العدد 4875 - الإثنين 11 يناير 2016م الموافق 01 ربيع الثاني 1437هـ

عالم مشحون بالتوتر

وسام السبع wesam.alsebea [at] alwasatnews.com

لا يوجد في الوقت الحالي أي ملجأ يعصمك من انهمار الأخبار عليك صباح مساء، وحين تكون عربيّاً يعيش في أرض عربية فعلى الأغلب أن الأخبار السارة ستكون شحيحة، وشحيحة جدا إن لم تكن شبه نادرة في منطقة يسودها الجهل وتفتك بها شهوة الدم والهلوسة الدينية، والغباء السياسي وكل ما تفرزه غياب إرادة الناس ومشاركتها في صنع قرار إدارة شئون حياتهم، وتلك الفوضى التي سمّاها عالم الأقوياء ذات مرة بـ «الفوضى الخلاّقة» ذلك أنها تخلق له بالفعل فرصاً لهجرة الأدمغة العلمية إلى عالم يحترم العلم ويرعى الابتكار، فوضى تفتح سوقاً واسعاً وشرهاً لأدوات الموت ويبتلع أحدث منتجات مصانع السلاح الأوروبية والأميركية حتى نتمكن نحن المسلمون جدّاً الورعون جدّاً من إدارة معاركنا المقدسة بطريقة حضارية تأخذ بنظر الاعتبار مستوى التصنيع المتقدم لأدوات القتل والدمار لنصفي فيها حساباتنا التي لا تنتهي منذ أيامنا المجيدة في داحس والغبراء وحروب الأربعين سنة وعبقرية قطع الطرق وفهلوة السلب والنهب في الصحاري والقفار.

ولا أعرف كيف يمكن للمرء في هذا العالم المجنون أن يحافظ على هدوئه واستقراره وطمأنينته وسلامه النفسي؟ هل يتجنب الأخبار التي تتسرب من بين ثقوب وأضلاع نظام الحياة المعاصرة؟ أم يقتل في داخله أي إحساس فطري بالتضامن مع قضايا العالم والمعذبين في الأرض؟

على أنني لا أعتقد أن في مقدور الإنسان مهما يكن منطوياً وعزوفاً أن يغمض عينيه وهو يمشي، أو يصم أذنيه وهو جالس، فنظام الحياة المعاصرة يقوم اليوم على تقنية الاتصال والتواصل، وهو نظام يتيح خيارات لا حصر لها ليربطك ويشدك شدّاً بالواقع، وعليك مرغماً أن تواكبه وتعيش أحداثة لحظة بلحظة، وأنت إن لم تذهب إلى الأخبار أتتك، وإن عزفت عنها منصرفاً لاحقتك، وإن لم تكن وكالات الأنباء وحساباتها المتعددة في الشبكة العنكبوتية فأصدقاؤك وجيرانك وزملاء العمل الذين يتبرعون من تلقاء أنفسهم بتزويدك أو (غثّك) بالجديد مشوفعاً بكلمة «عاجل» حتى تكتمل عملية «التنكيد» و»إقلاق» راحتك، فيصلك كل ما يطرأ على خيالك بالصوت والصورة: مشاهد نحر وتعذيب دموية، تنظيم الدولة يعدم خمسة جواسيس، مراهق يعذب حماراً قبل أن يقذفه من فوق جسر في نهر عميق، أوراد دينية ومواعظ تحثك على أن تكون مسلماً صحيح الإيمان، صباح الخير (يوميّاً)، مساء الخير (يوميّاً أيضًا)، غرائب وطرائف عبر العالم، انفجار عبوة ناسفة تقضي على أشخاص متجمعين، وتحيلهم إلى رماد في بضعة أجزاء من الثانية، سيارة مفخخة تنشر الدمار في الضاحية الجنوبية أو بغداد، استهداف مسجدا شيعيا مزدحما في جنوب باكستان بالتفجير، والقائمة تطول وتطول.

كيف يمكن أن يتخلص المرء من كل هذا الصداع اليومي؟

كيف يمكن أن يحظى بلحظة صفاء ذهني؟ وينعم براحة وسلام نفسيين؟

سألت نفسي عشرات المرات هذا السؤال، وأنا أعرف أناساً يصرفون ساعات طويلة من يومهم أمام شاشات التلفزيون أو أمام هواتفهم الذكية في متابعة الأحداث السياسية عبر العالم لحظة بلحظة، وكأنهم منذورون لتخليص العالم من شرور ساسته وتجار الحروب فيه. وهذا صنف من الناس اتخذ من هذا العمل هواية وتسلية، ربما ليطرد عنه تهمة النقص الوهمية التي تتربص به، وكثيراً ما يلفت نظري هذا الصبر الخرافي عند هذا الصنف من الناس على تلقي كل هذه الأخبار المحبطة التي تنزلق بلا رحمة كوابل من الرصاص الطائش من جهة العدو دون أن يفكروا حتى بمجرد الانزواء قليلاً للتفكير في نتائج هذه التطورات التي تجري والملطخة بالدم والعار والجريمة، أكثر الأشياء انتشاراً عالمنا العربي.

هذا الاستسلام الأبله أمام الشاشة ووسائل الاتصال الاجتماعي يرسخ حالة من البلادة والإحساس بانعدام الجدوى، الكثير من هذه الأخبار، بل الكثير الكثير منها، يغمر الإنسان وينسيه دوره في الحياة ومسئوليته فيها، مكتفياً بالتفرج على الأحداث من عالمه أو قبوه الخاص. في حين أن الدور المفترض لوسائل الإعلام أنها تحيطنا بالجديد لتضعنا أمام مسئوليتنا وليس العكس.

وما يهمني هنا، مجددا، محاولة الإجابة عن السؤال الآتي: كيف يمكن أن يعثر الإنسان على سلامه الداخلي؟ كيف وهو يعيش في عالمٍ ينعدم فيه السلام ويتناقص فيه الأمان الاجتماعي والشخصي يوماً بعد يوم وتتزايد فيه المخاطر المحدقة بمجتمعاتنا؟

شخصيّاً، أجد سلوى وعزاء في كتب علم النفس، فهي إن لم تقدم إجابات أعطت معلومة طريفة، وإن لم تعالج مشاكلنا خفّفت من حدّتها على الأقل، أو قدّمت تفسيراً مبسطاً لسلوكنا المعقّد أمام التحولات المختلفة والمواقف المتعددة في الحياة.

وقد وجدت أن عبدالستار إبراهيم في كتابه «السعادة الشخصية» يقول إن ضغوط الحياة ليست كلها سلبية؛ فهناك ضغوط إيجابية، وبعبارة أخرى فإن درجة معينة من الضغط ضرورية للفرد؛ لأنها تحفزنا للعمل والنشاط وبالتالي تزيد من طاقتنا الفكرية والانفعالية لأداء المتطلبات المختلفة الملقاة على عاتقنا، ويشرح أن درجة معينة من الضغط ضرورية للفرد لأنها:

تحفز للنشاط والعمل.

تجعل الفرد أكثر تفكيراً واهتماماً بما يريد.

تساعد على مزيد من التركيز المطلوب لأداء العمل على نحو جيد.

تيسر له التعبير عن الانفعالات والمشاعر.

تشعرنا بمتعة العمل والانجاز.

تساعدنا على الشعور بالسلام والنوم بشكل جيد ومريح عند القيام بانجاز العمل.

لكنه يشير إلى أن الخطر الأكبر في الضغوط يكمن في «تزايدها وتراكمها». وعندما يحدث ذلك، يقع الإنسان فريسة سهلة للتوتر النفسي الحاد والمستمر.

إقرأ أيضا لـ "وسام السبع"

العدد 4875 - الإثنين 11 يناير 2016م الموافق 01 ربيع الثاني 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 8:30 ص

      احسنت

      موضوع جدا معبر عما حولنا وياريت اسم الكتاب الي ذكرت منه المعلومات استاذي

    • wessam abbas زائر 1 | 9:13 ص

      شكرا لاهتمامك
      اسم الكتاب السعادة الشخصية في عالم مشحون بالتوتر وضغوط الحياة للدكتور عبد الستار ابراهيم ضمن سلسلة كتاب الرياض

اقرأ ايضاً