العدد 4907 - الجمعة 12 فبراير 2016م الموافق 04 جمادى الأولى 1437هـ

إيران وخريف العمر

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قبل أيام تحدثتُ عن الخلافات التي تدور داخل إيران حول الترشيحات المرفوضة لانتخابات مجلس الخبراء. والحقيقة أن ذلك الجَدَل الذي أشرتُ إليه ما هو إلاِّ القشرة التي تُغطي واقعاً يحكم مؤسسة السلطة ورؤيتها لتلك الانتخابات التي من المفترض أن تأتي بأعلى هيئة رقابية في إيران للسنوات الثماني القادمة.

كل مَنْ تابع المواقف المتعددة لأقطاب دينية وسياسية في المدن الإيرانية الرئيسية يُفهَم منها أن هناك هَوَساً في النظرة إلى هذه الانتخابات كونها ستأتي بمجلس مرتبط بمؤسسة المرشد الأعلى فضلاً عن كون أعضائه من رجال الدِّين وبالتالي فهو يرتبط بالشّق الديني للدولة.

مساعد رئيس مكتب المرشد الأعلى للشئون الدولية حجة الإسلام محسن قمي (وهو أيضاً عضو في مجلس الخبراء المنتهية ولايته) قال في أحد اللقاءات: «البعض يحاول إضعاف مكانة مجلس الخبراء، وهؤلاء يجب أن لا يعتبروا أنفسهم معياراً للثورة».

أحد فقهاء مجلس أمناء الدستور وهو آية الله محمد مؤمني قمي قال معلقاً على حديث البعض لإحداث تغييرات في تركيبة مجلس الخبراء قائلاً: «لقد وضع مجلس أمناء الدستور القيود اللازمة. لن يحدث أي شيء. ماذا يريد أن يفعل هؤلاء؟ نحن لا نجامل أحداً ولن نتراجع أمام أي شخص لكي يأتي أحد وينال الصلاحية خلافاً للقانون».

عضو مجلس الخبراء المنتهية ولايته آية الله إسلامي قال: «مجلس أمناء الدستور لن يرضخ لبعض الضغوط السياسية في دراسة ملفات المتقدمين للترشح. إن مجلس الخبراء له مكانة خاصة لا يمكن المس بها أو بقوانينه الداخلية، لأن هذا المجلس يشرف على أداء القائد. وهناك بعض الأطراف المدعومة من الغرب تحاول التغلغل إلى أركان النظام ومؤسساته لتسيطر على بعض مراكزها».

الحقيقة أن هذه التصريحات ليس لها إلاّ تفسير واحد وهو أنها تعني ذات الأشخاص الذين رُفِضَت طلبات ترشيحهم. بالتأكيد فإن هناك 327 رجل دين رُفِضَ ترشّحهم، ورُفِضَت طعون بعضهم لكن أغلب الجدل قد دار حول الشخصيات البارزة مثل محمد كاظم موسوي بجنوردي عضو اللجنة المركزية لتجمع روحانيون مبارز، ورسول منتجب نيا نائب رئيس حزب اعتماد ملي، ومجيد أنصاري مستشار الرئيس الإيراني للشئون البرلمانية، وحسن أحمد الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني وهو الأهم (ككاريزما أسرية) بينهم.

فإن كان المقصود هم هؤلاء فعلى الذين صرّحوا بتلك التصريحات أن يُفسِّروا للإيرانيين ماذا يعني أن يُتّهم هؤلاء بأنهم مدعومون من الغرب أو أنهم يريدون تغيير تركيبة المجلس، في الوقت الذي يتقلد بعضهم مناصب مهمة كمجيد أنصاري الذي هو مستشار الرئيس الإيراني للشئون البرلمانية، وأيضاً عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام!

وإن كان المقصود هم المحسوبون على التيار المحافظ مثل كاظم صديقي إمام جمعة طهران، ومهدي طائب قائد مقر عمار لمكافحة الحرب الناعمة، ومصطفى بور محمّدي وزير الداخلية الأسبق ووزير العدل الحالي، ورضا تقوي رئيس مجلس سياسات أئمة الجمعة، ومرتضى طهراني عضو الهيئة العلمية في مؤسسة الإمام الخميني فإن المشكلة أعمق، مع وجود هؤلاء في أماكن حساسة، على الرغم من أن رفضهم ربما جاء لتخفيف الضغط على مجلس أمناء الدستور، كي لا يُتّهم بالحيُّز ضد المعتدلين كما يقال.

وبعيداً عن هذا الإشكال الذي سبّبته «لغة خشبية» من بعض المسئولين الإيرانيين يجب أن أشير هنا إلى أمر أهم من ذلك ويجري بهدوء في إيران، وهو أن الإعداد عملياً لمرحلة ما بعد المرشد الأعلى الحالي آية الله خامنئي قد بدأ بالفعل. فالمرشد يسير في النصف الثاني من العقد السابع من عمره، وهو مع نهاية هذه الدورة من مجلس الخبراء يُكمل عامه الرابع والثمانين. فإن لم يكن هناك حديث عن الوفاة فإن الهمس يدور حول تأثيرات العمر على قدرته في تسيير أمور المرشدية، والخوف من نشوء أطراف ولوبيات تستغل ذلك الضعف لتمرير قرارات أو الترويج لسياسات تخدم مصالحها.

لذلك فإن الإصرار على أهمية انتخابات مجلس الخبراء والنظرة إليها هو إصرار على الإتيان بمجلس وفق المعايير التي تريدها مراكز القوى الصلبة في النظام السياسي سواء داخل مسطرة رجال الدّين أم في المراكز العسكرية والأمنية (الحرس الثوري والاستخبارات). وهو أمر رأيناه خلال استقبال المرشد لأمين عام وقيادات المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قبل أيام وما نُشِرَ في الإعلام عنه.

هذا الأمر وهذه السياسة لها تكوين جديد يجب الالتفات إليه وهو أن تلك المراكز الصلبة بدأت في الدفع بجيل إيراني شاب وجديد من رجال الدين (فضلاً عن السياسيين والعسكريين) وفق معاييرها كي يأخذ دوراً في الحياة السياسية. وقد أشار إلى ذلك أحد أعضاء مجلس الأمناء قبل أسبوعين إلى أنه: «يمكن أن يكون لنا مجلس خبراء شاب» على حدّ تعبيره، وأشير إليه في عدة لقاءات جمعت المرشد الأعلى بطلاب جامعيين، أريِدَ تسكينهم في مواقع مهمة كمنظمة الطاقة الذرية.

هذا الأمر بات واضحاً في إيران وهي تودِّع ببطء جيلها الأول ودخوله خريف العمر. ولم يعد الخيار أمامهم سوى تسليم السلطة إلى آخرين «مُرتَقبين» يعملون هم على حياكتهم وفق مقاسات يتم الإعداد إليها بطريقة صارمة. وهو ما يلمسه المراقبون في كل ما يجري هناك.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4907 - الجمعة 12 فبراير 2016م الموافق 04 جمادى الأولى 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 19 | 1:18 م

      اعتقد بان الكاتب خبرته تنبع من اخبار الجرائد والاعلام وهو لا يعي ما يدور في الكواليس وكتاباته مجرد تحليلات هو يراها والقاري عليه ان يحكم ويتابع الأحداث والواقع . انا لا اقول ذلك دفاعا عن النظام الإيراني الذي يعج بالاخطاء .

    • زائر 17 | 12:48 م

      كالعادة تجاهل بعض قراء المقال الرسالة وركزوا علي المرسل/الكاتب رغم انه يحاول ان يكتب مقالا تحليليا تعليليا لما يجري في ايران ، مع ان الكتابة عن ايران هي من المهام الشائكة والصعبة ..حيث ان الدستور حول صلاحيات الرئيس إلى المرشد العام الذي جمعها كسلطات زمانية بسلطات روحية وفقهية ذات علاقة بتطوير جديد سياسي لمفهوم ولاية الفقيه. لكن هل يستطيع الجيل السابق الهرم المحافظة علي امتيازته في دولة يشكل الشباب اكثرية حيث تبلغ نسبة الشباب دون الثلاثين عاماً قرابة 63% من عدد السكان وهي نسبة كبيرة؟؟

    • زائر 11 | 12:31 ص

      المبادئ ثابتة

      تغير الأشخاص لا يعني تغير في مبادئ الجمهورية التي تأسست عليها الثورة.

    • زائر 10 | 11:47 م

      أمور الاختلاف هذه طبيعية جدا ولو لم تحدث لما احتاجت الجمهورية الى مجلس خبراء، لكل وجهة نظر يبديها دون تحفّظ او خوف .
      الافكار تتصارع وتتقارع لكي تتلاقح وتنتج الأفضل.
      ها نحن هنا قد ضقنا ذرعا من أي فكر معارض وأودع الكثير من المعارضين السجون والتخطيط لحل المجالس البلدية

    • زائر 9 | 11:22 م

      اختلف مع الكاتب في طريقة عرضه للموضوع حيث يشم القارئ حجم الجفاء والتحامل منه على ايران وهو ما لا اجد له تفسيرا أبدا

    • زائر 15 زائر 9 | 6:15 ص

      ...

      أري أنه كان محايداً ولم يبدِ رأياً شخصيّاً في الموضوع

    • زائر 18 زائر 9 | 1:01 م

      لا يوجد أي تحامل

      يجب إبداء الرأي على الحقائق لا على الكاتب

    • زائر 8 | 11:17 م

      الاختلافات ظاهرة صحية فى اى مجال ومنها السياسة. ياريت موجود فى اى دولة عربية !!! مثل هدالتقدم من العلم والثقافة والتكنولجيا وعدم الاعتماد على النفط وايجاد بداءل لتوليد الطاقة (للوطن وبيع الفائض كاستثمار....) وكون ايران دولة نووية سلمية (النووي للطاقة والطب وعدة مجالات اخري. فى نهاية المطاف كل المسؤؤلون والقادة الثوريون والشعب وهم الاكثرية الساحقة سوف يستمرون بنهج المؤسس الامام الراحل رضوان الله عليه شاء من شاء وابا من ابا. والنصر للاسلام المحمدي الاصيل

    • زائر 16 زائر 8 | 6:22 ص

      وماذا عن الغرب

      الغرب ليس عندهم الإسلام المحمدي الأصيل ومع ذلك هم أكثر تطوراً من إيران في كل المجالات العلميه والصناعيه والتكنولوجيه والطبيه والزراعيه وعلوم الفضاء والفلك والهندسه.. والسياسه والديمقراطيه...إلخ

    • زائر 7 | 10:55 م

      لكن ماذا عن المعتدلين ؟ قطعا لن يبقوا متفرجين وهم يرون الاقصاء يمارس بحقهم ويتم تفصيل مستقبل البلد على هوى أحد الأجنحة ، لديهم نفوذ كبير كرئاسة الدولة وغيرها وشعبيتهم تتزايد .
      لا أعرف و قطعا لا أحد يعرف تفاصيل ما سيحدث ، الذي أعرفه أن التغيير سنة الحياة ، و أن دوام الحال من المحال .
      كل ما أتمناه أن يتم التغيير بسلاسة وهدوء وسعة صدر من الجميع ، هذا ما تحتاجه ايران وتحتاجه جميع الدول في العالم .

    • زائر 6 | 10:53 م

      لكن ماذا عن المعتدلين ؟ قطعا لن يبقوا متفرجين وهم يرون الاقصاء يمارس بحقهم ويتم تفصيل مستقبل البلد على هوى أحد الأجنحة ، لديهم نفوذ كبير كرئاسة الدولة وغيرها وشعبيتهم تتزايد .
      لا أعرف و قطعا لا أحد يعرف تفاصيل ما سيحدث ، الذي أعرفه أن التغيير سنة الحياة ، و أن دوام الحال من المحال .
      كل ما أتمناه أن يتم التغيير بسلاسة وهدوء وسعة صدر من الجميع ، هذا ما تحتاجه ايران وتحتاجه جميع الدول في العالم .

    • زائر 5 | 10:52 م

      لكن ماذا عن المعتدلين ؟ قطعا لن يبقوا متفرجين وهم يرون الاقصاء يمارس بحقهم ويتم تفصيل مستقبل البلد على هوى أحد الأجنحة ، لديهم نفوذ كبير كرئاسة الدولة وغيرها وشعبيتهم تتزايد .
      لا أعرف و قطعا لا أحد يعرف تفاصيل ما سيحدث ، الذي أعرفه أن التغيير سنة الحياة ، و أن دوام الحال من المحال .
      كل ما أتمناه أن يتم التغيير بسلاسة وهدوء وسعة صدر من الجميع ، هذا ما تحتاجه ايران وتحتاجه جميع الدول في العالم .

    • زائر 4 | 10:48 م

      كما أشرت في نهاية المقال فإن القيادة العليا في ايران تسير على خطى المؤسس.. ولا مناص من هذا لأنه أساسا خط يسير جنبا الى جنب مع المستقبل الذي من المؤمل ان يلتقي وخط الامام المهدي - الآتي قريبا جدا - حيث تبنى ركائزه الآن خلف الكواليس وتتعدد محاوره .

    • زائر 13 زائر 4 | 6:03 ص

      ..

      ننتظر إش ورانّه

    • زائر 3 | 10:47 م

      لكن ماذا عن المعتدلين ؟ بالتأكيد لن يبقوا متفرجين وهم يرون الاقصاء يمارس بحقهم ويتم تفصيل مستقبل البلد على هوى أحد الأجنحة ، لديهم نفوذ كبير كرئاسة الدولة وغيرها وشعبيتهم تتزايد .
      لا أعرف و لا أحد يعرف قطعا تفاصيل ما سيحدث ، الذي أعرفه أن التغيير سنة الحياة . ودوام الحال من المحال .
      كل ما أتمناه أن يتم التغيير بسلاسة وهدوء وسعة صدر ، هذا ما تحتاجه ايران وتحتاجه جميع الدول في العالم .

    • زائر 2 | 9:27 م

      أستاذ محمد

      لديك فهم تفصيلي وعميق لأسلوب وطريقة ... إيران وتناقضاتها الداخليه وهو ما يفسّر لنا بعض أسباب تناقضات سياساتها الخارجيه

    • زائر 12 زائر 2 | 12:41 ص

      هل عندنا الي عندهم كي ننتقدهم ياريت العرب يسييرون على النهج الايراني سوف تراهم من افضل الشعوب في كل المجالات كما رئينا ايران

اقرأ ايضاً