العدد 60 - الإثنين 04 نوفمبر 2002م الموافق 28 شعبان 1423هـ

ربما قانون للمطبوعات... ربما

المشكلة ليست في القانون بل في تطبيقه

غسان الشهابي comments [at] alwasatnews.com

بعد حوالي شهرين من القراءة والتدقيق في القوانين والتمحيص والمماحكات، انتهت اللجنة بعد يوم عصيب من المناقشات في لجنة إعداد مبادئ قانون المطبوعات والنشر - وهي اللجنة المنبثقة عن لجنة تفعيل الميثاق - من وضع مبادئ هذا القانون، وكان ذلك في السابع من أغسطس/آب من العام 2002.

واللجنة تلملم أوراقها مودعة قصر الزاهر حيث تجتمع، قلت لرئيسها علي العريبي: «أتعلم أن قانون المطبوعات الذي نعمل على نقضه كان قد صدر في السابع من أغسطس 1979؟».

فتبسم العريبي قائلا: «أي باطل قد رُفع، وأي حق قد وُضع»، واصفا ذلك القانون الخارج من كنف قانون أمن الدولة بـ «الباطل» وهو حقا كذلك.

فلغة الخطاب التمهيدي ما بارحت نصوص ذلك القانون الذي حكم التعبير في البحرين لمدد طويلة، وكان معمولا به، بل وبأسوأ منه في الفترة التي سبقت ظهوره، وما عمله هذا القانون - الذي لانزال نستظل بظله إلى الثاني من هذا الشهر - هو أن وضع التعبير عن الرأي على صراط مستقيم، لا يخرج عنه إلا هالك أو متحيز للموت والفناء «تعبيريا» على الأقل.

ولذلك عكفت لجنة إعداد مبادئ قانون المطبوعات والنشر على «فكفكة» هذه القيود والمعوقات بشكل تسابقي مسئول، راجعة إلى القوانين العربية الأكثر تطورا، منكفئة على الحال المحلية، مستهدية بالشرائع العالمية في هذا الشأن، وبما نص عليه دستور البحرين وميثاق العمل الوطني.

فثبّتت كفالة القانون «حق المواطن في الاطلاع على الحوادث والأفكار والاتجاهات والمعلومات»، وحظر «إخضاع المطبوعات، بما في ذلك المستوردة، لأي شكل من أشكال الرقابة المسبقة»، وعدم جواز «تعطيل أية صحيفة أو إلغاء ترخيصها إلا بحكم قضائي»، وأن الصحافيين «مستقلون لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون ومبادئ وأخلاق مهنتهم وضميرهم»، كما أن «للصحافيين حق الحصول على المعلومات من مصادرها المختلفة وتحليلها والتعليق عليها وتداولها ونشرها في حدود القانون، مع عدم الإخلال بقيم المجتمع وأخلاقه وأمنه الوطني»، وواحدة من أهم المبادئ العالمية في الصحافة هي كفالة حق الصحافي في الحفاظ على سرية مصادر المعلومات أو الأخبار، وعدم جواز إرغامه على البوح بها.

وحذفت اللجنة في عملها كل ما من شأنه تقييد حرية الصحافي، وذلك بعقابه بالسجن إن أتى محظورا في مجال عمله، وليس السجن فقط هو الكابح الوحيد في قانون المطبوعات السابق، واستعاضت عن السجن بالغرامة المالية التي من الممكن أن تكون رادعا كافيا في زمن الحريات لمن يريد أن يخترق المحظورات التي تنظم حياة البشر.

وعلى رغم تقدم القانون السوداني للمطبوعات والنشر الذي تقول إحدى مواده: «لا يجوز للموظف العام منع أية معلومة عن الصحافي إلا إذا صنفت على أنها سرية...» أو هكذا يقول، فإن التوجه العام كان ضاغطا لكي لا يستفيد القانون البحريني من هذه الفرجة المعبرة عن الشفافية ومراقبة السلطة الرابعة للجهاز الحكومي.

ولكن أكثر ما أثار الجدل هو إمكان تلقي الصحف اليومية الإعانات المالية والدعم المادي من أية جهة كانت، وظل هذا الخلاف طويلا بين أعضاء اللجنة، ولم تفلح فيه الديمقراطية والتصويت، فأحيلت وجهتا النظر للطرفين من المؤيدين والمعارضين إلى اللجنة الأم التي حسمتهما بالانتصار لعدم جواز قبول الصحيفة (اليومية خصوصا) لأي نوع من أنواع الدعم أو التبرع كونها تشكل الرأي العام، ومن حق من يعطي أن يأخذ، ومن حق من يمنح الصحيفة أن يروَّج له، وبالتالي سيسهم في تشكيل الرأي العام بالشكل الذي يريد.

وليس صحيحا - على إطلاقه - الكلام الذي تردده بعض الجمعيات السياسية في البحرين من أن هذا القانون أعدته لجنة في «غرف مغلقة»، وأن من حق الجمعيات الاطلاع عليه ومناقشته، إذ ان اللجنة قد أعدت أثناء عملها ملخصا لأهم النقاط المقترحة في القانون وتمت دعوة ذوي الشأن من صحافيين مستقلين وأعضاء «جمعية الصحافيين البحرينية»، وممثلي المطابع وممثلين عن «أسرة الأدباء والكتاب» وممثلين عن المكتبات، حتى يناقشوا هذه النقاط التي خرجت اللجنة بعدها بتصورات معدلة لما سبق وإن اتفقت عليه.

ولكن يبدو أن العريبي كان أحد المتفائلين كثيرا بهذا القانون، إذ تحدث عن «الباطل» الذي رُفع، و«الحق» الذي وُضع، إذ أثناء التلاحي الذي كان أعضاء اللجنة يمرون فيه، اقترح عدد من الأعضاء أن تحصل اللجنة الفرعية على الحق في أن تنشر ما استقرت عليه أمام الملأ حتى لا تحاسب على شيء لم تقره ولم تتفق عليه، ويتم في الدوائر الرسمية - بعد ذلك - تغييره بما قد لا يتفق وقناعات اللجنة الفرعية، ولكن ذلك بعد أن يصدر القانون.

وطيلة هذه الفترة التي امتدت من انتهاء أعمال اللجنة والمناقشة (رمضان الماضي) وحتى يومنا هذا إذ صدر القانون، التزم جل الأعضاء بما ألزموا أنفسهم به.

غير أن - والقانون قد صدر الآن - فلا مشاحة من الحديث عن بعض ما قد تم النقاش والتعقيب عليه.

فقد أقحم القانون «جمعية الصحافيين البحرينية» في أكثر من موضع منه لتؤدب وتحاسب وتراقب الوضع وتختصم وتدافع عن الصحافي، وفي الحقيقة، فإن خلافا جوهريا جرى في شأن هذه الجمعية الأمر الذي جعلها حكرا على عدد من الصحافيين والعاملين في المهن القريبة منها، وباتت الجمعية - وهذا ليس قدحا أو حكم قيمة بقدر ما هو وصف حال - تمثل «جماعة» من الصحافيين المنتمين إلى مؤسسات بعينها، وكانت رغبة السيطرة و«التكويش» لدى هذه المؤسسات، العامل المنفر لبقية المؤسسات أن يقبلوا عليها، لتصبح الجمعية وكأنها النادي أو الاستراحة للجهة المسيطرة فحسب.

الأمر تبدى جليا عندما تعرض حافظ الشيخ إلى مشكلة مع وزارة الاعلام قبل حوالي سنة، فقالت الجمعية إن الشيخ ليس عضوا مسجلا فيها، فكيف تدافع عنه؟

الأمر قد ينسحب الآن على الكم الكبير من الصحافيين والعاملين في هذا الحقل ممن يحق لهم الدخول ولكنهم رفضوا الانضمام إلى الجمعية لأسباب مختلفة: هل ستمثلهم الجمعية؟ هل لزام عليهم في هذه الحال أن يصبحوا أعضاء في جهة لا يشعرون بالانتماء إليها وليس هناك ما يلزم انتماءهم إليها؟ وكيف ستتصرف معهم هذه الجمعية إن طالبتهم الجهات الرسمية بالمثول أمامها للتحقيق؟ هل ستتركهم إلى الريح لأنهم لم «ينصاعوا» ويصبحوا أعضاء فيها؟ أم هي من قبيل: من أراد ألا تثكله أمه فلينضم إلى «جمعية الصحافيين البحرينية»؟

وفيما حلمت المبادئ بإلغاء كل أنواع الرقابة المسبقة التي حرمت، وتحرم أبناء الوطن حق التعرف على ما يجري خارج حدود بلادهم، وما يُكتب أو يُقال، عادت الرقابة بحكم القانون من خلال الأمر الأخطر من هذا، عودة «الحبس» بوصفه عقوبة في المحظورات، وهو أمر يتنافى تماما مع الحرية والأمان اللذين يجب أن يشعر بهما الصحافي أثناء تأديته عمله، وهذه النقطة تحديدا ما سعت إليها اللجنة بكل قوتها كي تزيلها من القانون الجديد المتسق مع الحريات والانفتاح الإعلامي، وبينما كانت المحظورات في قانون المطبوعات الذي تم صوغه في ظل قانون أمن الدولة، قد بلغ عددها 17 محظورا، ارتأت «مبادئ القانون» الذي أعدته اللجنة ألا تزيد عن 11 محورا شاملا، فإذا بالقانون الجديد يزيد على ما لدى القانون السابق فتصبح المحظورات 18 مادة، بعودة نصوص قديمة إليه.

كما «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على ألف دينار أو بالعقوبتين معا، كل من فتح أو أدار مكتبة بغير ترخيص أو نشر أو تداول مطبوعات لم يؤذن في تداولها أو صدر قرار بمنع تداولها أو إدخالها البلاد أو صودرت نسخها طبقا لأحكام المواد السابقة». فعندما يكون فتح مكتبة يستوجب الحبس أو الغرامة أو العقوبتين معا، فهذا يشير إلى «تطور» كبير في القانون، إذ كان القانون ينص على الحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تتجاوز ألفي دينار، فنزلت العقوبة إلى النصف، أليس هذا مما يحسب للقانون الجديد؟

وعندما طمحت اللجنة إلى أن يجري التخفيف من قيود إصدار الصحف - أسوة بالدول المتقدمة التي ندعي كثيرا أننا نسير في ركابها - جرى نقاش ما إذا كانت موافقة وزير الإعلام ملزمة للصدور أم لا. وبغية ألا يقال إن هذه اللجنة طائشة وصبيانية، تم أخذ الدرب الوسطي بين تعليق الترخيص بمجلس الوزراء وبين ما يجري في الدول المتقدمة من أن صاحب الصحيفة لا عليه إلا أن يسجل شركته في الجهاز المعني ويدفع رسوم التسجيل ويصدر مطبوعته التي يريد، فاستقر الرأي على ربط الأمر بوزير الاعلام، غير أن نصّ العام 1979 يعود بقوة هنا معيدا إلى مجلس الوزراء أمر إصدار «صحيفة».

كل هذا لا يعني أن القانون لم يتضمن بعض المواد الجيدة والمتقدمة في مجال الصحافة تحديدا، غير أنه عندما يتم عرض القانون على مبادئ الميثاق الـ 15 يمكن للمتتبع ملاحظة إلى أي حد التزم المشرع بالصورة الكلية للمبادئ وهي: تأكيد مبدأ حرية الصحافة، بما في ذلك حرية إصدار الصحف، وحرية إنتاجها، وحرية المواطن في الحصول على المعلومات من الصحف التي يختارها، تأكيد حرية الطباعة وتشجيع الاستثمار فيها، تأكيد حرية التعبير ضمن مبادئ الدستور وميثاق العمل الوطني، في إطار العادات والتقاليد العريقة للمجتمع البحريني، تأكيد حرية الحصول على المعلومات وحماية سرية مصادرها، أن تكون روح القانون الجديد مستمدة من مبادئ الدستور وميثاق العمل الوطني، وأن يكون الأساس هو الإباحة والاستثناء هو المنع، أن تنظر التظلمات من القرارات الإدارية أمام القضاء، إلغاء أي شكل من أشكال الرقابة المسبقة على الصحافة والنشر، تأكيد استقلالية المؤسسات الصحافية، وضمان حقوق الصحافيين والكتّاب في التعبير عن آرائهم، ضرورة أن ينظم القانون أعمال الصحافة والنشر كافة، بما فيها الصحافة والنشر الإلكترونيان، تأكيد أن حرية التعبير وحرية النشر تكفلان عدم الإساءة إلى الدين أو الأمور القومية أو الوحدة الوطنية، وضع شروط واضحة ومحددة لشاغل وظيفة رئيس التحرير ومالك أو مالكي الترخيص، أن يكون قرار منع توزيع المطبوعات التي تتضمن أمورا خارجة على القانون بيد القضاء، بحيث يأتي المنع بعد الطبع وليس قبله، أن يتضمن القانون أحكام النشر وأسس تكذيب الخبر، إعادة النظر في العقوبات الواردة في القانون الحالي، والاعتماد على قانون النيابة العامة وقانون العقوبات في ذلك، مع ضرورة تحديد العقوبات والجرائم بشكل واضح والنظر في مسئولية رئيس التحرير فيما ينشر في صحيفته، وكذلك مسئولية الصحافي صاحب المقال، بحيث لا يكون لتحميل رئيس التحرير جل المسئولية أثر سلبي على حرية الصحافيين في التعبير.

كل ما تقدم، وكل ما سيأتي من أقوال وخطب ومحاضرات عن القانون الجديد للطباعة والنشر لا يؤثر كثيرا في الوضع العام للصحافة والحريات الصحافية.

فلاتزال العملية محكومة في كثير من الأحيان بالمزاجية الآتية من صوب وزارة الإعلام (على تقلب مسئوليها في مناصبهم وتبدلهم) تارة، ومن صوب الجهات الأخرى الأقل والأعلى شأنا تارات أخرى، ومن قبل القراء والناس غالبا ما يأتي ضغط مشابه لإملاء وثيقة «أكتب ولا تكتب» على الصحافي، وعلى المؤسسة.

فالقانون السالف الذكر، على ما قيل عن سوئه وتضييقه الخناق، لم يطبق ربما في أي موقف من المواقف التي استدعت فصل صحافيين من أعمالهم، أو توقيفهم عن الكتابة والمراسلة، أو تجميد أوضاعهم من دون رواتب وكأنهم ليسوا من بني البشر الذين تتطلب حياتهم السيولة المادية، أو الاستدعاء إلى إدارة التحقيقات الجنائية لسؤالهم عن مصدر خبر ما وتهديدهم بعدم العودة إلى ما «يخل بالأمن العام»، أو محاربة صحافيين في أرزاقهم من أجل تركيعهم ليقولوا ما تحبه الآذان الرسمية من نغمات وإن بدت نشازا في المجتمع.

ليست هنا المشكلة، المشكلة ليست في القانون، بل في تطبيق هذا القانون وآلية هذا التطبيق، فعندما يُركن القانون على الرف وتستثمر المزاجية ملكاتها في ابتداع قوانين اللحظة، يعود القانون وساما تتزين به المكتبات

إقرأ أيضا لـ "غسان الشهابي"

العدد 60 - الإثنين 04 نوفمبر 2002م الموافق 28 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً