العدد 4785 - الثلثاء 13 أكتوبر 2015م الموافق 29 ذي الحجة 1436هـ

وداوني بالتي كانت هي الداء!

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

لقد بات الجميع يدرك أن المناقشات الحامية حول رفع الدعم عن اللحوم، لم تعد تتعلق فقط بارتفاع سعر هذه الحاجة الغذائية أو تلك، وإنّما بما سينعكس على مجمل حياة المواطن، مع دخول البلد في أزمة اقتصادية خانقة، بات يستشعرها تسعون في المئة من المواطنين.

في الورقة التي قدّمها حسن العالي، في منتدى الوفاق مساء الأحد الماضي، أكّد مسألة التمثيل الشعبي الحقيقي، حيث ربط بينه وبين رفع الضرائب، استلهاماً من التجربتين الفرنسية والبريطانية: «لا ضرائب بلا تمثيل». وهو المبدأ الذي تكرّس في الولايات المتحدة بعدما استقلت عن الاستعمار البريطاني، كما تكرّس في بقية الدول التي تنعم حاليّاً بديمقراطية حقيقية، يكون للشعب فيها صوتٌ في رسم سياسات بلاده الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الفكرة «الضرائب مقابل التمثيل (الشعبي الحقيقي)» تبدو غير مطروحة في منطقتنا العربية حتى الآن، فلا توجد مساءَلةٌ للحكومات، ولا يؤخذ برأي الشعب. وحتى البرلمانات باتت جزءًا مشلولاً وعاجزاً عن القيام بوظيفته الأصلية، وهي مساءلة السلطة والدفاع عن مصالح الشعب. وبالتالي حتى لو تم رفع الضرائب، فلن يكون هناك تمثيل شعبي ولا هم يحزنون!

الأزمة الاقتصادية إذاً هي الوجه الآخر للأزمة السياسية، وكلتاهما تغذّي الأخرى، وتطيل أمدها وتزيدها تعقيداً. والأزمة الاقتصادية ليست لعبة أرقام ومجرد «رفع دعم» يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وإنّما هي أزمة مجتمع وسياسة.

وقد قدّم النائب السابق عبدالجليل خليل قراءة في تقارير ديوان الرقابة المالية، بما تضمنته من مخالفات ونماذج للهدر المالي. واليوم لدينا 12 تقريراً سنويّاً، أولها كان في حدود 400 صفحة، وبلغ آخرها 700 صفحة، إذ يبذل ديوان الرقابة جهداً فنيّاً كبيراً لرصد المخالفات المالية والإدارية في مؤسسات الدولة ووزاراتها.

خليل استحضر في ورقته العديد من الأمثلة التي يتكرّر ذكرها في التقارير، من دون معالجةٍ حقيقية تُذكر. فالسلطة تعاملت مع «المخالفات» باعتبارها مجرد «ملاحظات»، وأمرت الوزارات بتجهيز «رد» مكتوب على كل تلك «الاتهامات» المزعومة، وكأن شيئاً لم يكن. وهكذا كنا نشهد تقاطر الردود من الوزارات والهيئات الرسمية لنشرها في الصحافة ليأخذ الرأي العام علماً بذلك!

اليوم، وفي حين نسعى إلى توفير مبلغ 28 مليون دينار في السنة، فإن للحكومة مبلغاً قدره 175 مليوناً، في ذمة شركة طيران الخليج، كمستحقات غير مدفوعة. وكان للحكومة مبلغ 30 مليون دولار متراكمة على شركة «طيران البحرين» قبل تصفيتها، لم يتم استيفاؤه. وكان للحكومة مبلغ 52 مليون دولار في ذمة «شركة ألبا»؛ وفي ذمة البتروكيماويات مبلغ 8 ملايين دينار. وحين يوصي تقرير لجنة الرقابة المالية وزارة المالية باستيفائها، ترد الوزارة: «لقد أرسلنا تعليمات بذلك»، فيرفع التقرير توصية في العام التالي: واصلوا المطالبة.

يذكر خليل أن أوضاع هذه الشركات لم تتغير لعدة سنوات، بل إن خسائر طيران الخليج كانت تساوي موازنة وزارة الصحة لأربع سنوات، إذ دفع إلى الشركة حوالي 900 مليون دينار. كما أن هناك مسألة أخرى بخصوص ما توفّره الحكومة للشركات الكبرى، من خلال دعم الغاز، ويقدر بـ 750 مليون دينار. فهذا الدعم المفتوح للشركات لم تتم مراجعته، وإنّما فكّرنا بوقف الدعم للبند الخاص بغذاء المواطن، وهو ما سيزيد - مع ما سيتلوه - الوضع الاقتصادي صعوبةً لأكثرية المواطنين، في بلدٍ سجلت فيه 118 ألف أسرة للحصول على مبلغ التعويض عن اللحوم.

في التعقيب الأخير لعبدالنبي سلمان، قال: «ليس هناك بلدٌ في العالم يقبل بأن يخصّص التأمينات الاجتماعية، وهي كارثة كبرى؛ لأنها تتعلق بمستقبل المواطنين، والتسريب بأن رفع الدعم بعد اللحم، سيصل إلى الماء والكهرباء والخبز وخدمات أخرى، سيغيّر وضع الشارع، ويجب أن تدرك الدولة أن الاستقرار الاجتماعي جزء من مسئوليتها. الجدية مطلوبة، لكن الشعارات لا توفر أموالاً للخزانة العامة». وهذا ما يأمله الجميع، بدل معالجة الأمور على طريقة: «وداوني بالتي كانت هي الداء».

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 4785 - الثلثاء 13 أكتوبر 2015م الموافق 29 ذي الحجة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 9 | 11:48 ص

      التوظيف في القطاع العام

      نتمنى من الاستاذ قاسم حسين أن يتناول في مقالاته القادمة موضوع التوظيف في القطاع العام حيث كثير من المتقدمين على طلبات في ديوان الخدمة يعطون رقم طلب لا يستفاد منه للمراجعة او التقديم على وظائف . ناهيك أن فترة الانتظار للحصول على وظيفة قد تمتد الى اجل غير معلوم ولا يتم الاعلان عن اسماء المقبولين في الجرائد كما في دول شقيقة كالكويت مثلا ...

    • زائر 8 | 2:37 ص

      اكثر

      اكثر ميزانية الشعب تدهب الى الامن لقمع الشعب على الي صرفوه على الامن
      للحين ماقدرو يوقفو الحراك الشعب صموود وصموده من عند الله
      الله ياخد الحق

    • زائر 7 | 2:36 ص

      يا ليت يسمعون كلام الصح

      ليس هناك بلدٌ في العالم يقبل بأن يخصّص التأمينات الاجتماعية، وهي كارثة كبرى؛ لأنها تتعلق بمستقبل المواطنين، والتسريب بأن رفع الدعم بعد اللحم، سيصل إلى الماء والكهرباء والخبز وخدمات أخرى، سيغيّر وضع الشارع، ويجب أن تدرك الدولة أن الاستقرار الاجتماعي جزء من مسئوليتها. الجدية مطلوبة، لكن الشعارات لا توفر أموالاً للخزانة العامة

    • زائر 4 | 1:51 ص

      ما حصلو توفير غير مضرة الناس ؟؟

      يعني يقولون حق الشعب لا تاكل خلنا نوفر ؟؟ يعني يروحون يسوون تبرعات خارج الدول ويسوون حفلات وسهرات ويدعمون الشركات الاجنبيه وغيرها كل هذا ما يوفر ليهم فلوس ؟؟ بس اكل فلوس الشعب واللي يفيد الشعب هو اللي بيوفر ليهم الميزانيه ؟؟ لمتى الظلم راح يستمر ؟؟ وفلوس البترول مال جم سنه الزايده وين صرفوها ؟ من اخذها ؟

    • زائر 3 | 1:39 ص

      كل العقول والخبرات البحرانية معطّلة ومبعدة عن مصادر القرار

      لدينا عقول وخبرات تنال من العالم التقدير والمكانة التي تستحقها لكنها في بلدها مهملة ومركونة فقط لانها تطالب بالمشاركة الشعبية في صنع القرار.
      لم يخلق الله ارضا او سماء خاصة لناس دون آخرين ، لم يتطور الي عالم واي بلد وهو يبعد اصحاب الخبرة والعقول واهل الاختصاص من موقع القرار

    • زائر 2 | 1:31 ص

      رب ضارة نافعة

      لعل ازمة رفع الدعم تفتح عيون من قال الله لا يغير علينا.
      واما بالنسبة لديوان الرقابة المالية فهم يقومون بعمل جبار ولكن حالة الإحباط التي منو بها جعلتهم لا يأخذوا الامور على ما تستحقه أي لا رأي لمن لا يطاع.

    • زائر 1 | 12:09 ص

      توفير للميزانية

      بتجويع الشعب وارهاقة بالمزيد من الضغوط المالية

اقرأ ايضاً