العدد 841 - الجمعة 24 ديسمبر 2004م الموافق 12 ذي القعدة 1425هـ

بين «الهلال الإسلامي» و«الشرق الأوسط الكبير»

حروب الهويات

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

في العراق كما في فلسطين، وفي مصر كما في إيران، وفي تركيا كما في الباكستان هناك شعور عام يسود الشارع الشعبي، أي الرأي العام المحلي بأن «عدواً» ما يتهيأ وقد يكون قد أعد العدة لذلك منذ أمد بعيد للانقضاض على «هوية» هذا الشارع وخصوصيته. وإن هذه الهوية هي الآن محل امتحان «الصمود» واختبار القدرة على «الممانعة».

ومنذ أن تحدثت بعض الدراسات الأميركية عما سمّته في حينها بـ «الهلال الإسلامي» أو «قوس الأزمة» الممتد من سلسلة جبال الأطلسي عند مدينة طنجة المغربية - غرباً - إلى سواحل جاكرتا في إندونيسيا شرقاً - والشعور «الديني - القومي» لدى شعوب هذه المنطقة الممتدة عبر كل هذه المناطق الاستراتيجية المتوزعة بين قارتي إفريقيا وآسيا، يتنامى يوماً بعد يوم بأن «خصماً» يهدد وحدتها الكيانية «القُطرية» ناهيك عن وحدتها الكيانية كـ «أمة».

وليست مصادفة أن يتحول مشروع مواجهة «قوس الأزمة» أو «الهلال الإسلامي» الآنف الذكر من مجرد التذكير به والتنبيه إليه كـ «خطر محتمل» كما كان يجري الحديث عنه في نهايات القرن الماضي، إلى مشروع فعل سياسي يحمل مرتبة الصدارة في سلم أولويات الدول الكبرى الباحثة عن هيمنة «امبراطورية» على هذا «القوس» المتأزم عنوانه العريض «الشرق الأوسط الكبير».

وعند هذه النقطة بالذات تبدو الشكوك التي كانت ولاتزال تحوم حول هذه المشروعات القادمة من وراء البحار البعيدة، في محلها. ويبدو التوجس من وجود «خصم ما» يحاول سحق الهوية الدينية والقومية لتلك الكيانات بمحله أيضاً. كيف؟

ببساطة متناهية يقول المشككون والمتخوفون إنه لما كانت هذه المنطقة الممتدة عبر الهلال الأخضر الإسلامي في الواقع عبارة عن وحدة تاريخية - جغرافية - حضارية عنوانها العريض: العالم الإسلامي أو الوطن الإسلامي الكبير الذي ظل يحمل في داخله أو في طياته كيانات ثقافية وأحياناً حضارية خاصة بين عربية وفارسية وتركية وكردية وهندية وأخرى متفرعة أو متجاورة معها وإن كانت تحمل خصوصيات عرقية أو قومية أو دينية أو مذهبية شتى، لكنها تآلفت وانصهرت على مدى القرون الماضية في إطار هوية حضارية عريضة عنوانها «الإسلام» ذلك الدين والفكر والمنظومة العابرة للحدود والتقسيمات الضيّقة الناشئة حديثاً من بطن الحروب الاستعمارية الحديثة. فإنه ماعدا مما بدا حتى صار اسمها «الشرق الأوسط» ومن ثم الجديد وها هو اليوم يتحول ليصبح «الكبير»؟!

ثم ما الأهداف الحقيقية التي تقف وراء ربط هذا المشروع «الجيو - سياسي» المبهم والغامض بمقولة أو منظومة «الإصلاحات» المتعددة التي يُراد تعميمها على كيانات ذلك الوطن الكبير كافة من دون الحديث ولو بكلمة واحدة عن تلك «الدولة» أو الكيان الغريب المزروع في قلب ذلك الوطن الذي يُراد إصلاحه وهي «إسرائيل»؟!

بعبارة أخرى كيف يُراد من القيِّمين على الكيانات الممتدة كافة عبر ذلك الهلال الأخضر «إصلاح» أنفسهم وتغيير هوياتهم لتصبح «عابرة» للايديولوجيا والدين والهوية القومية والحضارية، بينما يتم بالمقابل التشريع والتقنين لكيان طارئ ومزروع بمثابة دولة دينية نقية اسمها «الدولة العبرية اليهودية»؟!

ثم يأتي بعد ذلك الأدهى منه ألا وهو تجريد الكيانات كافة من قدراتها المادية بعد سلبها قدراتها المعنوية، فيما يتم التقنين والتشريع للدولة «الدينية» الوحيدة المسموح لها في المنطقة بأن تكون مدججة بكل أنواع القدرة والتسلح بما فيه النووي وسائر أسلحة الدمار الشامل! كيف ولماذا؟! ولا ننسى أخيراً وليس آخراً فرض نسبة 11,8 في المئة من مكونات الاقتصادات المحلية لتكون إسرائيلية!

ألا يشكل مثل هذا بالنسبة إلى شعوب وأمم هذا الهلال شكلاً من أشكال الحرب الشاملة على الهوية؟

ثم أليس من حق شعوب وأمم هذه المنطقة الغنية بالخبرات والإمكانات والمقدرات أن تشعر بالغبن والظلم الفادح الذي يُمارس ضدها بما يرتقي إلى درجة الإرهاب الشامل ضد وجودها، ناهيك عن حدودها وسيادة بلدانها ووحدة أراضيها؟!

ثم ماذا يعني أن تتحول كل هذه الكيانات والأقطار التي ظلت متعايشة عبر القرون في إطار هوية حضارية راقية ومتقدمة «بقدرة قادر» إلى مجرد تجمع «للأقليات» القومية والعرقية والدينية والمذهبية؟!

وهل هذا التنوع العرقي والقومي والمذهبي غير موجود إلا في بلدان الهلال الإسلامي الأخضر؟! فإذا كان الجواب بالنفي وهو كذلك، فلماذا يشجع في بلدان «التقدم والرقي» على «الانصهار» وتمنع «الخصوصية» إلى درجة تسويغ القمع ضدها وصولاً إلى إعلان الاستنفار العام ضدها، بينما يشجع في البلدان النامية و«المتخلفة» على الانشقاق والقسمة والانفصال وتمنع وحدة الهوية والهوية الواحدة وصولاً إلى تشريع الحروب الأهلية والدعوة الفاضحة للفتن الطائفية والقومية والعرقية؟!

ثم بعد ذلك كله يطلق العنان للدولة «الدينية» النقية العرق والمذهب والدين والايديولوجيا لتستحوذ على الأرض وصاحب الأرض من دون حسيب ولا رقيب؟!

أسئلة كبرى تحمل أجوبتها في طياتها وكل جواب منها ليس سوى مشروع حرب متنقلة على الذات والهوية الحضارية والثقافية والدينية والقومية لشعوب وأمم دار الهلال الإسلامي الممتد من طنجة إلى جاكرتا. فهل ثمة من حق مشروع لدى هذه الشعوب والأمم العريقة بالمقاومة؟ وأين موقع مقولة «الإرهاب» على حقيقتها في ظل هذه المواجهة غير المتكافئة؟!

قد يقول قائل هنا إن هذا هو ما قد جنيناه على أنفسنا بفعل أعمالنا السابقة أو أعمال البعض من أبناء جلدتنا على الأقل، ولاسيما أولئك الذين صنعوا حوادث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. غير أن السؤال يتجدد هنا وبكل مشروعية: ومن المسئول الحقيقي عن حوادث 11 سبتمبر؟! أليس ظـلم أو إرهاب الدولة المنظم وعداوة الكيان «الديني» النقي من شوائب التعددية مجتمعة والمقيم خارج قوس الإصلاح يسبق كل ظلم وهو البادئ في العدوان على كل قيم العدالة والإصلاح والديمقراطية والتعددية في الهوية؟

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 841 - الجمعة 24 ديسمبر 2004م الموافق 12 ذي القعدة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً