العدد 699 - الأربعاء 04 أغسطس 2004م الموافق 17 جمادى الآخرة 1425هـ

الإصلاح بنزعات فاشية

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

«جهاز للوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالوسائل الإعلامية والدعوية من دون إعطاء هذا الجهاز أية سلطة أمنية كما هو معمول به في بعض الدول الإسلامية المجاورة».

أضع الفقرة بين مزدوجتين لأنها مقتطفة من «أخبار الخليج» (9 يوليو/ تموز الجاري)، واتساءل: لماذا تقوم وزارة حكومية بإنشاء جهاز للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ من أين ستدفع كلفته؟ والأهم لماذا تتولى الحكومة هذه المهمة؟ ماذا سيفعل منتسبو هذا الجهاز؟ كيف سيتم اختيارهم؟ ما معايير هذا الاختيار؟

الخبر الذي انفردت به إحدى الصحف المحلية يقول إن الجهاز سيمارس عمله بـ «الوسائل الإعلامية والدعوية»، وإذا عرفنا الوسائل الإعلامية، فما الوسائل الدعوية التي سيمارس بها هذا الجهاز مهماته لأن الوسائل الدعوية متعددة.

الاقتراح جاء من النائب جاسم السعيدي وقدمه للجنة التشريعية بمجلس النواب وتقبلته وزارة العدل بصدر رحب بحسب الصحيفة التي بشرتنا بقرب إنشاء هذا الجهاز، ولكن أحداً من هؤلاء لم تستوقفه جملة من الإشكالات التي لا حصر لها يثيرها مثل هذا الاقتراح الذي تم التعامل به كمسلمة لا تقبل النقاش ولا الجدل.

في عرضها للمذكرة التوضيحية التي تقدم بها النائب السعيدي، تنسب الصحيفة للنائب السعيدي تأكيده على ما اسماه بـ «الأهمية البالغة لقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوبها في الإسلام». وفي معرض تأكيده يسوق آية من القرآن الكريم وحديثين للرسول (ص). ويمضي للقول: «لأن الإسلام شرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهدف صيانة الإسلام وحراسة المجتمع الإسلامي من الضلال والانحراف، فعن طريقهما تتم عملية تبليغ الرسالة لمن يجهلها، وعن طريقهما تتم هداية الضال، وعن طريقهما يرشد الإنسان إلى فعل الخير، وتتم مكافحة الشر والفساد، وتنمو روح اليقظة والحذر في الأمة تجاه أي شاذ أو غريب عن رسالتها أو فكرها».

الهداية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غبار عليه، ولكن إنشاء جهاز حكومي لهذه المهمة أمر آخر يدخل في صميم فهمنا القانوني لدور الدولة.

هل مهمة يقوم بها الأفراد أم المؤسسات الأهلية أم الحكومة؟ هل مهمة تتسم بالقسر عندما تناط بالدولة؟ ما قاعدة التفويض القانوني لهذا الجهاز لكي يمارس مهمته؟ ماذا سيفعل منتسبو هذا الجهاز لكي يمارسوا مهمتهم؟ هل سيجوبون الشوارع والطرقات أم سيصدرون الملصقات والكتيبات ويوزعونها على الناس؟ هل سيقومون بزجر أي شخص امرأة كان أم رجلاً أم شاباً إذا ما رأوا أمراً فيه لم يعجبهم؟

وهناك أسئلة أهم: ما مقاييس المنكر بنظرهم؟ من يحدد مقاييس المنكر الذي يتعين النهي عنه؟ ما التفويض الذي يملكه منتسبو هذا الجهاز لكي يعطوا انفسهم الحق في مخاطبة أو زجر أي شخص في الشارع؟ الأهم، من سيعطيهم الحق في تحديد مقاييس المنكر؟ وعلى ماذا يستندون في هذا كله؟ ما نوع هذا التفويض: دستوري أم قانوني أم عرفي؟ من هي الجهة أو الأشخاص الذين سيعطونهم هذا التفويض؟ وعلى أي أساس؟ واستناداً الى ماذا؟ هل استناداً للدستور أم الميثاق أم سيفوضون بقرارات إدارية أم باجتهاد خاضع للنقاش والدحض؟ ما التفسير القانوني والتبعات المترتبة للقول إن هذا الجهاز ليست له سلطة أمنية؟

كيف سيتم تصنيف موظفي هذا الجهاز؟ هل موظفون حكوميون ينطبق عليهم كل ما ينطبق على موظفي الدولة وأنظمة الخدمة المدنية أم هم متطوعون؟ إذا كانوا سيعاملون كموظفي دولة رسميين، فهل يعني هذا ان أي شجار أو صدام بين واحد منهم ومواطن أو مواطنة يعتبر تعدياً على موظف رسمي يساق بموجبه المواطن للمحكمة؟ وإذا كانوا متطوعين، فما مقاييس قبول المتطوعين للعمل بهذا الجهاز؟ من يحدد هذه المقاييس؟

من المؤكد ان هذه الاسئلة لم ترد في ذهن النائب السعيدي وأذهان النواب في اللجنة التشريعية بمجلس النواب ولا حتى في أذهان مسئولي وزارة الشئون الإسلامية، لهذا فإن التوضيحات التي قدمها السعيدي في مذكرته التوضيحية مليئة بالاستدراكات المسبقة التي سعى خلالها لطمأنة الجمهور قليلاً لكنه والنواب في اللجنة والوزارة أخفقوا أيما اخفاق.

بحثاً عن السلطة والإكراه

توجد في البحرين عشرات من الجمعيات الناشطة في المجال الدعوي. وتملك وزارة الشئون الإسلامية نفسها برنامجاً للارشاد الديني يمتد على مدار العام وبنشاطات وأشكال متنوعة. السعيدي يدرك ذلك جيداً والبحرينيون كلهم يعرفون ذلك جيداً، وهذا النشاط بات في صميم حياتهم اليومية. وهذا النشاط، نشاط أهلي تقوم به جمعيات أهلية مبني على مبادرات ذاتية وهو نشاط قديم وليس جديداً ومتنوع وذو إمكانات جيدة مالياً أو لجهة الكوادر التي تقوم به أو لجهة نوعية النشاطات نفسها التي تمتد حتى خارج البحرين. فلماذا يريد الشيخ السعيدي تحويل العمل الدعوي (وفي صميمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من عمل أهلي الى عمل حكومي تتبناه وتقوم به وزارة من وزارات الدولة؟

على رغم استدراكاته الكثيرة (يحترم حريات الناس، الدستور، الميثاق، ليست له سلطات أمنية... الخ)، فإن ما يريده السعيدي من الحاق المهمة الأهلية حتى الآن بالدولة هو اعطاؤها طابع الالزام والقسر الذي تتمتع به أجهزة الدولة والحصانة التي يتمتع بها موظفوها كموظفي حكومة.

إن القول إن الجهاز «لا يملك أية سلطة أمنية، كما هو معمول به في بعض الدول المجاورة والإسلامية» استدراك يبدو مثل الزلة، لأن الاحالة على الدول المجاورة تعني إحالة لنموذج غاية في السوء. لدينا السعودية وإيران، في الأولى النتيجة واضحة اليوم في هذه المؤسسة التي فرخت فكراً متزمتاً وتقف حجرة عثرة أمام أي إصلاح مهما قل شأنه. وفي الثانية هي محور انقسام عميق في المجتمع الإيراني ووسط مؤسسة رجال الدين الحاكمين أنفسهم. لا يريد السعيدي لمقترحه ان يبدو تأسيساً للتجربتين نفسها أو محاكاة لهما باستدراكاته تلك، ولكنه في الواقع لا يفعل سوى ان يضع نواة مشابهة لذينك النموذجين في جوهرهما: «القسر والزجر والالزام». أي بعبارة أخرى: جوهر مهمة جهاز الدولة كسلطة حصرية لكل وسائل الاكراه والقسر في المجتمع، فالقوة هي جوهر السلطة.

لا ينفع الاستدراك الآخر بالقول إن الجهاز لا يملك سلطات أمنية، هذه زلة أخرى لأن من بين أهم معاني السلطات الأمنية هي أعمال القسر ممثلة في الزجر والاستجواب والاعتقال. والسؤال: إذا كان هذا الجهاز من دون صلاحيات أمنية، فماذا سيفعل بالضبط خلاف ما يقوم به نشاط أهلي ممتد وعريض ونوعي تقوم به عشرات الجمعيات في طول البلاد وعرضها وفي وسط جميع أهلها من السنة والشيعة؟

آه نسينا الشيعة. هل سيكون الجهاز موحداً أم سنياً محضاً؟ هل سيخاطب الجهاز السنة والشيعة معاً؟ هل سيعطى موظفوه حق مخاطبة «الضالين» في الشوارع كل بحسب مذهبه أم انه من الوارد ان يقودنا موظفو الجهاز لكل أنواع سوء الفهم: موظف سني يخاطب مواطناً شيعياً أو العكس ويدخلان في جدل بشأن مقاييس المنكر؟ هل سيكون موظفوه من السنة والشيعة أم سنة فقط؟ أم ان علينا ان نتوقع ان ينشأ جهاز مماثل يشرف عليه مشايخ الشيعة؟ وهل سينشط الجهازان في كل البحرين أم ان مناطق عمل كل جهاز ستحدد على طريقة «عليكم بجماعتكم وعلينا بجماعتنا»؟ وعلينا لحظتئذ ان نتصور كيف سيؤدي موظفو الجهازين عملهم. هذا هو الخلل الخطير، طريقة الشيخ السعيدي وآخرون مثله في التعامل مع جهاز الدولة: «نصف لكم ونصف لنا» والضحية الأساسية هو مفهوم «المواطنة» نفسه. طعنة في الصميم لمفهوم المواطنة، ففي الوقت الذي لا يرد في الدستور والميثاق الذي يضعهما السعيدي من بين مفردات التطمين بشكل عرضي، إلا مفردة «مواطن» ولا ترد مفردة «شيعي» أو «سني»، فإن الشيخ وكثيرون مثله لديهم مفهومهم الخاص «للمواطنة» ومفهومة خاصة لجهاز الدولة.

الرغبة في الحاق مهمة مثل هذه بجهاز الدولة تنم عن خلل اساسي سأصيغه على شكل سؤال للنائب الكريم: لماذا تتعامل مع المجتمع كله وكأنه مجتمع خطايا وزلل وليس فيه سوى أفراد «ضالين» يحتاجون للهداية؟ لماذا تعتقد انه كلما تعلق الأمر بالدين والأخلاق والفضيلة فإن مقاييسهما ملك حصري لك؟

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 699 - الأربعاء 04 أغسطس 2004م الموافق 17 جمادى الآخرة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً