العدد 5146 - السبت 08 أكتوبر 2016م الموافق 07 محرم 1438هـ

حسينيات المنامة بين الرواية والدليل

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

بدايةً لابد من الإشارة بالعرفان والفضل لمن بدأوا البحث مبكراً بتدوين بعض ما وصل إليهم عبر اللقاءات الشخصية أو التوثيق الأولي، في موضوع الحسينيات في البحرين، ومنهم عبدالله سيف، وفؤاد خوري، وعلي أكبر بوشهري، وغيرهم، من مبدعي بعض المدونات والمنتديات العلمية ذات النفع التقني الهادف. فهم من زرعوا فينا الحافز لإعادة فتح هذا الملف لمزيد من البحث، باتجاهات أخرى ربما لم تتوافر حينها لأصحابها.

فما يؤسف له، على رغم وجود سجل السيد عدنان للأوقاف منذ العام 1928، فإن معظم حسينيات المنامة، وهو ما سنركز عليه تحديداً، لا توجد لها وثائق ثابتة تدوّن تاريخ تأسيسها، حتى ولو بشكل تقريبي. لذا، يتم الاعتماد على الرواية الشفاهية عادةً في تدوين السنوات التقريبية لتأسيس تلك الحسينيات. وإن كانت الدعوة مازالت قائمةً للعمل على تدوين تأريخ أقرب للدقة لهذه الحسينيات، اعتماداً على بعض وثائق الأوقاف التي بين أيدي الأهالي أو الجهات المعنية، أو البحث عن تلك التي لم يتم الكشف عنها بعد، لعدة أسباب لسنا في صدد عرضها الآن.

فوثائق الوقفيات هي خير مصدر ودليل حالياً للوصول إلى تأريخ أقرب للدقة، وللمؤسسين الحقيقيين لهذه الحسينيات، سواءً بالمقارنة بين تأريخ الوقفية والسنوات الشفاهية بحسب روايات الألسن لأشخاص سمعوا من أجدادهم أو آبائهم عن ذلك التأسيس، أو ربما نعثر في الوثيقة، عرضاً، على سنة التأسيس فيتم تعديل أو حذف الرواية وتثبيت التأريخ كما هو مدون. أو عقد مقارنات وإجراء مقاربات بين بعض المعلومات المتوافرة في وثائق، وكتب مختلفة تحدثت بالمصادفة عن شخص المؤسس، أو سنة وجوده في مكان ما، أو تبرعه أو منحه وقفاً لحسينية لها علاقة رحم أو مصاهرة مع عائلته.

ونورد هنا نوعاً يمزج في دراسة تأريخ تأسيس الحسينيات بين الرواية الشفاهية وعنونتها، والدليل المادي. هذا ما حدث مثلاً في إنشاء حسينية العجم التي كان اسمها في الأصل (حسينية بحرين)، كما ذكر لي الباحث علي أكبر بوشهري بعد أن حصل على بعض الوثائق منذ العام 1978. فقد تأسست بدايةً في «فريق الحطب» قرب حسينية بن رجب، التي سنتحدث عنها لاحقاً. حيث عثر، بوشهري، عن طريق الصدفة، على أجزاء من القرآن عددها 265 جزءًا في مكتبة تابعة للمأتم القديم في المنامة قبل هدمه. وكتب على غلاف بعض تلك الأجزاء أنها أُوقفت لوفيات بلغت 117 لرجال ونساء، متضمنة تاريخ وفاة الواقف لهذا الجزء، ومنها تم عمل مقاربة لتحديد سنوات تأسيس الحسينية. بالإضافة لمخطوطة من 600 صفحة، مكونة من ثلاثة أجزاء، وهي عبارة عن (كتب) وفيات للنبي محمد (ص)، ثم الإمام علي، ثم الإمام الرضا. إحداها، وقف للحسينية كُتب بها «مال الله العجمي بن المرحوم حسين كريم»، وتارة يكتب المنامي، وتارة البحراني. وللأسف أن هذا الرجل على رغم أنه كان يملك مكتبة عامرة، كما يذكر هو في مخطوطته الخاصة بوقفيته لحسينية بحرين، في الجزء الأول منها: «أصدقائي ومعارفي طلبوا مني أن أكتب كتاباً يُقرأ في عزاء المسلمين فتصفحت كُتبي..»؛ ومع ذلك لم يكتب أي شئ عن التاريخ، أو حتى كيفية تأسيس الحسينية.

ويذكر بوشهري، أن أول صفحات ذاك المخطوط كُتبت عام 1881. وبين يدي حالياً المخطوطتان الثانية والثالثة التي أمدني بها بوشهري، وقد دوّن عليها تاريخ الوقفية لحسينية بحرين (العجم) للعام 1888، وأخرى للعام 1891. وبذلك يمكن تحديد تأريخ تأسيس حسينية العجم الكبيرة أنه كان العام 1881م. مع أن الباحث بوشهري يعتقد، عن طريق المقاربة بأن تأسيس الحسينية يعود لأبعد من ذلك، أي للعام 1867. ودليله، أن المؤسس وهو علي كاظم بوشهري، كان يعمل في بضائع البقالة عندما وصل إلى البحرين العام 1860. فاشترى بدايةً «دكان» للبيع، ثم قطعة أرض وسجّلها باسمه ثم أوقفها للحسينية، واشترى كذلك بيتاً لعائلته. وهنا مربط الفرس في المقاربة، فعلي كاظم اشترى في فريق الحطب بيته، كما هو موثق، في العام 1867 وليس قبل ذلك. إذاً ليس بمستبعد أنه اشترى أرض الوقف في نفس العام، أو بعده بعام على الأقل بسبب تدني سعر الأراضي آنذاك في المنامة وغيرها. كما أن هناك دليلاً آخر، وهو أن أحد أعضاء الحسينية القدامى، والقول على لسان بوشهري، ذكر وجود كتاب عن جنوب إيران لمصورين فوتوغرافيين، ذكروا فيه شيئاً عن عالم مثقف من الصوفية في العام 1869، اسمه «أوازه»، وهو لقب اشتُهر به خطباء المنبر الحسيني في بوشهر وغيرها، ويدلّ على عذوبة الصوت أو العندليب، على شاكلة لقب «روزخون»، خطيب حسيني. وأشار الكتاب إلى أن هذا المثقف الصوفي استوطن البحرين قبل ذلك التاريخ. واعتماداً على هذا، رجحت أنه بعد وصول علي كاظم إلى البحرين بنحو سبع أو ثمان سنوات، أي عام 1867، أسس مأتمه الخاص ليواصل الخطابة فيه مما يعشقه أساساً، وهذا استنتاج شخصي فقط. والحسينية مسجلة باسم علي كاظم، حيث كان يقوم بالصرف عليها بشكل بسيط آنذاك لقلة عدد المنتسبين لها، كما أعانه في التأسيس وإدارتها ثلاثة أعضاء آخرين. وتلك الحسينية هي التي نُشر حديثاً صورة بابها في مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحسب رواية أحفاد السيد صادق بوشهري، فقد تحوّلت الحسينية إلى موقعها الحالي (مأتم العجم الكبير)، قرب حسينية بن زبر، بعد أن أوقفت جدتهم سليلة بيت بن رجب، وزوجة السيد صادق بوشهري؛ الأرض التي تملكها بمساحة أكبر، لبناء الحسينية الجديدة عليها عام 1892، وتم البناء من الخوص وجريد النخل ويسمى «البرستج». وقُبيل وفاة المؤسس، عام 1937، أوكل إدارة الحسينية إلى ابن ابن عمه عبدالنبي بوشهري، ثم توالت على الإدارة عدة شخصيات. وفي الأربعينات من القرن العشرين؛ تم بيع أرض الحسينية القديمة.

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 5146 - السبت 08 أكتوبر 2016م الموافق 07 محرم 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً