العدد 725 - الإثنين 30 أغسطس 2004م الموافق 14 رجب 1425هـ

لصوصنا تضامنوا معنا

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

بعد يومين من كارثة الاثنين الماضي، اتصل بي زميل يسألني عن رأيي في عدم حدوث أية سرقات في ظل الشلل شبه التام الذي اصاب الحياة لدينا جراء الانقطاع التام للكهرباء؟

لم أكن مستعداً للادلاء بحديث صحافي، لكن الاستنتاج قفز الى ذهني: «لصوصنا مازالوا هواة».

أليس هذا مدعاة للتوقف والدراسة؟ لماذا لم نسمع أي بلاغ عن سرقة وقعت في ذلك اليوم؟ هل يثير هذا فضول الباحثين الاجتماعيين وسواهم للبحث في واحدة من اكثر الظواهر التي دوختنا في السنوات الأخيرة؟

سمعنا وقرأنا كل أنواع الشكاوى منذ الاثنين حتى اليوم، لكننا لم نسمع ولم نقرأ عن حدوث أية سرقات. واذ يطرح هذا الامر نفسه، تذكرت الطريقة المليئة بالميلودراما التي كنا نتحدث بها عن السرقات قبل شهور، كنا نقول إن السرقات تطورت وأصبح اللصوص أكثر جرأة. وفي حادثين في مدينة الرفاع جعلانا نشعر بأننا نساير العالم أيضاً عندما استخدموا المسدسات في تطور هو «الاول من نوعه» مثلما تقول الصحف، لكن كارثة الاثنين تظهر مؤشراً بسيطاً على أن لصوصنا لديهم بقية من حسّ تضامن مع الناس في وقت الشدة. ربما يسرقونهم غداً، لكنهم على الأقل وفي ذلك اليوم أظهروا قليلاً من حس التضامن في المحنة.

هل تنشط السرقات لدينا بفضل عصابات منظمة أم بفعل مجموعة من الهواة؟ ما هو مقياس تطور جرائم السرقة لدينا؟ أعني مدى قدرتهم على تضليل الشرطة ودقة العمليات نفسها ومدى قدرتهم على اخفاء أية آثار قد تدل عليهم. ما هي الخلفيات الاجتماعية لمحترفي السرقات الذين خلف القضبان الآن أو الذين قضوا محكومياتهم قبل سنوات؟ ما هو المستوى التعليمي لهم؟ ما هي الفئات العمرية لهم؟ لماذا يسرقون؟ هل سألهم أحد هذا السؤال في بحث أو دراسة؟

عدم وقوع أية سرقة في يوم شلت فيه الحياة قد يكون مؤشراً بسيطاً ايضاً على أن لصوصنا لا ينتظمون في عصابات على قدرٍ عالٍ من الاحتراف وانعدام الوازع، بل انني اميل للاعتقاد بأن ما ينطبق على الناس ينطبق عليهم ايضاً. اعني أن لهم بيوتا انقطعت عنها الكهرباء وربما أهلاً يتعين الاهتمام بهم في يوم مثل ذاك.

العام قبل الماضي، نشطت موجة من السرقات المتلاحقة وكأنها بداية موسم ورحنا نسمع كالعادة الكثير من القصص. قيل إن بعضهم استخدم مواد مخدرة أطلقها من «بخاخ» كان يحمله على بعض الاهالي الذين تعرضوا للسرقة. وقيل إن بعضهم بخفة «سبايدرمان» هرب في إغماضة عين فور أن شعر أن هناك من اكتشف حركة مريبة في المنزل. قصص كهذه ردتنا حتماً إلى سنوات طفولتنا. كان لصوص تلك الايام على قدر أقل من المهارة لأن الاهالي كانوا في الغالب يستيقظون على أقل ضجيج، قدم زلت أو حتى حفيف هواء. في اليوم التالي كانت قصة السرقة التي لم تتم هي قصة الحي لأيام.

لصوص السنوات الأخيرة قد يكونون أكثر خفة ورشاقة من لصوص الامس، لكن السرقة في أي وقت تخفي وراءها جملة من الاسباب والدوافع والاوضاع الاجتماعية وجملة من الاختلالات التي تتعين معالجتها. فهي ليست هواية وليست مرضاً بل انحراف تتعين دراسته. وما جرى في كارثة الاثنين جدير بأن يقرع الجرس بقوة ويثير هاجس البحث والدراسة

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 725 - الإثنين 30 أغسطس 2004م الموافق 14 رجب 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً