العدد 4762 - الأحد 20 سبتمبر 2015م الموافق 06 ذي الحجة 1436هـ

عيرتني بالشيب وهو وقار ،،، ليتها عيرت بما هو عار إن تكن شابت الذوائب مني ،،، فالليالي تزينها الأقمار !

شعري أبيض «ملَوْلَوْ”*

بقلم: أشواق العريبي - باحثة بيولوجية 

20 سبتمبر 2015

أبيات عاشت معنا، تغنينا بها، فهكذا رددناها ولربما أقنعنا أنفسنا بحلو كلماتها لا بِمُر حقيقتها!

بيد أن ما تحكيه أساطير الإغريق والرومان ينافي اعتباره وقاراً، خذ مثلا نيرون طاغية روما الذي أمات شعبه حرقاً كان يصبغ بياض شعره بعجينة أوكسيد الرصاص والجير المطفأ. التفاعل الكيميائي تنتج عنه كريستالات كبريتات الرصاص كانت تحيل الأبيض سواداً حالكاً!

أما الإسكندر ذو القرنين فكان أشد بأساً، حيث تخبرنا القصص بإنه كان يخفي قرنيه بشعره وقام بعدها بقتل حلاقه كتماً للسر!

إلى ألمانيا، حيث تناقلت الأخبار أن المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر كان يصبغ شعره بالحناء، وقد أقام دعوى قضائية ضد الحلاق الذي تحدث عن صبغ شعره بتهمة الكذب!

مواقف تتسم بالغرابة حينا وبالطرافة حيناً آخر، لكنها جميعا تحارب علامات المشيب.

الخجل، الجمال، الجاذبية، المظهر الشبابي، الأعراف المجتمعية، النضارة واللمعان، دوافع تقودنا لإخفاء شعيرات فضية تكاد تزاحم شقيقاتها الحالكات بشق الأنفس، نخفيها حتى وإن كان الثمن باهظاً كصحتنا مثلاً.

يشتعل الرأس شيبا، فيداهمنا قلق، إنزعاج، ضيق وعدم إرتياح وكأن كابوساً مريعا للتو قد حصل. كابوس تستحيل الإستفاقة منه إلا بصبغ البياض ألوانا. نهرع إلى أقرب المحال التجارية نبحث لهثاً بين الأقسام عن مستحضر تجميلي صف فوق أحد الأرفف وخُطت عليه عبارة بالخط العريض: لون شعرك، غير حياتك و تمتع!

أحبتي،،،

ذاك استمتاع زائف، مغشوش، ردئ وكاذب والأدهى نهايته الممرضة!!!

نعم،،

ففي أبريل من العام السابق كشفت دراسة أميركية نُشرت في مجلة إم. بيو المتخصصة أن مادة تريكلوسان (Triclosan)، وهي إحدى المواد المستخدمة في إنتاج مستحضرات التجميل، كصبغات الشعر، تشجّع على نمو وتكاثر بكتيريا من نوع ستافيلوكوكوس أوريوس (Staphylococcus aureus) في جسم الإنسان، الأمر الذي قد يشكل خطورة على صحته!

وللعلم فإن هذه البكتيريا تتواجد بشكل اعتيادي في حياتنا، وفي جسم الإنسان أيضًا، تحديداً على البشرة وداخل الفم والأنف، لكنها في الواقع لا تشكل خطرًا حقيقاً إلا عند حصول اختلال في جهاز مناعة الإنسان مثلا، أو ربما بسبب مرض مزمن، حينها يمكنها أن تتحول إلى سبب لإلتهابات خطيرة، قد تمتد بين التهاب في الدم وإلتهاب الرئتين وحتى الدماغ.

الطريف في هذه الدراسة، هو توصل الباحثين إلى أن مادة تريكلوسان، التي يستخدمها منتجو مستحضرات التجميل أساسا كمادة مقاومة للبكتيريا، أصبحت حاضنة لها!

حيث إنها تطور مقاومتها للمضادات الحيوية بسرعة عالية، ولعل أخطر أنواعها هو ذلك النوع المقاوم للميثيسيلين، أي المقاوم للبنسلين والأنواع القديمة الأخرى من المضادات الحيوية مما تتسبب بحالات وفيات عديدة في المستشفيات والمصحات يوميًا.

علاوة على ذلك، أشارت الدراسة أن للتريكلوسان القدرة على لصق البكتيريا بالبروتينات البشرية وتثبيتها بها، مثل الكولاجين (بروتين العظام والأنسجة والغضاريف) والكيراتين (بروتين الشعر) والفايبرونكتين. هذه الخاصية تمنح ستافيلوكوكس القدرة على التكاثر داخل الأنف ويمكن لهذا التجمع أن يكون خطيرًا لقرب الأنف من الدماغ، ولترابط الأوعية الدموية بينهما مسبباً لحالات صداع وضعف في البصر ناهيك عن أزمات الإنفلونزا المتكررة.

إجمالاً مما تقدم، فقد آن لنا أن ننزع قناع البراءة الوهمي المصطنع عن الوجه الإعلاني المضلل لصبغات الشعر المستحضرة كيميائيا. وإن بدت البدائل الطبيعية خياراً أفضل، إلا إن بعضها لا يخلو من مواد عطرية تثير الحساسية عند احتكاكها بالجلد.

ختاماً،،،

وتذكر دائماً إن جمالك الداخلي عنوان صورتك الجميلة، لا شعرك الأبيض مجعداً كان أو تالفاً، أشقراً ذهبياً أو أسوداً فاحماً، أحمراً أشهباً ، بخصلات متموجة أم أملساً.

دمتم أجمل و أجمل...

*ملَوْلَوْ : لفظة عراقية تطلق على الشعر المجعد أو الملتوي.

العدد 4762 - الأحد 20 سبتمبر 2015م الموافق 06 ذي الحجة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً