العدد 626 - الأحد 23 مايو 2004م الموافق 03 ربيع الثاني 1425هـ

وزير جديد... وزارة جديدة!

غسان الشهابي comments [at] alwasatnews.com

المتابع للتطورات التي حدثت لوزارة الداخلية منذ عام تقريبا، وتحديدا منذ أن تم تعيين اللواء الشيخ دعيج بن خليفة آل خليفة في منصب وكيل الوزارة، يشعر أن تغيرا إيجابيا آخذ في التصاعد، وخصوصا فيما يتعلق بطبيعة معالجة بعض الملفات، وخصوصا ما صار ينقل عن ضباط الوزارة من قدرتهم على ضبط النفس، ومحاولة علاج الكثير من الانفلاتات التي تحدث، والروية وشيء من الحكمة التي فصلت صورة ضابط الأمس عن ضابط اليوم، وربما كان ملف إضراب سجن جو في العام الماضي خير مثال على ما أذهب إليه.

فعلى رغم الكثير من الدعوات المؤسفة من قبل بعض الصحف للضرب بيد من حديد على رؤوس القائمين على الإضراب، وعلى رغم استفزاز بعض الجهات المراقبة لوزارة الداخلية وتحميلها المسئولية كاملة عن كل ما حدث، أخذا بالإرث القديم، فإن معالجة الملف كانت موفقة إلى حد بعيد.

وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، قام جهاز الأمن محليا بأعمال جليلة، في حفظ الأمن والنظام، وضبط السرقات، وحفظ الأموال العامة والخاصة، وصون الأعراض، وإحباط محاولات لتهريب الممنوعات، وهذا ما أقيم هذا الجهاز من أجله، وفي المقابل حدثت خروقات لا تغتفر، وأطلقت يد عدد من الضباط ومن دونهم أيضا في استغلال الناس، وتخويفهم وابتزازهم، والتلويح لهم بالسجن إن هم فكروا في التذمر أو التمرد نتيجة هذه المخالفات القانونية التي يمارسها من توكل إليه مهمة حفظ القانون.

وإن لم تكن هناك إحصاءات دقيقة، ففي الملفات التي تعج بها الجهات الحقوقية المحلية والعالمية الكثير من القضايا بما يكفي أن يسيء لصورة رجل الأمن في بلد عرفت المدنية قبل غيرها من دول الجوار، ونما فيها حس النظام في وقت مبكر نسبيا.

صورة رجل الشرطة في الدول النامية وليس لدينا فقط هي صور الباطش المتسلط على الشارع، ويده التي تطال كل شيء، وبدلته الرسمية، وقدرته على زج من يريد في السجن، ومن دون أن يتجرأ أحد على السؤال... هي صورة نمطية، وعلى جانب كبير من الصحة، وكم ينقل أشخاص يأتون إلى البحرين بأننا هنا على رغم كل ما نعانيه ونشكو منه نعيش في «نعمة»، لأن ضابطا صغيرا في بلدانهم قد يرمي بأي شخص في السجن لأنه لم يقف له عندما دخل المطعم، أو كان ينظر في الضابط مدة وهو جالس في مقهى.

هذه الصور والقصص، لا تعني أن الأمر لدينا بخير على إطلاقه، لأن هناك دولا أفضل حالا منا، وليس عزاؤنا في النظر إلى من أوضاعهم أسوأ، ولكن عزاءنا أن نسبة أخرى من الضباط، لديهم من الروادع الشخصية لحسن تربية، وتفريق بين الخاص والعام، والسلطة وكيفية إدارتها، هم موجودون اليوم في مراكز مختلفة من وزارة الداخلية، وربما يصلون إلى مراكز أكثر حساسية ليتم التعويل عليهم في خلق صورة أكثر أمنا من رجل الأمن، وأكثر اطمئنانا له، وأكثر تعاونا مع الناس، ليكون لهم لا عليهم.

إن المهمة التي تواجه وزير الداخلية الجديد الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، ليست المهمة السهلة والمعتادة، فالتغيير الوزاري في أية وزارة أخرى تعني ربما تغيير التكتيكات والخطط لتنشيط العمل في هذه المؤسسة، ورفع إنتاجيتها، وتحسين خدماتها، بينما تحتاج وزارة الداخلية اليوم إلى أكثر من هذا، فهي أمام تحديات مختلفة ومتباينة، فتحتاج إلى أن يتم الكف عن إرجاع كل ثغرة أمنية وخصوصا السرقات التي يقال إنها تتزايد بشكل لافت عاما بعد عام إلى «دفن» قانون أمن الدولة، وإنه لو كان هذا القانون نافذا لما رأينا هذه السرقات والحوادث الغريبة، وهذا أمر يتندر به بعض رجال الأمن وكأنهم يقولون: «ذوقوا العذاب بما كنتم بموته تفرحون»، متناسين أن هذا القانون كان مختصا بأمن الدولة وليس أمن الناس، فلا علاقة للمخالفات المرورية أو السرقات أو حوادث القتل بـ «قتل» ذاك القانون، ولا مسوغ لربط هذا بذاك، إذ إن الجهازين مختلفان، وبالتالي فالمسألة الأمنية جد مهم تقويتها ورفدها بالكفاءات الذكية الفاعلة لتعمل على طمأنة الناس في منازلهم وأموالهم وأهليهم وأرزاقهم.

كما أن ملف النشاط الاجتماعي، المتمثل في المسيرات والمظاهرات والاجتماعات العامة، هو ملف حساس، قد ينجم عنه انفلات لا تحمد عواقبه إن لم يحسن التعامل معه وفق الضوابط وما يحدده القانون، وهنا نعيد الإشارة إلى «روح القانون» التي لها وقع مهم جدا في مجتمعنا، وإذا لم يكن هناك من يدعو إلى التسيب وتجميد القوانين، فإن مقابلة المخالفات بعقاب يفوق هذه المخالفات، سيكون محل إعادة نظر.

ومما هو عالق أيضا، تلك اللكنات واللهجات التي لا تمت من قريب إلى العربية أو العامية المحلية على تنوعها لأشخاص تتخذهم «الداخلية» رجالات لها في تنفيذ المهمات المختلفة، وتجد أصحاب هذه اللكنات والسحنات على منافذ مهمة من البلاد، في أماكن التعامل المباشر مع الجمهور، في الوقت الذي يشكو الناس من التعطل عن العمل، ويطمح قسم منهم في الانضمام إلى سلك الشرطة، مع مطالبة بالإكثار من المواطنين الشيعة في هذا السلك.

هذا إضافة إلى تعميق المبادئ الحقوقية في العمل اليومي لرجل الأمن ليعرف ما الذي عليه أن يفعله حين يوقف متهما، وحين يتصدى لمظاهرة، وكيف يتعامل مع مخالفة مرورية وما الذي عليه فعله حقوقيا في حين يضبط معاكسا أمام مدرسة للبنات... فكل هذه الأمور رسخت لدى الناس صورة قاسية لرجل الأمن، وجعلت بعضا ممن لديهم عقدة السيطرة والسادية يتشوقون للانضمام إلى الوزارة لتفريغ هذه الشحنات المركبة على خلق الله، ويستمتعون برؤية الأحداق تدور في محاجرها خوفا من بطشهم.

هناك قائمة شعبية بأسماء من يعتقد أنه أساؤوا استغلال مناصبهم بطرق شتى، وهناك قصص موثقة لانتهاكات حقوق الإنسان، وهناك أيضا أساطير كثيرة، وخيوط بالغة التشابك، التعامل معها صعب، ولكنه ليس مستحيلا.

المقربون إلى الوزير الجديد والذين عملوا معه في قوة الدفاع يرون فيه دقة وحرصا شديدين للوصول إلى المثالية في أداء العمل، يقولون إنه غير انفعالي وقادر على التعامل مع الظروف الصعبة بروية يحتاجها القادة عادة، ويشيرون إلى دأبه في العمل، وتقريبه للعاملين أيا كانوا، وإقصائه للخاملين أيا كانوا.

إن الصورة الجديدة التي تحتاج وزارة الداخلية إلى الخروج بها إلى المجتمع، كقوة حق وخير، تهدف إلى خدمة المجتمع والسهر على أمن أناسه، ستحتاج ولا شك إلى قدر كبير من الذكاء والمرونة، وقدر أكبر من العمل الجاد لتغيير التعاطي بين الطرفين، ستحتاج إلى جهد خاص لوأد الصور القديمة، والإعلان الرسمي عن نقطة تحول في سياستها وكوادرها بما يجعلها مهابة من غير قسوة، وحانية من غير لين

إقرأ أيضا لـ "غسان الشهابي"

العدد 626 - الأحد 23 مايو 2004م الموافق 03 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً