مع الجمهور المستهدف، ولذا فإنّها تتخلى عن الابتكار ومحاولة طرح منتجات أو خدمات جديدة أو مختلفة قد تنطوي على قدر من المخاطر، وبالتالي فقد تفقد حيويتها وتذبل أمام أية متغيرات جديدة.

رابعاً، اختلال الثقافة المؤسسية: تعتبر الثقافة داخل أية مؤسسة رصيداً غير مادي، ومصدراً للميزة التنافسية والسبب الرئيسي لنجاح أو فشل المؤسسة. والانجراف الاستراتيجي نحو الفشل قد يحدث لأنّ الثقافة غير صحيحة، ولربّما تكون مختلةً، ولأنّ الثقافة هي البيئة التي تتنفس من خلالها المؤسسة، فإنّ الأعمال تذبل وتموت إذا كانتْ الأجواء سامةً. الثقافة السامة مثل بيئة غير صحية، وهي تقتل العمل والحماس، تماماً كما تموت الأسماك عندما توضع في مياه ملوثة أو أحواض غير ملائمة. وقد تفشل الإدارة في الالتفات إلى الآثار السلبية للثقافة غير الملائمة. ومن مؤشرات اختلال الثقافة انخفاض الإنتاجية، وانخفاض الروح المعنوية، والغياب عن العمل لأسباب واهية، وارتفاع معدل ترك الموظفين للعمل، الخ. ومن أهم أسباب انتشار الثقافة السامة هو ضعف القيادة، واعتماد معايير مزدوجة، إذاً قد يكون هناك اداريون يعتبرون أنفسهم فوق المساءلة، في حين يفرضون معاييرَ وتوقعاتٍ انتقائيةً على الاخرين، أو قد تكون الادارة تنتهج طرقاً استبدادية لتخويف العاملين وإخضاعهم. إضافة إلى ذلك فقد تنعدم الشفافية وقد لا يكون هناك التزام بأخلاق المهنة، مما يجعل الانجراف الاستراتيجي نحو الفشل أمراً حتميّاً.

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 5151 - الخميس 13 أكتوبر 2016م الموافق 12 محرم 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 3:16 ص

      الف شكر لك دكتورنا الغالي على هذه الدروس القيمه ياريت تجمع أمثال هذه الدروس في كتاب خاص بالوسط سأكون اول مشتري

    • زائر 5 زائر 2 | 5:35 م

      تسلم يا دكتور وانا أؤيد رأي المعلق الأول

اقرأ ايضاً