العدد 5101 - الأربعاء 24 أغسطس 2016م الموافق 21 ذي القعدة 1437هـ

التعامل مع تعددية الأديان والمذاهب، والرؤى الفكرية خارج أطر الأديان والمذاهب (2-3)

صادق جواد سليمان

مفكر عماني

العام 1909، عالم شيعي بارز، يدعى عبدالحسين شرف الدين، حل بالقاهرة في زيارة لشيخ الجامع الأزهر، سليم البشري. كان شرف الدين من أصل لبناني، تحديداً من جبل عامل، لكن مولده كان في حي الكاظمية ببغداد، وتحصيله العلمي من الحوزة الشيعية بالنجف. كان الباعث لزيارته شيخَ الأزهر إحساسه بأن السنة والشيعة يتباعدان عن بعضهما، وأن تباعدهما يضعف الإسلام... لذا وجب على علماء المذهبين تكثيف الجهود لأجل توطيد الوحدة الإسلامية الحاضنة للجميع.

في ذلك الوقت (مطلع القرن العشرين) كانت النخبة الثقافية العربية-الإسلامية قد أفاقت على حقيقة ما ساد العالم العربي-الإسلامي من تخلف مريع إزاء التقدم المشهود المنجز في العالم الغربي، ومن ذلك احتد بينهم نقاش غزير حول مسببات التخلف. في مقابل الأطروحة العلمانية أن الموروث الإسلامي كان سبب التخلف، رد الإسلاميون أن على العكس، الابتعاد عن الإسلام كان السبب، وأن المطلوب موقف إسلامي موحد في وجه التحدي العلماني القادم من الغرب.

كإسلامييْن راسخيْن، اتفق العالمان، السني الأزهري والشيعي النجفي، على أن الابتعاد عن الإسلام كان السبب الأعظم للتخلف، لذا على المسلمين أن يرتبطوا بشكل أوثق بتعاليم الإسلام. اتفقا أيضاً على أن ما توجد من اختلافات بين مذهبيهما لا تمس أي أمر أساس، وأن المذهبين متلاحمان وراسخان سويّاً في الإسلام.

مع ذلك، حاولا أن يحددا ويتعاملا مع ما يوجد بين مذهبيهما من اختلاف. في معرض ذلك، وَجَدَا أن المشترك بين المذهبين - السني والشيعي - أعم كثيرا من المختلف عليه، وأنه يكاد لا يوجد أمر خلافي يذكر بين الجهتين سوى مفهوم الإمامة. وإذ أدركا أن موضوع الإمامة وما يتفرع عنه من تباينات مذهبية أخرى سيستغرق منهما وقتاَ طويلاَ للبحث، اتفقا على أن لا يختزلا البحث، بل أن يتناولاه على سعة وبمنهجية محكمة عن طريق مراسلة مرسلة. ما نتج إثر ذلك، على مدى ستة شهور، هي 112 رسالة متبادلة بين العالمين الجليلين، وثقها العالم النجفي في كتاب سماه بـ «المراجعات».

قراءة تلك الرسائل تعطي المرء ليس فقط فهماً أوضح لنقاط التباين بين المذهبين، بل أيضاً استيعاباً أدق للأرضية الأوسع التي يلتقيان عليها حول الجوهر العقيدي في الإسلام. فوق ذلك، هي تولد لدى القارئ إحساساً عميقاً بضوابط الحوار وأدبه في التقليد الإسلامي. هنا يلاحظ القارئ بإعجاب كم تتسم لغة الحوار بين العالمين بالوقار والإيجاز، وكم يتسم نهج الحوار بالتركيز على السمين دون الغث. هنا يلاحظ باعتزاز مدى تقدير كل منهما لعلمية الآخر في معطيات دين منزل هما في الإيمان بثوابته العقيدية سواء. هنا يلاحظ القارئ أيضاً الرغبة الخالصة لدى المناظرين في التوصل إلى فهم موضوعي حقيق - رغبة تسري في ثنايا كل عبارة يسطرها أحدهما في سياق عرض حجته واستظهار حجة الآخر. (إزاء ذلك، وجب أن ألاحظ، ببالغ أسى وأسف، الفارق الفاحش بين سمو مستوى الحوار بين هذين العالمين، وهما من أقطاب هذه الأمة، ومن أدرى المسلمين بالإسلام، عمومه وخصوصه، وبين ما نشهد من رداءة المبارزات الكلامية عبر بعض الفضائيات العربية المستثيرة، بقصد على ما يبدو، لاختلافات لا تقدم ولا تؤخر إزاء رسوخ المذهبين سويّاً في الإسلام).

كشاهد على نقاء حوار العالمين، لعل من المفيد أن أورد هنا مقاطع من المقدمة التي صدّر بها العالم الشيعي النجفي كتابه (المراجعات) كي يلمس القارئ مباشرة روح هذا الحوار النموذجي الذي جرى بينه ونظيره العالم السني الأزهري، والذي اختتم بتبادل أخلص عبارات المودة والتقدير:

يقول صاحب «المراجعات» في مقدمة الكتاب: «وهناك (بالأزهر الشريف) على نعمى الحال، ورخاء البال، وابتهاج النفس، جمعني الحظ السعيد بعَلَم من أعلامها المبرزين، بعقل واسع، وخُلُق وادع، وفؤاد حي، وعلم عيلم، ومنزل رفيع، يتبوأه بزعامته الدينية، بحق وأهلية. وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي، والقول الرضي، والخُلق النبوي، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس منه في أمان ورحمة، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه، أو بثة ذات نفسه. كذلك كان عَلَم مصر وإمامها، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكراً لا انقضاء له ولا حد.

شكوت إليه وجدي، وشكى إليّ مثل ذلك وجداً وضيقاً، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا فيما يجمع الله به الكلمة، ويلم به شعث الأمة، فكان مما اتفقنا عليه أن الطائفتين - الشيعة والسنة - مسلمون يدينون حقا بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبس بالمبدأ الأسلامي الشريف، ولا نزاع بينهم إلا ما يكون بين المجتهدين في بعض الأحكام، لاختلافهم فيما يستنبطونه من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو الدليل الرابع، وذلك لا يقضي بهذه الشقة السحيقة، ولا بتجشم هذه المهاوي العميقة. إذن أي داع أثار هذه الخصومة المتطاير شررها منذ كان هذان الاسمان - سنة وشيعة - إلى آخر الدوران.

ونحن لو محصنا التاريخ الإسلامي، وتبينا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات، لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنما هو ثورة لعقيدة، ودفاع عن نظرية، أو تحزب لرأي، وأن أعظم خلاف وقع بين الأمة اختلافهم في الإمامة، فإنه ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة، فأمر الإمامة إذن من أكبر الأسباب المباشرة لهذا الاختلاف. وقد طبعت الأجيال المختلفة في الإمامة على حب هذه العصبية.

وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين، فنفهمهما فهما صحيحاً، بحيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتقليد، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته، فنلمسها لمساً، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق، فيكون حدّاً يُنتهى إليه، إن شاء الله.

كما أسلفت، اتفق العالمان على أن أعظم خلاف وقع بين الأمة هو اختلافهم حول الإمامة، فما كنه هذا الاختلاف؟

السنة، وهم يشكلون الغالبية العظمى من المسلمين، قالوا إن النبي توفي دون أن يعين وصيّاً أو خليفة له، أنه ترك للأمة اختيار من توليه قيادتها من بعده. بذلك أودع المذهب السني السلطة الدينية والسياسية معاً في الأمة نفسها، بشرط أن تلتزم الأمة في عموم اجتهادها ومسلكها التزاماً صحيحاً وصميماً بالقرآن والسنة.

في المقابل، قالت الشيعة إن النبي سمى ابن عمه وصهره، علي ابن أبي طالب، ليكون وصيه، لكن كلام النبي إما أنه لم يفهم على حقيقته في وقته، أو أنه لم يؤخذ به بعد وفاته.

هذا الاختلاف لاحقاً تجاوز كونه مجرد اختلاف تاريخي، إذ اكتسب، إضافة لذلك، بعداً ذا طابع عقيدي وآخر ذا طابع سياسي. بذلك غدت الإمامة لدى الشيعة عقيديّاً وظيفة مقررة إلهيّاً، مكملة لمهمة النبوة. في تأييد ذلك قالت الشيعة إن الله بواسع علمه وحكمته لم يكن ليترك ديناً شاءه أبديّاً وكافة للناس من دون أن يعين مرجعاً معتمداً لتبيان أحكامه بشكل صحيح ودقيق، جيلاً إثر جيل: من هنا اللزوم المستدام لدور الإمام في حصانة الرسالة وضمان نقائها في كل عصر. وإذن، ليس أن عليّاً، كإمام للمسلمين موصىً عليه من صاحب الرسالة، كان ينبغي أن يخلفه فحسب، بل أيضاً أن يتولى الخلافة من بعده ابناه الإمامان، الحسن فالحسين، ومن بعد الحسين الأئمة من ذريته كان ينبغي أن يتعاقبوا على قيادة الأمة ابنا عن أب عن جد.

بمثل هذا المنطق أضحى الإمام لدى الشيعة شخصاً مجتبىً من الله وموهباً منه بعلم لدنّي يضفي عليه عصمة من الخطأ في قول أو فعل. من هنا أضحت طاعة الإمام فرضاً واتباع منهاجه واجباً، ولأجل ذلك حصرت الشيعة استقاء فهمهم للإسلام من آل البيت دون سائر المصادر الأخرى. سياسيّاً، بقدر ما فارق هذا البعد العقيدي بين المذهبين ولد بينهما أيضاً خصومة سياسية.

في المقابل، لا يرى السنة ما يراه الشيعة في الإمامة. لدى السنة، الإمام شخص قائد في أيما حقل يتميز فيه. أهلية القيادة لديه مكتسبة بفضل صفات شخصية، وجدارته كقائد تظل محل تقييم مستمر، وهو بذلك يبقى رهن عزل له أو عصيان أو تجاهل، إن أساء. وعلى ما يرون، من بعد الرجوع للقرآن والسنة، لا يحتاج المسلمون سوى إلى ممارسة اجتهاد مبصّر بالإجماع والقياس، وأحياناً أيضاً بالاستصلاح والاستحسان، لكي يتوصلوا إلى أحكام صائبة إسلاميّاً في كافة الأمور، دنيوية وأخروية.

نتيجة التباين العقيدي اتبع السنة الأشعري (القرن العاشر) في الأصول واتبعوا في فقة الفروع الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل. أما الشيعة، ففي الأصول وفقه الفروع سويّاً اتبعوا مذهب آل البيت والذي يشخص نسبة إلى إمامهم السادس، جعفر بن محمد الصادق (القرن الثامن)، ومن ثم يعرف أيضاً بالمذهب الجعفري.

في مضمار الحديث النبوي يوجد أيضاً قدر من اختلاف. توجد أحاديث منسوبة للنبي يعتد بها أحد المذهبين ولا يعتد بها الآخر. لدى السنة صحاح ستة، أبرزها صحيحا مسلم والبخاري (القرن التاسع الميلادي). لدى الشيعة مراجع مماثلة، بما فيها كتاب الكافي للكليني (أيضاً القرن التاسع الميلادي). مع ذلك، مهم أن نشير أن جل الحديث النبوي متطابق أو متماثل في المروي لدى المذهبين، كما أن ترافد صحة السند وتوافق المتن مع القرآن المجيد شرط مشترك لاعتماد أي حديث.

اختلاف آخر نرصد وجوده في مجال تقييم بعض الشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي، الأمر الذي في طوره الحاد طالما أفرز حزازات مزعجة بين متطرفي المذهبين. أما على الصعيد الأكثر سعة وموضوعية في قراءة التاريخ الإسلامي وتقييم شخصياته، وهو الصعيد الأعم لدى المذهبين، فلا نجد هناك حدة أو حزازة مخلة بالوئام المتبادل بين أتباع المذهبين جراء هذا الاختلاف.

أخيراً، لدى كلا المذهبين تنبؤٌ بظهور المهدي الذي سيحقق السلام والعدالة على الأرض في السنين الأخيرة قبل نهاية العالم. إلا أن الفكرة تأتي أكثر تبلوراً من عند الشيعة: المهدي لديهم هو عينا الإمام الثاني عشر، محمد ابن الإمام الحسن العسكري، الذي في سن الرابعة، العام 873م، فجأة تغيب عن الأنظار بمدينة سامراء بالعراق. منذئذ، المهدي حي يرزق، مصاحب للزمان على مضض، يرصد كل ما يجري في العالم، وينتظر، وهوعلى أهبة مستدامة، الأمر الإلهي له بالظهور، محملاً تكليفَ القضاء على ما يكون قد تراكم من ظلم وفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. السنة لا ترى الأمر بمثل هذا التحديد الشخصي للمهدي المنتظر، ولا في مثل هذا الإطار الغيبي لوضعه الساري على الأرض ريثما يحين ظهوره بإذن الله آخر الزمان.

إقرأ أيضا لـ "صادق جواد سليمان"

العدد 5101 - الأربعاء 24 أغسطس 2016م الموافق 21 ذي القعدة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 5:00 ص

      في النهاية لا أحد لهو ذنب في ما اعتنق من مذهب هو آتبع مذهب ابويه وهذا الخلاف أزلي كخلاف المذاهب المسيحية والأفضل نبعد هذا الخلاف عن أمورنا الدنيوية ولا نفترق بسببها ونجعلها بيننا وبين خالقنا ونحنوا كشعب يجب أن نتشارك ونعمل سوين وبالأخص في الأمور الدنيوية السياسية وأي مطالب تصب في مصلحة الشعب وان اختلفنا في بعضها لا يمكن أن تفرقنا بس لا نقرب عقاءدنا المضادة لبعض التي يصعب حلها هذا ما اتبعتهو الشعوب العريقة في الديمقراطية وراها هي من تحترم جميع الدينات والمذاهب والمعابد المختلفة جنبن إلى جنب والحر

    • زائر 1 | 1:00 ص

      كلام مختصر وكثير الإفادة...فيه معلومات قيمة...بدون مغالاة المتطرفين في كلا المذهبين...

اقرأ ايضاً