العدد 758 - السبت 02 أكتوبر 2004م الموافق 17 شعبان 1425هـ

لا تبحث عن دواء... انتظر فقط!

عبير إبراهيم abeer.ahmed [at] alwasatnews.com

قالوا: «الحب دواء القلب»، وأقول: دواء الجسم العليل ماذا يا ترى؟... سيقولون: لكل داء دواء، وإن لم يخترع بعد فالله وحده كفيل بشفاء أي «معلول»... قلت: فلننتظر فرجه الكريم إذن، والدنيا كلها انتظار...

نعم الدنيا كلها انتظار... منذ خلقنا ونحن في انتظار... انتظار لحظة الولادة... الترعرع والنمو... التخرج... العمل... تكوين الذات... حمل المسئولية... إنشاء أسرة... الانتفاع بوحدة سكنية من الإسكان... وبين كل مرحلة وأخرى أيضا نحن في انتظار...

لحظات انتظارنا كلها قبلنا بها على مضض... وتجرعنا مر كأسها على أمل الوصول... لكن هل يستطيع المرء تحمل انتظار الموت؟

الموت... كلنا نترقب مداهمة ملكه لاختطاف أرواحنا في أية لحظة... وهذا أمر محتوم ولكل أجل كتاب لا يتقدم ساعة ولا يتأخر... لكن من كان لديه أمل في الهروب منه بمجرد «مداواة» من طبيب رحيم هل يستطيع تحمل مرارة الانتظار من دون أن ينقض على رقبة ذلك الطبيب متوسلا النجدة من الموت؟!

لا أظن أحداً يستطيع ذلك، وخصوصا إن كان المهدد بالموت شخصا قريبا من النفس والروح... ذلك الشخص الذي لا نستطيع ان نسمع منه كلمة «آه» فنجلس مكتوفي الأيدي، فما بالك بمن يكون بينه وبين الموت شعرة بالمستطاع تكثيفها إلى شعرات بمجرد كشف طبيب؟!

هرع أحدهم إلى المستشفى مصطحباً والدته التي تعاني بآلام لا يعرف مصدرها... تكرم الطبيب بالكشف عليها وأمر بأخذ الأشعة وإجراء بعض التحاليل... الحمد لله ويا رب خير... الطبيب وجد أن المريضة بحاجة إلى عملية جراحية فورية فليسارع ابنها بقطع موعد... ما شاء الله لقد قطع الموعد وتفاجأ بشكوى الجميع من تأخر المواعيد في المستشفيات والمراكز الصحية... فالموعد المستعجل سيكون بعد شهرين من الآن... شهرين فقط لا غير ولا شك أنهما سيمران بأسرع من البرق كما هي أيامنا كلها!

صاحب آخر اسود يومه جراء حادث «عدَّ بليغاً» تعرض له وصاحبه الذي أخذ ينزف دما جعل من صاحبنا يسارع بأخذه إلى أقرب مستشفى لإنقاذه... الحمد لله وجد من تبرع بنقله إلى المستشفى وإن كانت يبدو على ملامحه عدم الرضا والموافقة على طلب «ليس بخطره وإنما غصبا عنه»... المهم أنه أقلّ المصدومين بذلك الحادث الشنيع إلى المستشفى... بل إلى بوابة المستشفى وفر هارباً وكأنه «عامل عملة»... ووسط انشغال صاحبنا بصاحبه لم يعر ذلك الموضوع انتباها وإن كان قد شغل باله... وبعد هدوء العاصفة استفسر من أقاربه عن سر ذلك المتبرع الفار... فعرف منهم أن أي شخص لو كان مكانه لفعل ما فعله تجنبا لتصديع الرأس بأسئلة لابد أنها ستوجه إليه من قبل رجل المرور الذي أشرف على معاينة الحادث وكأنه هو من «عمل العملة»... فلننع ضمائرنا الحية التي قضت عليها قوانين المرور فجعلتنا نفر من نجدة إخواننا.

لنعد إلى صاحبنا الذي أخذ يستنجد بكل من حوله من أطباء وممرضين لنجدة صاحبه الذي أخذ يصرخ من الألم وفقد قدرته على المشي... الحمد لله وجد من يعينه ويهدئ من روعه ولكنه طلب من صاحبنا البطاقة السكانية للمصاب... وهنا كانت البلوى إذ المصاب لم تكن معه البطاقة في ذلك الوقت والممرضة مصرة على عدم مخالفة قوانين المستشفى والتي تمنع معالجة أي شخص من دون أخذ بياناته من البطاقة السكانية نفسها... ولا يقبل بأية بطاقة أخرى... نقدر لكم قوانينكم التي ما وضعتموها إلا لضمان سلامة الجميع... ولكني أحسبها ويحسبها الكثيرون ممن تعرضوا للموقف ذاته نهاية للجميع وليست سلامة!!

ما يصل إلى مسامعنا من حكايات مع مستشفياتنا بشتى تصنيفاتها وألوانها أمور تذهل العقول... وتثير أكثر من سؤال، وأهمها: أين يكمن العجز أو الخلل؟... نواجه الموت ونحن ننتظر موعدا الله العالم متى سيكون... نصارع الآلام والطبيب عاجز عن معرفة مصدرها... نمر بمواقف صعبة نفقد فيها تركيزنا وليس فقط بطاقاتنا السكانية فيرفضون معالجتنا من دونها... في مراكزنا الصحية أصبح «البندول» الدواء السحري لكل داء يصيبنا من قمة رأسنا إلى أخمص قدمينا... نذهب إلى قسم الطوارئ نجده مكتظَّا بالمرضى والكل يشحت سريرا هو في أمس الحاجة إليه وكما يرى ذلك طبيبه المعالج فلا يحصل لا على سرير مجاني ولا على غرفة بدم قلبه... حالات وحالات وحالات وكلها لا تجد دواء إلا «الانتظار»... فلا تجهدوا أنفسكم بالبحث عن الدواء بين المستشفيات والأطباء والأمر كله بأيديكم... انتظروا!

مع القراء

في خضم بحثنا وانتظارنا مساهمات جديدة لقراء تعودنا على لقياهم، وآخرين نكتشفهم كل يوم فتتاح لنا فرصة لقائهم للمرة الأولى... أجدنا نتساءل عن الحسنين: حسن الساري وحسن قمبر، بالإضافة إلى عبدالأمير الحايكي وغيرهم من رسامي الكاريكاتير الذين أتحفونا برسوماتهم لفترة وفجأة قطعوا الوصال... فعسى المانع خير؟

رسائل كثيرة تلقيتها أمس وقبله... بعضها أثلج الصدر ليس لمحتواها إذ غالبا ما يدمي القلوب، وإنما للتعبير الجيد والخط المعقول ما يعيننا على الفهم وشرب رشفة شاي بهدوء... وأخرى لا أستطيع إلا أن أقول أعاننا الله وإياكم على تحمل بلواها في خطها ومحتواها وأسلوب طرحها... ومع ذلك فلهم شكري، فما علمت يوما أن هناك من يتربص بي من الأعداء بهذه الصورة. ومن الله أطلب النصرة على مثل هذه الرسائل فأخرج رابحة لقلوب الجميع من دون استثناء

إقرأ أيضا لـ "عبير إبراهيم"

العدد 758 - السبت 02 أكتوبر 2004م الموافق 17 شعبان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً