العدد 603 - الجمعة 30 أبريل 2004م الموافق 10 ربيع الاول 1425هـ

الأميركيون في ورطة... والدول العربية في ورطة أكبر

عودة البعث عبر الجيش العراقي

إلياس حنا comments [at] alwasatnews.com

كاتب لبناني، عميد ركن متقاعد

من الطبيعي ان تعترف اميركا بأخطائها في عراق ما بعد صدّام، فالواقع يعكس بوضوح هذا الفشل. لا ديمقراطيّة، لا نموّا اقتصاديا، لا صورة واضحة وحقيقيّة للدولة الموعودة. مقاومة من هنا، وانتفاضة من هناك، والقاسم المشترك بين كل فرقاء الشعب العراقي، هو بالتأكيد الدم البريء الذي يُهرق. حتى يمكننا القول، ان العراق هو دولة ساقطة Failed State بكلّ ما للكلمة من معنى. والمقصود بالدولة الساقطة، هي تلك الدول التي سقطت كلّ مؤسساتها، ولم تعد تعمل، وخصوصا المؤسسات الامنيّة. فالدولة - الامّة، هي الدولة التي تحتكر وسائل وقرار استعمال العنف. وهذا ما ينصّ عليه علم السياسة، وعلم الدولة - الامّة.

ففي عراق صدّام، كانت الدولة تحتكر العنف. وقد يصُحّ القول، ان الرجل الدولة - صدّام هو الذي كان يحتكر العنف ومؤسساته، لا بل كان يحتكر الدولة كلّها. في يده كان قرار الحياة والموت للشعب العراقي. وفي يده كان قرار نهضة العراق أو أفوله. لكن صدّام حسين اختار قرار أفول العراق، وإلا فما معنى تصرّفه بهذا الشكل قبل الاجتياح الاميركي، وهو الذي يعلم تماما أنه لا يملك أسلحة دمار شامل؟ وهو الذي يعلم النوايا الاميركية المبيّتة للعراق وللمنطقة. ألم يكن أجدى، إيجاد وسيلة استباقيّة لفضح النوايا الاميركيّة عبر إظهار ما لدى العراق من أسلحة؟ على كلٍّ، حصل ما حصل، ولابد من النظر إلى المستقبل الآن.

هذا في مرحلة الرئيس صدّام. أما مرحلة ما بعد صدّام، فهي المرحلة التي تعمّم فيها استعمال العنف. فالسلاح متوافر لمن أراد، والعدو موجودٌ لمن لديه شعارات أيديولوجيّة - دينيّة. ويبدو ان وسيلة المخاطبة الحاليّة في العراق، هي الوسيلة العُنفيّة... والعُنفيّة فقط. في هذا الجو من الفوضى، أصبح العراق دولة ساقطة بكل ما للكلمة من معنى. فما كان من بول بريمر إلاّ أن يعترف بالخطأ الذي ارتكبه، ألا وهو قرار حلّ الجيش والقوى الأمنيّة. وكي يُصحّح الخطأ، قرّر بريمر أخيرا الاستعانة مجّددا بضباط الجيش السابقين من البعثيين. فما هي حسنات هذا القرار؟ وما هي سلبياته وإيجابياته، وحظوظ نجاحه؟

حسنات القرار

- تستردّ اميركا من فقدتهم من العسكر الذي سُرّح. فهم لديهم امكانات عسكريّة قتاليّة وفكريّة. وهم يعرفون التاريخ العراقي، الثقافة، وكيفيّة التعامل مع الشعب العراقي المتعدّد الأثنيّات والأديان كما المذاهب.

- وهم أيضا لديهم من هم خلفهم، من أهالي وأقرباء. وإن عودة العسكر القديم، قد تساعد على استجماع القوى حول الدولة العراقيّة - أية دولة.

- قد يستبق هذه الخطوة امكان ذهاب هؤلاء العسكر وانضمامهم إلى المكان الذي لا تريدهم فيه اميركا، أي إلى المقاومة العراقيّة.

- من الضروري ان تؤلّف اميركا وتنشئ المؤسسات الامنيّة، وخصوصا ان موعد نقل السلطة - حتى ولو كان شكليّا - أصبح قريبا جدّا. وإن عمليّة إنشاء هذه المؤسسات، هي أهون وأسرع مع عسكر قديم لديه خبرة وقادر على استكمال عمليّة بناء البنى التحتيّة.

- قد ترضي هذه الخطوة البُعد السنّي في العراق، خصوصا ان الجيش القديم، كان تحت السيطرة السنيّة وبامتياز. وقد يريح هذا القرار الزعامات السنيّة، التي تعتبر ان المرحلة المقبلة هي ليست لصالح السنّة، خصوصا في تركيبة النظام السياسي المستقبلي.

- لكن السؤال يبقى في أن: هل أميركا تريد البعث كبعثٍ بحدّ ذاته، أم تريد شيئا آخر؟ الأكيد ان اميركا تريد لمّ شمل العسكر لتحتويه بدلا من ان تحتويه المقاومة. وهي تريد العسكر بعد أن فشلت تقريبا في صنع مؤسسة الأمن الداخلي العراقي (40 في المئة من الشرطة العراقية تركوا العمل بعد حركة مقتدى الصدر). وظهر هذا الامر عندما تمنّع أفراد الشرطة من ضبط الأمن، خصوصا ضد حركة السيّد مقتدى الصدر. وهي بالتأكيد، لا تريد البعث بحدّ ذاته، وإلاّ فإنها قد تناقض كل المبادئ التي وضعتها للقضاء على نظام صدّام.

- تريد اميركا من لديه خبرة للقتال على الارض. وقد يؤمّن قرار بريمر هذا الامر، وخصوصا ان العسكر البعثي القديم، لديه خبرة كبيرة وكبيرة جدّا في القتال العسكري، إن كان على الصعيد الخارجي، أو على الصعيد الداخلي. فعلى الصعيد الخارجي، هاجم هذا الجيش إيران، واحتلّ الكويت، كما حارب القوات الاميركيّة في العام 1991. أما على الصعيد الداخلي، فلهذا الجيش خبرة في القضاء على الانتفاضات الداخليّة، شيعيّة كانت أم كرديّة، وحتى سنيّة في بعض الاوقات.

سلبيات القرار

هذا غيض من فيض في بعض الايجابيات، فماذا عن السلبيات؟

- إن كلمة «بعث»، قد تعني أكثر ما تعني للشيعة والاكراد، وكأنها الموت بحد ذاته. فالتجارب السابقة للأكراد والشيعة مع هذا الجيش تجارب دمويّة. وكل مهمّة قد توكل لهذا الجيش، ستُفسّر وتكون من خلال الذكريات السابقة للتعامل. وإن كل عمليّة سيقوم بها الجيش، ستفسّر وكأنها انتقام من الفترة السابقة. إذا الثقة مفقودة، أكثر مما كانت عليه أيام صدّام.

- إن استدعاء العسكر القديم، يحتّم بطريقة قسريّة تنفيذ ما ورد في الدستور المؤقت والذي صدر منذ فترة. بمعنى آخر، الدستور الحالي المؤقت، هو الأساس للعسكر، وليس العسكر هو الذي يشكّل ويحتكر الدستور، كلّ الدستور كما كان في السابق. إذا، إن أيّة عمليّة لإعادة تأليف الجيش، ستكون من خلال توزيع المسئوليات بين السنّة والشيعة والاكراد. فكيف سيتمّ هذا الامر؟ حتى ان الامر يبقى في كيفيّة تأليف القيادة لهذا الجيش، وكيف تتمّ عمليّة اتخاذ القرار، خصوصا إذا كان هذا القرار مثلا ضرب انتفاضة شيعيّة، فهل سينفّذ الجيش هذا القرار؟ في هكذا عدم ثقة، سيكون الجيش كعدّة جيوش.

- ما هي مهمّات هذا الجيش؟ هل هي حماية الداخل؟ فنعود هكذا إلى الفقرة السابقة. ومن هو عدوّ الداخل؟ هل هو السيّد مقتدى الصدر؟ هل هي المقاومة العراقيّة، وخصوصا السنيّة؟ وإذا ما قاتل هذا الجيش المقاومة، فهل سيقاتل البعثيون السابقون اقرباءهم؟ من جهة أخرى، من هو عدوّ الخارج؟ هل هي إيران، أم سورية؟ أمور معقّدة فعلا.

- من سيؤمّن لهذا الجيش الاستعلام التكتيكي؟ هل هي عبر الاميركيين؟ ممكن، لكن لا ثقة بالاميركيين. إذا لابد من خلق المؤسسات الاستخباريّة كي يعمل هذا الجيش. ومن سيكون رئيس الاستخبارات؟ هل هو شيعي، سنّي أم كردي؟

- ماذا سيكون سلاح هذا الجيش؟ هل هو سلاح اميركي، أم السلاح السابق والخفيف؟ وهل تؤمّن وتأمن أميركا لهذا الجيش؟ وماذا لو انقلب عليها في وقتٍ من الاوقات؟ وماذا لو استغلّت المقاومة هذا الجيش وانضوت تحت لوائه كي تتدرّب وتتموّن وتستعلم استخباريّا، وتعود لتنقلب على الاميركيين، انطلاقا من مبدأ العدو من الداخل كحصان طروادة؟

- هل سينظر العراقيون إلى هذا الجيش على انه صنيعة الاحتلال؟ بالطبع، فإن كل ما تسنّه اميركا في العراق هو موضع شكّ. وخير دليل على ذلك هو نظرة العراقيين إلى مجلس الحكم الانتقالي، خصوصا من خلال عجزه عن حماية العراقيين، والفلّوجة خير دليل على ذلك.

في الختام، يبدو ان ترك البعثيين خارج اللعبة هو مشكلة للاميركيين. كما ان إعادة تجنيدهم، هي مشكلة كبيرة أيضا. إذا الاميركيون في ورطة كبيرة في العراق. كذلك الأمر، فإن العراقيين والعرب هم أيضا في ورطة كبيرة، أوأكبر. والمطلوب حاليا في العراق قرارٌ تاريخي داخلي مشترك بين الفرقاء المكوّنين للنسيج العراقي، يتعلّق بمصير العراق، بحيث يُفرض هذا القرار على الاميركيين.

الوقت داهم، والتاريخ لن يرحم... أليست تجربة فلسطين لا تزال ماثلة في عقولنا وفكرنا؟ فلنتّعظ

العدد 603 - الجمعة 30 أبريل 2004م الموافق 10 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً