العدد 5125 - السبت 17 سبتمبر 2016م الموافق 15 ذي الحجة 1437هـ

هدنة لافروف - كيري تنذر بكارثة متمددة

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

تعددت آراء المتابعين وتباينت بشأن اتفاق القطبين الروسي والأميركي حول الحرب السورية، الذي تمّ تمديده إلى 48 ساعة أخرى، لكن الأنفاس لم تحتبس انتظاراً لمفأجاة ما ستحدث، فتباشير خرق الهدنة سبق الحديث عن بدئها. إنها تفاصيل اللعبة الروسية الأميركية التي باتت مكشوفة ومعلومة، ففي السياسة لا أسرار على رغم الاتفاقات السرية.

في الإطار العام رُفعت لازمة محاربة الإرهاب واستهداف «داعش» و»جبهة النصرة» وأخواتها، في التفاصيل أسئلة تتكاثر عمن سيخرج من شوط الهدنة الجديدة مهزوماً أو منتصراً، على الرغم ممن وجدها تستحق العناء، لماذا؟ تكتب نهلة الشهال: «الغاية المباشرة من الاتفاق تستحقّ العناء، كأن يأمن الناس على أرواحهم ولو نسبياً، ولو لبعض الوقت، وأن تصل الإمدادات الإغاثية للمحاصَرين، لكنها غاية قاصرة أمام هول الكارثة الممتدة، ولن يمكن القضاء على المجموعات الإرهابية بالاستئصال العسكري وحده، قد يُضعف القصف المجموعات، لكن وجود إطار يُدافَع عنه هو الحل، وهذا ليس متبلوراً بعد». قولها منطقي من أسف، فمن قُتل منذ هدنة مارس/ آذار الماضي وحتى الهدنة الحالية تجاوز 300 ألف شخص حسب المرصد السوري المعارض، الأسوأ أن هدنة مارس أتاحت لقوى الصراع إعادة تعبئة نفسها، وشحذ هممها لجولات جديدة من حروب القتل والدمار المتنقلة.

لقد تحوّلت سورية إلى بلد مستباح عسكرياً واستخباراتياً، واشنطن زادت من تواجدها العسكري بحجة مساندة «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي»، وتمدّدت جنوباً عبر «جيش سورية الجديد» وحتماً هذا الوضع غير مؤقت، حيث تشير التقارير إلى وجود قوات خاصة أميركية وبريطانية وفرنسية وألمانية وأخرى نرويجية تدرب مقاتلين سوريين للتصدي للإرهاب في الأردن. واشنطن نقلت إلى سورية ما لا يقل عن 47000 طن من الأسلحة عبر رومانيا وبلغاريا، فيما نقلت موسكو كميات كبيرة من السلاح. إنه سباق تسلح ومستنقع أفغاني يتمدّد، أما طرفا النزاع الأساسيان فلا يملكون خياراتهم وإن تمنّوا ومن معهم ذلك عبر التصريحات الإعلامية، دع عنك إدعاء كل طرف ونقيضه، بأنه يمثل «الشرعية» أو «الغالبية»، منذ متى صارت الشرعية والغالبية مفهوماً للقتل والدمار والضياع؟

إنها معارك متحركة على النفوذ والثروة بالوكالة، الجميع منهم أراد أم لم يرغب أصبح قزماً وأداة تحركه أوامر الحليف الإقليمي والمتعهد الدولي، فهو من يخطط ويحرك ويسدد المرتبات ويمول وقود الحرب، ودورهم التنفيذ. إنها حرب مدمرة؛ المنتصر فيها مهزوم، وقد تستمر لسنوات أطول، طالما لم تتبلور ظروف لعبتهم القذرة لإعادة تشكيل جغرافية المنطقة وتقسيمها لكانتونات طائفية وإثنية.

مرتكزات الهدنة

مرتكزات الهدنة كثيرة، بيد أن أبرزها يتمحور بشأن ضرورة امتناع جميع الأطراف عن الأعمال القتالية والقصف الجوي وإلقاء البراميل المتفجرة واستهداف المدنيين، وإفساح المجال لإدخال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة بما فيها حلب، أما العقدة المثيرة للجدل، فتتمثل في انسحاب طرفي النزاع عن طريق الكاستيلو شمالي حلب، وهي طريق إمداد رئيسية، وإيجاد منطقة منزوعة السلاح في محيطها، فهذا الطريق وتبعاً للمحللين شكل عقدة المطالب الأميركية، لجهة استعادة التواصل البري مع المجموعات المحاصرة شرق حلب. هنا قيل الكثير عن ضبابية الصورة بشأن صيغة فتح الطريق، مع أن الخطة الانسحابية تنص على تراجع الجيش السوري 500 متر جنوب الطريق، ومسافات أخرى تتراوح بين ألف و3500 متر شمال الطريق، مع لائحة متباينة للأسلحة التي يمكن للجيش السوري الاحتفاظ بها، والكثير التي ستتموضع فيها نقاط الرصد المقترحة.

الهدنة تشترط تبادل المعلومات، وأسوأ ما فيها تجميد دور الجيش السوري وتقليم أظافره، كي تتولى واشنطن وموسكو تنفيذ العمليات العسكرية المشتركة للقضاء على الإرهاب، كما تشير الهدنة إلى أهمية الوصول إلى استئناف للعملية التفاوضية بهدف التوصل إلى حل سياسي وفق تصورات جنيف ومنه للإنتقال السياسي، كوسيلة وحيدة لإنهاء الحرب بشكل دائم.

لماذا الهدنة؟

حسب الظاهر تتمحور دوافع الهدنة حول وقف الأعمال العدائية بين طرفي القتال وتحقيق السلام، إلا إن أسباباً أخرى تكمن وراءها أيضاً، ليس أقلها حالة التعب والإنهاك التي بلغها الجميع من القتال وعدم ممانعتهم في إيجاد حل سياسي. طرفا النزاع عجزا عن حسم المعارك في ميادين القتال وساحاته التي كانت ولا تزال تتأرجح بين الكر والفر، على رغم المشهد الظاهري الذي يرجح كفة طرف على الآخر عند بعض وسائل الإعلام لجهة التقدم العسكري للجيش السوري وحلفائه بعد استرجاعهم مجمع الكليات ومشاريع كتل البناء وملحقاتها والراموسة، وهي التي تمثل جزءاً حيوياً من معركة حلب المعلنة والشاملة، إلى جانب تدخل القوات التركية على خط المعارك شمالي حلب في معركة «الفرات» مما زاد الأمر تعقيداً وخلط الأوراق.

إلى ذلك يمثل الإصرار الأميركي على تحقيق هدفه السياسي والعسكري في المنطقة، دافعاً قوياً لأخذ مسار الهدنة، حتى وإن اتخذ خط المراوغة في اللعب على عامل الوقت وانتظار نتائج الانتخابات الأميركية وبلورة سياسة جديدة للإدارة الأميركية. وتتمظهر المراوغة من خلال الاتفاق على أن روسيا والولايات المتحدة ستعملان معاً للقضاء على الإرهاب، تحديداً «داعش وجبهة النصرة»، في الوقت الذي لم تلتزم فيه واشنطن بتحديد موقفها من وضع فصائل المعارضة وفرزها واتباع طرق متعددة للإلتفاف على ذلك من أجل الاحتفاظ بهم كورقة لحين موعد المفاوضات السياسية، أو لاجتثاثهم عند الانتهاء من دورهم.

أما دوافع روسيا التي تشكّل طرفاً مباشراً في الحرب، فهي لا ترغب بالاستمرار في حرب مفتوحة السقف الزمني ودون أفق سياسي، وحالة اللاحسم عسكرياً تخضعها لحالة استنزاف، وبالتالي فهي تجهد لانتشال نفسها من مستنقع الحرب في إطار التوازنات الميدانية وتعقيداتها.

إن رخاوة الهدنة وعدم تحديدها للأطراف الإرهابية وخرائط تواجدها فتح الباب واسعاً أمام الشكوك في جدية اتفاق الراعيين الدوليين، والتأويلات بشأن الأهداف الخفية وراء الهدنة، أما التخوف من تداعياتها السياسية والعسكرية فقد تبين من خلال ارتباك قوى المعارضة المسلحة والتباسها في الاعلان عن موافقتها على الهدنة والتحفظ عليها وشكوكهم في الجانب الأميركي فيما يتعلق بإدارة المفاوضات.

حتماً الشك والريبة يخامرهم وربما اليقين عند بعضهم بأن الهدنة هي مشروع لابتلاعهم عبر حل سياسي لا يتناسب ومصالحهم وأجندتهم السياسية والعسكرية، بل وذهبت بعض التحليلات إلى احتمال خضوع هذه القوى إلى مقايضة أميركية-روسية ستجهز عليهم وتجتثهم وتقوم بتصفيتهم في مناطق تجمعاتهم، وهذا الذي يفسر تجاذبات بعض الفصائل بشأن التوحد والاندماج لتعزيز قدرتهم التفاوضية. والتقارير تشير إلى ضغوط كبيرة مورست على بعضها للإعلان عن موافقتها على الهدنة وهم غير مقتنعين بها.

الخلاصة التي انتهى إليها البعض بأن الهدنة محطة للعب في الوقت الضائع سياسياً، ولإعداد الأوراق العسكرية لما بعد مرحلة انهيارها، فيما يجد آخرون أن «اعتداء العدو الإسرائيلي قبل أيام على مواقع سورية ما هو إلا محاولة استباقية من قوى إقليمية داعمة لفصائل سورية مسلحة بهدف الالتفاف على الهدنة..». أما بالنسبة للنظام السوري وحلفائه فلا شك أن تحسّبهم وحذرهم من مرحلة استئناف المفاوضات وما تقود إليه التفاهمات بين الروس والأميركان كبير، لاسيما بشأن صلاحيات المرحلة الانتقالية وتحديد وضع الرئيس، فكل هذا وذاك رفع من منسوب الشكوك بشأن الهدنة واهتزاز الثقة في التوصل إلى حل سياسي قريب يوقف سفك دماء الأبرياء.

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 5125 - السبت 17 سبتمبر 2016م الموافق 15 ذي الحجة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 10:28 ص

      صدقوني!
      نحن الآن بحال كالتي سادت العالم في 1938؛ ظلم عظيم وفقر مدقع وتفاوت طبقي وحلول تافهة ورؤساء بلهاء مستخذين!
      فالحرب قادمة، فادخروا!
      قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون.

    • زائر 3 | 9:35 ص

      مصالح الدول الكبرى
      والشعوب العربية تدفع الثمن

    • زائر 2 | 8:53 ص

      لقد دمروا سورية وسلطوا عليها الارهابيين من كل مكان

اقرأ ايضاً