العدد 728 - الخميس 02 سبتمبر 2004م الموافق 17 رجب 1425هـ

غزل... لكنه ليس عفيفاً

غسان الشهابي comments [at] alwasatnews.com

هناك من يجد في غفلة الصحافة وانشغالها بالمهمات الضاغطة يومياً، فرجة لكي ينفذ منها لتحقيق أغراض خاصة. لا يشك عاقل في هذا، ولكنه يصبغها بصبغة المهتم بالشأن العام، المحترق قلبه عليه، الماسح لدموع اليائسين، المثلج للقلوب التي أنضجها اليأس، وستبدي لنا الأيام المقبلات ما يخفى علينا من أغراض يتم التسخين لها منذ مدة، فهذا الصنف سيكون أكثر ذكاء وحكمة من أولئك الذين لن ينشطوا قبل موعد الاستحقاقات إلا بمدة قصيرة في حيلة مكشوفة.

ومنهم أيضاً من يدبج المديح السمج للسلطة، فيضع في ميزان حسناتها ما لم تقم به، ومن السلطة رجالٌ لا يحبون أن يمدحوا بما لم يأتوا من أفعال، على رغم أن المديح «سهل ومريح، يخدع، لكن بيضر»، كما قال أحمد فؤاد نجم ذات قصيدة.

وليس المدح في موضع المدح مذموم، ولكن أن يقال في الرجل مدح في غير موضعه، فإنه كمن يوجه نقداً إلى إنسان في غير موضعه، وكلا الأمرين يترفع عنهما الواثقون من أنفسهم من أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية.

ولكن هذا ما فعله أحد الكتاب غير الراتبين في إحدى الصحف المحلية، في ثنايا معالجته موضوع كيفية تصدي رئيس الوزراء صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، للانقطاع الذي حدث في ذلك اليوم المعلوم، كمن يدس رأسه خلسة وبـ «القوة» بين الأكتاف لكي يظهر في اللقطة فيتم السؤال عنه، فلربما يصادف أن يثير اهتماماً، من يدري؟!

فلقد شهدت البحرين تحركات سموه من وزارة الداخلية إلى وزارة الكهرباء والماء إلى وزارة الصحة، واطمئنان سموه على صحة المرضى وكبار السن، وفي ما نقلته الصحف بالكلمة والصورة واللمسة الإنسانية التي تغني عن أي مقال.

إلا أن صاحبنا أراد أن يبرز رأسه من بين الأنقاض والتصريحات والكتل والأوراق والكتابات ليلفت إليه الأنظار بما لا يليق، وبما يتنافى مع الحقائق، في غزلٍ أراد أن يوصله، وشاركته الجهة الناقلة بغرض يعلم الله وحده ما وراءه، حين كتب قائلاً: «وتنفيذاً لأمر سموه، فقد سمعنا أن أول المناطق التي أعيدت لها الكهرباء هي أحياء في المنامة القديمة والمحرق وعراد، وآخر المناطق هي الرفاع، وهذا أكبر مثال على الإيثار».

أي إيثار هذا الذي يتحدث عنه الكاتب؟! فرئيس الوزراء تعنيه أول نقطة في الحد، كما تعنيه آخر نقطة في رأس البر، وما بينهما من مدن وقرى وأحياء... من في منصبه ليس ابناً لمنطقة بعينها، وليس ممثلاً لها وليس حاملاً قضاياها معه أينما حل وارتحل، فمن هو في منصب وزير، يجدر به أن يكون ابناً للبحرين كلها، فكيف هو الحال برئيس الوزراء نفسه؟!

وهذه الفائتة التي فاتت الكاتب تتناقض بجلاء مع ما أورده البيان الرسمي الصادر عن وزارة الكهرباء والماء نفسها في ذلك اليوم «الأغبر»، إذ جاء في البيان: «... إذ تمت فعلاً إعادة أول المولدات بمحطة الرفاع لإنتاج الكهرباء إلى الخدمة في الساعة 9,29 صباحاً...» بينما بقي أناس حتى الواحدة من بعد منتصف الليل بلا كهرباء، وهذا يتناقض مع ما حاول الكاتب التوصل إليه عبر ربط غير دقيق للمقدمات بالنتائج، فلا أعتقد أن شخصاً في البحرين مواطناً كان أم مقيماً يجهل من هو سمو رئيس الوزراء، وما هي أفعاله ومواقفه التي باتت تحفظ عن ظهر قلب، وبالتالي، فمثل سموه لن يحتاج إلى من يلفق الحقائق، ويلوي أعناقها، ويحاول أن يستغفل القراء بهكذا مقال، فإذا كان العبث يتم بالتاريخ القريب جداً، والذي لاتزال أوراقه بعد على مكاتبنا، فالويل لنا من اللاعبين بالتاريخ الأقدم عبر ممارسة الغزل غير العفيف مع السلطة أياً كان شكلها وطبيعتها، طمعاً في شأن أو أعطية أو كرسي أو منصب أو حتى مجرد نظرة حنان.

كلما قارب اكتمال الأمل في تناقص فئة المدّاحين، وانصرافهم إلى ما هو أجدى وأنفع لهم وللوطن وللناس أجمعين، كلما خاب هذا الرجاء بمن يودون أن يتوصلوا إلى منافذ «السلطة» بمفهومها الأعم ويتنعموا بما لا يحلمون عبر ما لا يستحقون... حيلة قديمة، يكتب لها النجاح أحياناً، ولكن سقوطها مدوٍّ أيضاً

إقرأ أيضا لـ "غسان الشهابي"

العدد 728 - الخميس 02 سبتمبر 2004م الموافق 17 رجب 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً