العدد 573 - الأربعاء 31 مارس 2004م الموافق 09 صفر 1425هـ

الزهو بإنجازات الماضي قد يؤدي الى «إعاقة أبدية»

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

جزء من المشكلة التي يقع فيها البعض هو اتخاذ بعض انجازات الماضي التي تحققت ضمن ظروف ومعطيات معينة كمؤشر وحيد للمضي قدما في برنامج مماثل في هذه الفترة، على رغم أن معظم الظروف والمعطيات قد تغيرت. وهذا الأمر يؤدي بالبعض الى الزهو والغرور، ويتم اغلاق العقل وتوريط النفس والناس الآخرين في مشروعات غير مجدية سياسيا. وهذا ما يستشعره المرء عندما يتحدث مع الذين يصرون على استخدام أساليب العمل السياسي التي كانت سائدة في تسعينات القرن الماضي لهذه الفترة. والأنكى من ذلك هو أن «الزهو» يصل الى حد ان البعض يعتقد ان الدنيا (وليس فقط شعب البحرين) ستتحرك بإشارة منه لتحقيق الأهداف والأجندة التي يكررها.

هذا «الزهو» غير حقيقي، وتصاب به الجماعات وحتى دول كبرى. فاليابان وصلت في السبعينات والثمانينات الى مستويات عليا في الاقتصاد بعد أن تسلمت موقع ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة الأميركية. الصينيون خافوا في الثمانينات من العملاق الياباني الذي قد يتحول من ثاني قوة عظمى اقتصادية الى قوة عظمى سياسية، تسيطر على منطقة المحيط الهادي (شرق آسيا، شمال وجنوب المحيط الهادي). اليابان كانت تنمو بسرعة مذهلة آنذاك وتفوقت على جميع الدول اقتصاديا ماعدا أميركا، ولم تبق الا دولة واحدة أمامها لتصبح أقوى دولة اقتصادية في العالم. ليس هذا فحسب، فلقد كان أي واحد من المصارف اليابانية يمتلك اكثر مما تمتلكه دولة غنية بالنفط مثل السعودية عدة مرات، وكان المال الياباني يستطيع شراء أي شركة او مشروع كبير أو صغير في أي مكان في العالم. الجميع كان يلهث ليعرف سر عظمة اليابان، وبدأ الناس يتعلمون اليابانية لكي يفهموا سر العظمة المتنامية من دون انقطاع لمدة عشرين سنة حتى العام 1990. الجميع كان يتحدث عن أن استمرارية هذا النمو لعشر سنوات أو عشرين سنة أخرى سيعني أن اليابان هي سيدة العالم.

وفجأة انكسرت سوق الأسهم والعقارات في اليابان العام 1990، وفجأة انخفض النمو (المعجزة) الى معدل ضعيف جدا، وفجأة ظهرت لأول مرة البطالة بعد ان اختفت منذ خمسينات القرن الماضي، وفجأة واذا بالمصارف التي لا يمكن لأحد أن يتصور أموالها الضخمة واذا بها تعاني من أمراض مزمنة... والأغرب من ذلك ان اليابان مازالت غير قادرة، وبعد 14 سنة من نكستها (على رغم أنها مازالت القوة الاقتصادية الثانية)، غير قادرة على الخروج من أزمتها كما ينبغي لدولة بحجمها وقدراتها الكبرى، والتحسن الطفيف اقل من المتوقع بكثير.

واحدة من المشكلات هي «الزهو» الذي أصاب اليابانيين بحيث اعتقدوا بأن كل شيء على ما يرام ولا يحتاج الى اعادة نظر. ولكن التسعينات جاءت بعصر اقتصادي جديد يختلف عن العقود الماضية، والذين استفادوا من هذا التحول الدول التي اقتنعت بأن عليها أن تعيد النظر في سياساتها وبدأت تغيير نفسها بنفسها. ولذلك فان الدول التي كانت مرشحة لان يتخلف اقتصادها ووضعها، أصبحت الآن هي المثل الذي يحاول اليابانيون الاحتذاء به للخروج من الأزمة التي حلت بهم.

الزهو بالنفس خطير جدا، وكما ان الأمم تهبط وتتراجع عندما تعتقد بأنها تستطيع الاستمرار على نهجها القديم الذي حقق لها انجازات، فكذلك الجماعات. فليس معنى اننا حققنا نجاحات سياسية من خلال عدد من الأساليب في تسعينات القرن الماضي اننا سنحقق الانجازات بالاساليب نفسها الآن. العكس ربما هو الصحيح، والاخفاق الذي يأتي بعد الشعور بالزهو اخفاق شديد ربما يتسبب في «اعاقة أبدية»

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 573 - الأربعاء 31 مارس 2004م الموافق 09 صفر 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً