العدد 93 - السبت 07 ديسمبر 2002م الموافق 02 شوال 1423هـ

الفارق بين أميركا و «إسرائيل»

تاريخية الصراع على فلسطين انتهت إلى مواجهة بين جيلين

محمد أبوالقاسم حاج محمد comments [at] alwasatnews.com

.

القضية الفلسطينية هي القضية الوحيدة في العالم التي تمتد مساجلاتها «الدينية» ثم «الحضارية» ثم «القومية» إلى ثلاث حقب في التاريخ البشري، ثم بعد ذلك تأتي الحقبة «الاستراتيجية» المعاصرة.

«فدينيا» ترجع المساجلات إلى خروج أبي الانبياء «ابراهيم» عليه السلام من «أور» الكلدانيين العرب في العراق باتجاه الأرض «المقدسة» في فلسطين الكنعانية والأرض «المحرمة» في مكة في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد، وما بين الأرضين مصر.

وتمتد المساجلات الدينية إلى خروج بني اسرائيل من مصر بقيادة موسى عليه السلام باتجاه الأرض المقدسة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

أما الصراع «الحضاري» فيرجع إلى ما كان بين المسلمين عربا وغيرهم من المسيحيين (الفرنجة) في حملات متتابعة وصفت «بالصليبية» طوال الفترة من 1097 إلى 1270 إذ شملت المشرق والمغرب أيضا. صراعات غلبت فيها المصالح «الدنيوية» على «الدينية» حين تداعى الفرنجة «لتحرير» القدس من أيدي «المشركين» و«الوثنيين» العرب - على حد زعمهم - وعينهم على ثروات المنطقة العربية وممراتها التجارية باتجاه آسيا صديقة الخلافة العباسية.

أما الصراع «القومي» فقد دشنه «الصهاينة» «العلمانيون» وليس «التوراتيين» منذ عقدهم لمؤتمرهم الصهيوني العالمي الاول في مدينة بازل في سويسرا في أغسطس/ آب العام 1897 ثم ركبوا موجتين.

الموجة الأولى وهي اتفاقات سايكس بيكو بعد الحرب العالمية الثانية التي جزأت الوطن العربي منذ توقيعها في 5 يناير/ كانون الثاني 1916 واسقطت الخلافة العثمانية في الثالث من مارس/ اذار 1924.

والموجة الثانية هي: «وعد بلفور» الصادر عن بريطانيا في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 1917.

وبموجب ذلك كله تأسست «إسرائيل» العام 1948 لندخل حقبة «الصراع الاستراتيجي» بعد أن جزأت جغرافية الوطن العربي السياسية إلى شطرين، عرب افريقيا وعرب آسيا، بامتدادها من البحر الاحمر إلى البحر الابيض المتوسط، ودخلنا طود المنازعات الدولية والاستقطابات التي انعكست نتائجها في حروب 1956 و1967 و1973 واجتياح لبنان في 1982.

ثم مضت المنطقة إلى «اتفاقات» كامب ديفيد للسلام بين مصر و«اسرائيل» في العام 1978، ثم مدريد بين العرب و«اسرائيل» في العام 1991، ثم «أوسلو» بين منظمة التحرير «واسرائيل» في 1994.

وبدأ تشكيل العالم أميركيا منذ خطاب بوش «الأب» معلنا «العولمة» في سبتمبر/ ايلول 1990، ثم خطاب بوش «الأبن» معلنا مكافحة الارهاب والحلف الدولي اقر تفجيرات سبتمبر 2001.

وتنامى التحالف الاستراتيجي بين العولمة الاميركية الصاعدة وجميع قادة «اسرائيل» لمكافحة «الارهاب الفلسطيني» و«الاسلامي» و«العربي» وفرض شروط «المواكبة» على «الانظمة» وعلى «منظمة التحرير»، وكلما ازداد جنوح الانظمة والمنظمة باتجاه المواكبة ومحاولات الاسترخاء ازدادت شروط المواكبة التي غدت جزرة تتدلى أمام حصان لا يلحق بها مهما «هرول» أو أسرع في الركض.

والمطلوب في النهاية - بعد كل ذلك - «التركيع المطلق»، ويعني تحديدا حصول «اسرائيل» على الأرض الفلسطينية من دون فلسطين. وانضواء كل العرب في ظل «الهيمنة الاسرائيلية الشاملة»، وما مشاريع «السلام العادل»، و«الأرض مقابل السلام» و«سلام الشجعان» إلا من تلكم الجزرة التي يركض من ورائها الحصان ولا ينالها.

مأزق المحللين:

ونتابع ونقرأ، فلدينا كل نماذج الفكر البشري حية، من بينها المثقف الثوري الملتزم عضويا بأمته العربية مثل «غرامشى» يحفر في طبقات المجتمع باحثا عن قاعدة اجتماعية للثورة والتغيير، مثله مثل «ناجي علوش» من قبل.

ومن بينها المثقف الذي يبحث، في جدل الواقع كعبدالله العروى عله يكتشف مكامن القوة المحركة للتغيير فلا يجدها إلا في «الثورة الثقافية» ولكن كيف... وبمن؟ وفي موازاته محمد جابر الانصاري الذي وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا وهو يبحث عن «المسار الخلدوني» لتطورنا، ومحمد عابد الجابري الذي صنف عقليتنا بين «برهانية» و«عرفانية» و«بيانية» في حين اهتم «ماركابي» في «اسرائيل» بتجاويف أخرى في عقلنا غير جذوره الفلسفية والكلامية.

وهناك الممتشق لحسام النقد الليبرالي، قبل الهزائم وبعدها، كجلال صادق العظم الذي لامس بقلمه «المحرمات».

وهناك من ركل كل ما هو قومي واممي وثوري ويساري وكذلك كل ما هو ليبرالي موزعا على الحقب المعاصرة، نهضوية اصلاحية كانت (1789 - 1940) أو قومية ثورية كانت (1940 - 1967) سيلا من الاتهامات، فهي في أسوأ الاحوال «متآمرة» وفي أحسن الأحوال «متأثرة» بالاجنبي المغاير لجذورنا الدينية والفكرية وطباعنا الحضارية.

وفي الخضم اللجي يبحث علماء اجتماعنا كعمار بلحس عن اشكاليات «السلطة المعرفية» في واقعنا التقليدي بحثا عن سلطة معرفية جديدة في واقع لم يتحرر من التقليدية بعد.

ويستصرخنا البعض للعودة إلى «ما كان»، فيتصدى لهم حسن حنفي - وبالالتزام الديني نفسه - ليعود بهم مجددا إلى «ما هو كائن» وراهن وما سيكون، عازفا من جديد على قيثارة علي عبدالرازق في «الاسلام واصول الحكم». وحنفي يدمن الكتابة والتفكير حتى في نومه وسباته.

كل هذا والقوم يبحثون في «الخروج من المأزق»، وعلى هامشهم من يجلد الذات و«الأمة» ويسلبها من قدرات التجدد والتجديد إلى ان تتحرر من نفسها فلا يكون أمامها إلا أن تسقط بكامل سؤتها عارية في بحار العولمة وليس أمامها سوى أسماك القرش أو «الفك المفترس».

وبخلفية كل هذا نجلس أمام شاشات التلفزة، لنشاهد «الزمن الحقيقي» وليس الزمن الافتراضي - بعد حين أو الذي يأتي في الاخبار بعد حين - كل مآسي الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي.

فنحن، بحكم النقل المباشر - في قلب الصراع وفي ذاته وفي موقعه، وكل الفارق أن الطلق الناري قد اصاب محمد الدرة ووالده ولم تنفذ شظاياه الينا.

كل هذا الكم المركب من «المفاهيم المتنافرة» ومناهج «التحليل المتباينة» إضافة إلى مسارات التاريخ ومساجلاته الدينية والحضارية والقومية وصولا إلى الاستراتيجية المعاصرة، ويتداخل بعضه في بعضه ثم ننظر إلى مباراة عرفات وشارون. من ينتصر على الآخر؟ وكيف تكون العلاقة بين فلسلفة القوة الشارونية المدعومة بعصر العولمة الأميركية، وفلسفة القوة العرفاتية المدعومة بالاستنكارات العربية للمنكر الاسرائيلي، من دون أمر ملزم بالمعروف ونهي فعلي عن المنكر، والمدعومة بالتحركات الدبلوماسية والمواثيق الدولية؟

الكرة في ملعب آخر

بين جيلين جديدين:

لأن الناس قد انصرفوا لملعب عرفات وشارون، واتسعت مشاهداتهم للحضور «الدولي» الكثيف على جنبات الملعب، يتابعون ايضا نوعية المشجعين لكل فريق وأدوات أو قرارات التطبيل والتزمير فقد فاتتهم أهم مباراة وفي أخطر ملعب وبين أهم لاعبين، تتساوى أعمارهم من جيل واحد جديد، نشأوا جميعا بعد العام 1967، أصغرهم في الفريق عمره عشرين عاما وأكبرهم في الثلاثين.

هذا الجيل الجديد الناشئ فلسطينيا واسرائيليا بعد العام 1967 لا علاقة له بجيل شارون اسرائيليا، ولا بجيل عرفات فلسطينيا ولا بالايديولوجيات العربية المعاصرة واختياراتها السياسية.

فجيل شارون يستمد فلسفة القوة من التراث الكلاسيكي للصهيونية منذ مؤتمرها التأسيسي العام 1897، كما يستمدها من «اللاهوت التلمودي» الذي يرجع إلى مرحلة «السبي البابلي» وليس الارث التوراتي. فجيل شارون مكون ايديولوجيا وعقليا بمنطق التحدي المطلق للآخرين والتركز على الذات مما يرسخ مفهوم التعامل الاسرائيلي مع المتغيرات التاريخية والدينية والاجتماعية والسياسية بمنطق «احتوائها» وفرض السيطرة عليها وليس «التعايش» معها إلا في حدود «توظيف» هذه المتغيرات بمنطق التحدي المطلق للآخرين، ليس نتيجة عجز الآخرين فقط ولكن حتى لو كانو على درجة ما من القوة، فمنطق جيل شارون في حال قوة الآخرين لا يتجه للتعايش - كما يفترض المنطق البراغماتي - ولكن للبحث في كل السبل لتدمير مصادر قوة الآخرين، علميا ودينيا وحضاريا واجتماعيا وسياسيا، أو في كل الابعاد.

وهذه معركة من شأنها استنزاف قدرات أي مجتمع في العالم يحاول أن يهيمن بمطلقه الآحادي على نحو شمولي، وإلا لما انهارت الامبراطوريات ولما انحسر الاستعمار ولما هزمت المانيا وايطاليا.

مع أن كبرياء أولئك كان أكثر تواضعا من كبرياء الموروث التلمودي الصهيوني والجيل الممتد في هرتزل إلى شارون عبر بن غوريون.

هذا الجيل التاريخي التقليدي يعمد لأن يحمل جيل 1967 الجديد من الشباب الاسرائيلي موروثه بالكامل، وبالكيفية نفسها التي حاور بها بن «غوريون» الكاتب اليهودي اسحاق دويتشر فبعد أن افاض دويتشر في الحديث عن الادب والسياسة ومتغيرات لغة تاريخية «ميتة حضاريا» رغما عن محاولات التطوير وعن فصيلة اللغات المنقرضة كالآرامية والأكادية والسومرية.

كباحثين عرب وأكاديميين لم نبحث اجتماعيا بعد في مكونات هذا الجيل الاسرائيلي الجديد، وفاقد الشيء لا يعطيه، فنحن لم نبحث بعد في مكونات جيلنا العربي الجديد نفسه، غير ان بعض الابحاث الاسرائيلية والغربية عموما توضح أن هذا الجيل متمرد على التنشئة التلمودية الصهيونية، ويرتبط بالحاضر الذي يعيش فيه بأكثر من الماضي، حتى أن محاولات التذكير بالمحرقة النازية ومآسي الشتات الأسرائيلي في العالم لا تؤثر فيه كثيرا، فهناك قطيعة معرفية تمتد إلى التراب والتاريخ.

لهذا تحاول المؤسسات السياسية والثقافية في اسرائيل «كبت» تطلعات هذا الجيل الجديد واجهاض أي محاولة من الرموز الشابة للتعاطي مع العصر وواقع المتغيرات وفهم الآخر والتعايش معه، وبالذات الآخر الفلسطيني من الجيل ذاته.

ولكن ومع كل قوى الضغط التقليدي لجيل شارون «تمرد» هذا الجيل وللمرة الأول ضد الخدمة العسكرية الالزامية، سواء داخل اسرائيل ضد الفلسطينيين وسواء في جنوب لبنان، كما يصعب حشد اعداد من هذا الجيل في اللقاءات الحزبية وحتى الانتخابية منها، وهذا الانصراف أثر في شعبية «حزب العمل» الذي يعتقد انه، بحكم ليبراليته وعلمانيته أقرب لهؤلاء الشباب من الليكود.

وبتأثير هذه التيارات الشابة دخلت مادة تدريس أشعار محمود درويش في المناهج التعليمية الاسرائيلية كمحاولة

للتعرف على الآخر الفلسطيني، وهناك اشعار سميح القاسم ايضا.

الجيل الفلسطيني على كامل التراب

في موازاة الجيل الاسرائيلي الجديد هناك الجيل الفلسطيني الجديد، الناشئ بعد العام 1967.

هذا الجيل ناشئ على كامل التراب الفلسطيني تحت هيمنة الجيل الاسرائيلي التقليدي الذي لم يحاول قط استيعاب واحتواء الجيل الفلسطيني الجديد بالكيفية التي تخطط لها مراكز الابحاث والدراسات الاجتماعية، أو بالكيفية ذاتها التي طبقت فيها الباحثة الأميركية روث بندكت نظرياتها في احتواء الشخصية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية ونشرت خلاصاتها في كتاب «الاقحوان والسيف».

وكذلك الباحثة مارجريت ميد ونعرف الآن من هي الشخصية اليابانية الجديدة بمعزل عن منطلق الامبراطور نصف الاله وابن الشمس وتقاليد الساموراي.

أميركا دجنت الجيل الياباني لأنها تريد احتوائه واستيعابه. اما عقلية الجيل الاسرائيلي القديم فهي لا تريد احتواء الجيل الفلسطيني الجديد ولا استيعابه، تريد ازاحته وبالمنطق القديم لأنها تريد الأرض من دون فلسطينيين، ولا تأبه للمتغيرات.

فالعقلية الاسرائيلية تراهن على التعامل مع هذا الجيل الفلسطيني بالكيفية التي تعاملت بها مع جيل 1948 حين اقصته جغرافيا عن وطنه باتجاه الدول العربية المجاورة.

ومن بقي من جيل 1948 في أرضه الفلسطينية في جزء من الضفة الغربية التي اتبعت للأردن، وغزة التي اتبعت لمصر، حرم عليه النطق باسم فلسطين أو حتى التفكير في دولة فلسطينية على ما يقطنه من أرض فلسطينية

العدد 93 - السبت 07 ديسمبر 2002م الموافق 02 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً