العدد 4914 - الجمعة 19 فبراير 2016م الموافق 11 جمادى الأولى 1437هـ

استهلاك المعاني وإنتاج الفضائل

عباس المغني abbas.almughanni [at] alwasatnews.com

طفل في كل صباح يذهب إلى محل، وينظر من النافذة إلى الألعاب المعروضة، ويتخيل أنه يمسك باللعبة، لكنه سرعان ما يفيق من حلمه، على صوت صاحب المحل الذي يطلب منه المغادرة وعدم الوقوف بجانب الدكان.

في أحد الأيام شاهدت مريم، هذا المنظر، فرأت بقلبها ما لا تراه العيون.

مريم طفلة، يتيمة الأبوين، عمرها أربعة أعوام، وترى بعين واحدة فقط، وهي العين اليمنى؛ لأنها فقدت عينها اليسرى أثناء ولادتها.

أحست مريم بمشاعر الطفل، فقطفت وردة من الحديقة، وذهبت إلى صاحب المحل، وأعطته اياها، وابتسمت في وجهه، وقالت له: «أنت إنسان طيب وجميل»، ثم غادرت بسرعة من دون أن تترك فرصة لصاحب المحل يتحدث معها، فشعر صاحب المحل باستغراب وبارتياح وسعادة في الوقت نفسه.

وكررت ذلك في صباح اليوم الثاني، لكن في صباح اليوم الثالث، بمجرد أن فتحت مريم باب الدكان والوردة بيدها، ابتسم صاحب المحل وهو يطير من مشاعر السعادة، وقال لها لن أتركك تذهبين حتى تأخذي هدية، اختاري أية لعبة».

فحركت مريم رأسها يميناً ويساراً، رافضة العرض، وقالت: «أنا أحب أن أراك سعيداً، ابتسم فقط».

فقطب صاحب المحل وجهه، وغير من صوته ممازحاً مريم، قائلاً: «أنا لن أكون سعيداً إلا إذا أخذت الهدية».

فقالت مريم: «حسناً، لكن لي حرية التصرف»، فضحكا معاً.

فأخذت مريم اللعبة، وذهبت مباشرة إلى ذلك الطفل، الذي طرده قبل قليل صاحب الدكان، وأعطته اللعبة، فشعر الطفل بسعادة، وتغيرت ملامح وجهه من البؤس إلى الفرح، شعر بجمال العطاء والمحبة.

صاحب المحل ذهل مما شاهد، وتأثر، فذهب إلى مريم وتحدث معها.

فقالت له مريم: «إن الورد والابتسامات والكلمات الجميلة، هي منتجات لمعاني الحب والمحبة والخير والعطاء، كنت أريد من ذلك، أن أبيعك هذه المنتجات، وعندما تستهلك هذه المعاني، سينتج قلبك فضيلة العطاء، وهذه الفضيلة هي التي ستدخل الفرح والسعادة في قلب ذاك الطفل المحروم.

المجتمعات تعيش حياة الجنة حينما تستهلك المعاني وتنتج الفضيلة، وتعيش حياة جهنم حينما تستهلك الشكليات وتنتج القسوة والتشدد.

أنا سعيدة وأنت سعيد والطفل سعيد، مشاعرنا امتزجت بالمحبة حينما استهلكنا المعاني وأنتجنا الفضيلة.

فصمت صاحب المحل، وكأن روحه تناغمت مع جمال الكون، ثم تساءل في نفسه، هل هذه طفلة عمرها أربع سنوات، أم ملك أرسله الله ليهديه إلى الطريق المستقيم.

إقرأ أيضا لـ "عباس المغني"

العدد 4914 - الجمعة 19 فبراير 2016م الموافق 11 جمادى الأولى 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً