العدد 568 - الجمعة 26 مارس 2004م الموافق 04 صفر 1425هـ

أسئلة عن اغتيال الشيخ ياسين!

إلياس حنا comments [at] alwasatnews.com

كاتب لبناني، عميد ركن متقاعد

إن قرار اغتيال شخصيّة فلسطينيّة من هذا المستوى من قبل «إسرائيل»، لابد ان يكون اتى مباشرة من رئيس الوزراء شارون. وذلك لان انعكاسات هذا الاغتيال، ستكون لها حتما أبعاد سياسيّة، اقليميّة كانت او دوليّة، وانعكاسات أمنيّة خطيرة قد تطول الكيان الصهيوني في الداخل، او اي يهودي منتشر في العالم.

في القرارات الضخمة، يتركّز القرار في يد القلّة ضمن الحكومة الاسرائيليّة - الحكومة الأمنيّة المصغرة. وفي هذه القرارات، يُمحى الخط الفاصل ما بين العسكر والسياسة. هذا مع العلم ان المجتمع الاسرائيلي، هو المجتمع الاكثر عسكرة في العالم، إنه المجتمع الاسبارطي وبامتياز.

لا يمكن لشارون اتخاذ مثل هذا القرار، إلا إذا كان هذا القرار من ضمن خطّة شاملة ومدروسة. أيضا، وأيضا، لا يمكن اتخاذ هذا القرار، إلا إذا كانت الظروف الاقليميّة، والدوليّة، وخصوصا في البعد الأميركي، تسمح بتمرير تنفيذ الاغتيال، او لا تقيّد عمليّة تنفيذه. لذلك فإن القول ان أميركا وشارون قد جلسا إلى طاولة التخطيط معا ورسما خطة الاغتيال، قد يكون امرا مبالغا فيه. او إن القول ان الأميركيين عرفوا بالأمر «وطنّشوا عنه»، فهذا أمر ممكن. لكن الاكيد ان الأميركيين هم منشغلون الآن، في العراق، في الانتخابات، وفي كيفيّة ردّ التهم عن بوش. وان الساحة الفلسطينيّة الداخليّة، ضمّنت لشارون الاهتمام بها. وإلا فما معنى التخلّي الأميركي عن القضيّة الفلسطينيّة بشكل تام؟ ألا يمكن القول هنا، وتيمّنا بما يقوله المحافظون الجُدد، ان طريق فلسطين، تمرّ حتما في العراق؟ هذا مع العلم، ان لهذا التنفيذ - الاغتيال، انعكاسات سلبيّة على مسيرة السلام، ومن المفروض ان يكون شارون أعدّ نفسه مسبّقا لمواجهتها. وإن الاكيد ايضا، ان شارون وقبل التنفيذ كان درس فعلا إمكان الاغتيال، من ضمن مجموعة العوامل المُساعدة منها كما المعرقلة. فماذا عن كل هذه الاسئلة؟

يعكس الاغتيال معطوبيّة الوضع العربي، والوضع المزري الذي وصلت إليه القضيّة الفلسطينيّة. القضيّة الآن، هي قضيّة إسرائيليّة داخليّة بحتة، والصورة في العقل الأميركي هي ان «إسرائيل» تدافع عن نفسها.

إن حجم الشخص الذي اغتيل ومركزه ضمن حلقة الصراع، يعنيان أن خطّا احمر تم تخطّيه من قبل شارون. فماذا يخبّىء وراءه هذا الخط الأحمر. هل الاغتيال مرحلة بسيطة من خطّة اكبر، بحيث يؤدّي الرد الفلسطيني على هذا الاغتيال إلى إشعال شرارة هذا المُخخطّط، فيصبح المطلب الفلسطيني - العربي الاساسي بعد اندلاع هذه الشرارة وقف المخطط، ليصبح الاغتيال في أرشيف الخسائر العربيّة؟

إذا كان هذا الاغتيال استهدف قمّة القيادة لدى «حماس»، فكيف ستردّ المنظمة؟ وضد مَنْ؟ فمن المفروض ان يكون الردّ الحماسي على حجم الخسارة، وإلا سقطت الصدقية. وفي هذا المنطق من التصعيد، والتصعيد المُضاد، إن ما يوازي الشيخ ياسين في القيمة لدى الاسرائيليّين، هو حتما رأس الافعى شارون. فهل سيكون هو الهدف لحماس؟ وإذا تم اغتياله، فماذا سيكون الردّ الاسرائيلي على هذه العمليّة؟ وخصوصا أن الكل، ضمن أميركا، كان اعتبر وبعد اغتيال الشيخ ياسين أن «إسرائيل» هي المعتدية. وماذا سيكون موقف العرب من الوضع المستجدّ؟

هل يعكس الاغتيال صورة الضعف التي وصلت إليها منظمة «حماس»؟ وهل هذا ما يعتقده شارون، من ان المنظمة وصلت إلى الحضيض ولا بد من إنهائها عبر قتل زعيمها؟ الجواب على هذا السؤال، هو حتما لدى «حماس»، وكيف ستردّ لاسترداد صدقيتها. وهل ان قتل الزعيم سيشتت المنظمة؟ ممكن لكن السؤال يبقى، هل ان الشيخ ياسين هو القائد الروحي - السياسي، وفي الوقت نفسه القائد العملاني على الارض؟ أيضا الجواب في عهدة «حماس»، لكن الاكيد ان العمليات العسكرية على الارض لم تكن بيد الشيخ الشهيد. وقد يثبت الرد المستقبلي من «حماس» على عملية اغتيال الشيخ، صحّة هذا الرأي.

هل يندرج الاغتيال ضمن قرار شارون عن فك الارتباط مع الفلسطينيين في كل من غزّة والضفة؟ وهل يريد شارون أن يظهر انسحابه من غزّة على انه ليس تراجعا وخسارة عسكريّة، وذلك على غرار مع حصل في جنوب لبنان العام 2000؟ هل يريد ان يضرب ويهرب في الوقت نفسه؟ ممكن، لكن الجواب على هذا قد يصبّ في مكان آخر، هو في أن شارون قد يسعى من خلال عملية الاغتيال إلى عدم الانسحاب ابدا، تحت حجّة الوضع الامني المتدهور. او انه يريد تأجيل مشروعه إلى وقت تكون ظروفه افضل.

هل يعتمد شارون استراتيجيّة الارضي - شوكي، أي استنزاف القيادات الفلسطينيّة زعيما بعد آخر؟ وهل هذا يعني انتفاء وجود قيادات؟ علما بأن مقتل قائد، قد يعني ظهور المزيد من القياديين، وهم حتما سيكونون اكثر تشددا، الامر الذي يجعل الوضع اكثر فوضويا؟ فهل هذا ما يريده شارون؟

هل ينتظر شارون رد «حماس»، ليعمد إلى استهداف ياسر عرفات، او طرده من الضفّة؟ ألا يعتبر هذا الاغتيال وكأنه مزيد من الاضعاف للسلطة؟ وهل يريد شارون السلطة مع عرفات؟ الأكيد انه لا يريد السلطة، أية سلطة.

هل ينتظر شارون رد حماس في الداخل، كي يوسّع دائرة الاعتداءات على الدول المجاورة، وهو الذي كان هدّد ونفّذ في هذا المجال؟ وهل يتزامن الاغتيال مع ما يطرح من مشروعات عقوبات على سورية، والدعوات المتكررة من الادارة الأميركية لانسحاب سورية من لبنان؟ وهل تم استغلال فرصة انشغال الادارة الأميركية بالتحضير للانتخابات الرئاسية، وفي الرد على الهجومات التي يتعرّض لها الرئيس بوش، والتي آخرها من قبل مستشاره السابق لشئون الارهاب ريتشارد كلارك الذي اتهمه بأنه كان يركز على العراق قبل افغانستان؟

هل درس شارون امكان ان تتعاون «حماس» في المستقبل مع تنظيم «القاعدة» وفي العمق؟ ممكن، وهذا ربما ما يريده. وذلك لان تعاون «حماس» و«القاعدة» يساعده على تدمير كل البنى التحتيّة العسكرية لحماس، وبمساعدة أميركية مباشرة، وخصوصا ان هناك قانونا أميركيا يسمح بمحاربة القاعدة كان صدر بعد 11 سبتمبر/ أيلول. على كل، بدأت الصحافة الاسرائيلية ترسم صورة الشيخ ياسين، على انه بن لادن «إسرائيل». فلماذا لا يتم التخلّص منه، ويُسمح لأميركا بملاحقة بن لادنها في باكستان؟

هل درس شارون امكان ان يتحوّل الصراع مع حماس، إلى صراع شامل مع الاسلام؟ ممكن، وهذا ما يريده، وخصوصا ان أميركا تتحرك في ظل هذه المعمعة.

هل درس شارون مثلا امكان التعاون بين حماس و«القاعدة»، لضرب الاهداف اليهودية في العالم؟ ممكن وهذا طبعا ما يريده شارون. فإن ضرب الاهداف اليهودية في العالم، قد يشجّع اليهود على الهجرة الى فلسطين.

في الختام، هل ان عملية اغتيال الشيخ ياسين اتت كاستباق لشيء كان يُحضّر على صعيد المنظمة، كعمل عسكري كبير مثلا؟ وهل ان تراجع عمليّات حماس حديثا، كان بانتظار استكمال التحضير للعمليّة الكبرى؟ كل شيء ممكن لكن الاكيد ان مرحلة ما بعد اغتيال الشيخ ياسين، هي ليست كمرحلة ما قبل، التي قد تتميّز عن سابقتها بأنها ستكون اكثر دمويّة. فلننتظر

العدد 568 - الجمعة 26 مارس 2004م الموافق 04 صفر 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً